رحلة إلى الماضي (القصة8)

سلمى الغزاوي

                   (القصة الثامنة من المجموعة القصصية على ضفاف الواقع)

                                         رحلة إلى الماضي

 

من العادي أن تجعل الوحدة من الإنسان مريضا نفسيا، أو مجنونا، أو حتى قاتلا محترفا، ولكن الغريب أن ترسلك الوحدة إلى الماضي البعيد، أن ترى أحداثا أمام عينيك كنت تقرأ عنها في الكتب التاريخية فقط.

تفضل هيام أن تبقى وحيدة كعادتها، وسط كومة كتب تقرأ كل مرة منها كتابا. ذات مرة وقع اختيارها على كتاب يروي تاريخ الدولة العثمانية، ففتحته وعكفت على قراءته، لكنها أحست بنوم شديد، قاومته دون جدوى، فغطت في نوم عميـق.

بعد مدة استيقظت، فوجدت نفسها في حديـقة كبيرة، تتوسط قصرا لا مثيل له. علت وجهها دهشة كبيرة، بدأت تفكر وتتحسس الأرض بحثا عن كتبها فلم تجدها. بعد أخذ ورد، عقدت العزم على دخول القصر. تقدمت هيام نحو القصر وهي تحدق إلى جوانبه وأسقفه، في دهشة وانبهار. ودون انتباه منها، اصطدمت بأحد الخدم، فأغمي عليها.

بعد أن استفاقت، وجدت نفسها نائمة على سرير من حرير، يحيط بها الكثير من الأشخاص، يتبين من خلال ملابسهم أن فيهم خدما وأسيادا، ثم جاء رجل ذو هيبة وصاح فيهم: “هيا كل إلى عمله”. عرفت هيام من خلال هيئته أنه صاحب القصر، تفرق الجمع، وبقي الأسياد فقط، وكل منهم يحمل في رأسه ألف سؤال، وكذلك هيام، فليست تختلف عنهم، تقدم السلطان إليها وسألها:

– كيف حالك الآن؟

– بخير، شكرا لك يا سيدي، ولكن أين أنا؟ ومن أنتم؟

– أنت من عليها أن تخبرنا؟

– أنا أدعى هيام، ولكن لم ملابسكم هكذا؟ هل تمثلون في مسرحية ما؟

– أية مسرحية يا آنسة؟ أنا السلطان إبراهيم وهذا مستشاري أمين.

– وفي أي تاريخ نحن؟

– نحن في القرن الثالث عشر.

– هذا غير معقول… انتقلت من القرن الحادي والعشرين إلى القرن الثالث عشر، هكذا وبكل بساطة؟

– أرجوك يا آنسة اشرحي لنا.

– حسنا اسمعوا…

روت لهم القصة كاملة، وبعد أن انهت ظل الجميع يحدقون فيها باندهاش لما سمعوه، ولكن السلطان خاطبها قائلا:

– تبدين متعبة الآن، سندعك ترتاحين، وبعد أن تستعيدي عافيتك، سنكون في انتظارك. غادر السلطان وكل من كان معه.

بعد خروج السلطان من الغرفة، جاءت زوجة السلطان للاطمئنان على هيام، وقد كانت امرأة تقارب الأربعين من العمر جميلة القوام حسنة الخلق والخلقة.:

– كيف حالك يا هيام؟ خلتك نمت.

– بخير سيدتي، لا لم أنم بعد، ولكن ما الذي أتى بسيدتي إلى هنا؟

– أردت أن أطمئن عليك.

– وتتركين السلطان وحيدا؟

– هو من تركني، شغله الشاغل هو زوجته الثانية، أهملني وابني، وهذا ما يكاد يقتلني.

– اسمعي يا سيدتي، من أحبك أحبيه بشغف، ومن تركك اذهبي واتركيه. ولا تذرفي دموع الأسى عليه، لأنه لا يستحقها، فمن يستحق دموعك لن يتركك تبكين.

– ولكنه السلطان، صعب ومستحيل أن أتجاهله.

– ليس هناك مستحيل في هذا العالم، فانظري مثلا، السفر عبر الأزمان مستحيل، ولكنني سافرت.

– معك حق، لقد أحببتك، يا هيام.

– شكرا لك، وأنا كذلك.

– أتركك ترتاحين الآن، ولنا لقاء فيما بعد. تصبحين على خير.

– وأنت كذلك.

نامت هيام، ولم تستيقظ بعدها إلا وأشعة الشمس تداعب وجهها البريء، نهضت من السرير فوجدت جارية واقفة عند رأسها:

– صـباح الخير يا سـيدتي، يطلب السلطان حضورك في قاعة الاجتماعات.

نهضت هيام من السرير واغتسلت ثم لبست ثيابها ودخلت على السلطان الذي أذن لها وطلب منها أن تجلس بجانبه:

– أتدرين لم استدعيتك يا هيام؟؟

– لا يا سيدي لا أدري.

– أريد منك أن تحدثيني عن زمانك، وفيما يختلف عن زماننا، احك لي كل ما يستحق أن يحكى…

– آه يا مولاي، من أين أبدأ؟ فقد تغيرت أمور كثيرة لا سبيل لحصرها في حديث واحد.

– حسنا أخبريني عن مآل إمبراطوريتي، كيف سيكون مصيرها؟

– إن الإمبراطورية العثمانية، ستتوسع، ويذيع اسمها عبر بقاع الأرض، إلا أنها ستغدو في آخر أيامها رجلا مريضا تتآكل أطرافها، وسيظل التاريخ شاهدا على بطولات حكامها، وتاريخها العظيم.

– عظيم، هل كل هذا سيحدث؟؟

– أجل يا مولاي، هل يأذن لي مولاي بالرحيل؟

– طبعا بكل سرور، يمكنك الذهاب.

عندما همت بالخروج، تبعها المستشار أمين وعرض عليها اقتراحا قائلا:

– ما رأيك بجولة في أرجاء المدينة؟

– وكيف لي أن أرفض عرضا كهذا؟

– هل تجيدين ركوب الخيل؟

– يمكنني أن أحافظ على توازني؟

– إذا سأركبك على فرسي.

أركبها أمين على فرسه، وجعل يريها أسواق المملكة وأزقتها وعرفها على السكان:

– ما رأيك في النزهة؟

– جميلة جدا…

– ليست أجمل من جمالك…

– عذرا علي أن أذهب… لقد تأخرنا.

– هل أزعجك كلامي؟

– لا، لا أريد العودة حالا.

حسنا سأرجعك ولكن، عديني أن تأتي في المساء إلى الحديقة، أريد أن أتحدث معك.

– عذرا، لن أستطيع المجيء.

– أرجوك… تعالي..

– لا أدري… ربما لن آتي…

– أترجاك أن تأتي، لن يصدر عني ما يزعجك، سنتحدث فقط.

– حسنا، سآتي.

– إذا نلتقي في المساء.

– في الموعد كان كليهما في المكان المتفق عليه، نظر أمين إلى السمـــاء، وقال:

– ما أجمل السماء في الليل، قمر ونجوم ساطعة، منظر في غاية الحسن والجمال، سبحان من أبدع خلق كل شيء…

– إن كل آية في هذا الكون، دليل على قدرة الله وعظمته.

– هل أنت سعيدة معنا؟

– أشعر بغبطة كبيرة، فأنتم تعاملونني معاملة حسنة، ولكن… لا أستطيع الجزم بأنني سعيدة، لأن سعادتي لن تتحقق إلا عندما أعود إلى أهلي وأحبابي.

وظلا يتحدثان مدة طويلة، ثم انتبهت هيام إلى تأخر الوقت، فقررا العودة إلى القصر. عند دخولهما من باب القصر رأتهما زوجة السلطان الثانية، فأقسمت على المكيدة لهما.

وما إن استيقظ السلطان من نومه حتى اقتربت منه وقالت بعد تلميح:

– أريد أن أخبرك بشيء وأخشى أن يغضبك.

– ما هو؟ تكلمي…

– شيء عن هيام ومستشارك أمـين.

– ما بهما؟

– لقد تسللا لوحدهما الليلة إلى الحديقة و…

– وماذا أيضا لا تفقديني صوابي؟..

– لقد كانا يفعلان أشياء لا تليق بديننا ولا بأخلاقنا.

– الويل لهما، وفي قصري، سيدفعان الثمن…

نهض من مكانه غاضبا واتجه إلى غرفة الاجتماعات، وبعث في طلبهما. وصل أمين، فلم يكلمه السلطان، إلى أن أتت هيام، فصاح غاضبا:

– أهكذا يكون الرجال؟ وأنت يا هيام، أيتها الفتاة العاقلة، أهذه هي الثقة التي وضعتها فيكما؟

– ولكن يا سيدي…

– اصمتي… ألك الجرأة على مواجهتي، بعد ما فعلته؟؟

– لا أسمح لك بأن تتهمني دون أن تسمع وجهة نظري.

– ماذا سأسمع؟ من فتاة لطخت ثوب شرفها بالوحل.

– أرجوك يا سيدي، هيام لم تفعل شيئا، لا أسمح لك بأن تقول لها هذا الكلام القاسي.

– ما شاء الله، وأخيرا نطقت يا أمين، أيها الفارس الشجاع. ستريان ما سأفعل بكما، يـا حراس خذوهما إلى السجن، واربطوهما إلى الحائط بالسلاسل، في زنزانة واحدة، ليكونا عبرة لغيرهما.

في السجن، تم شد وثاقهما، وجعل أحدهما أمام الآخر على جدارين متقابلين.

– ارفعي رأسك يا هيام، كوني قوية، إن الله مع المظلوم.

– لم أستطع تجرع مرارة الإهانة التي تعرضت لها؟

– لا بد وأن شخصا ما يكرهنا هو من أبلغ السلطان وشاية كاذبة، وأظنني أعرف من يكون.

– من يا أمين؟

– زوجة السلطان الثانية.

– ولكن ما الذي يدفعها إلى فعل شيء كهذا؟

– أنت لا تعرفينها، إنها امرأة حاقدة.

– علينا أن نظهر براءتنا.

– لا تقلقي ستظهر عاجلا أم آجلا.

وبالفعل كان هناك من يعرف الحقيقة، ولكنه أخفاها لخوفه، فقد قررت إحدى الخادمات، بعد أن وخزها تأنيب الضمير أن تخبر السلطان بما تعرفه، فهي قد رأت أمين وهيام تلك اللية، ولكنهما لم يفعلا شيئا، بل اكتفيا بالحديث، فأخبرت السلطان بذلك، فعرف أن زوجته قد كذبت بشأنهما، وأمر أن يفرج عن هيام وأمين، واعتذر منهما.

عندما دخل السلطان غرفة نومه مساء، أغلق باب الغرفة باستياء بالغ، وأخذ ينادي زوجته بصوت عال، فجاءته مسرعة:

– ما بك يا عزيزي؟ لم كل هذا الصراخ؟

– اصمتي أيتها الكاذبة.. عار علي أن تبقي على ذمتي.

– ما الذي تقوله؟..

– وتتغابين كذلك..

رفع يده وصفعها حتى سقطت أرضا ثم رفعت رأسها والدموع تسيل على خدها، وقالت:

– إذا، لقد افتضح أمري… أتوسل إليك أن تغفر لي، لن أكررها مرة ثانية.

– كان عليك أن تفكري ألف مرة قبل أن تقدمي على ما فعلت. من الآن فصاعدا، لم تعودي زوجتي، ستعيشين في هذا القصر كغيرك من الجواري.

خرج السلطان مسرعا تـاركا الزوجة خلفه غارقة في دموع الندم، واتجه إلى غرفة مكتبه. استأذنه مستشاره أمين في الدخول عليه، فأذن له، ثم سأله قبل أن يجلس:

– أين هيــام؟

– لا أدري، ربما في غرفتها.

– بالمناسبة، أنتما تليقان ببعضكما.

– لا أيها السلطان، فلكل منا حياته الخاصة به.

– كما تريد، لقد كان مجرد اقتراح.

– سأذهب لأتحدث معها أظنها تشعر بالوحدة.

– حسنا، اذهب.

غادر أمين متجها إلى غرفة هيام. لما وصل عندها رأى في عينيها احمرارا لم يعهده من قبل، فسألها:

– أتبكين؟

– لا، يبدو أن شيئا ما دخل في عيني.

– لن تنطلي علي كذبتك يا هيام، ما الذي يبكيك؟

– اشتقت لعائلتي، وأود لو أعود إلى عالمي ليبرد هذا الشوق ويستكين قلبي.

– وهذا ما جئت أحدثك عنه.

– خيرا إن شاء الله.

– أعرف شيخا حكيما مخترعا، يمكنه مساعدتك.

– حقا؟ لا أدري كيف أشكرك.

– لا داعي للشكر، سأصطحبك غدا صباحا.

– حسنا سأكون في الانتظار.

في الصباح، كانت هيام على أتم الإستعداد. انطلقت رفقة أمين إلى منزل الرجل الحكيم، منزل يقبع على إحدى قمم الجبال العالية، عند وصولهما دقا الباب، فخرج رجل عجوز منحني الظهر، يتكئ على عصا، وقال لهما:

– مرحبا، ما الذي تريدانه يا بني؟

– أهلا بك يا عمي، هل لنا بالكلام في الداخل؟

– طبعا.. طبعا، تفضلا.

استضافهما الشيخ، وحكت له هيام قصتها كاملة، فقال لها:

– من حسن حظك يا ابنتي أنني كنت أعمل على جهاز كهذا منذ وقت طويل، ولم يجربه أحد حتى الآن، وربما قد يكون لك شرف التجربة.

– وكيف سأستطيع العودة؟؟

– ستجلسين على هذا الكرسي، المربوط بتلك الآلة، وستطلق الآلة مجالا مغناطيسيا عاليا، يخترق أبعاد الزمن ليضع فيه ثقبا يمكنك العبور من خلاله.

– أنا مستعدة.

– هيا لنبدأ…

جلست هيام على الكرسي، ولوحت بيديها لأمين تودعه، ثم أحست وكأن نوما غشاها. لما استيقظت وجدت نفسها مرة ثانية، في غرفتها وسط كومة الكتب، فكاد عقلها يطير من شدة الفرح. لـكن سؤالا، ظل ملازما لعقلها: هـل كانت الأحـداث التي مرت بها حقيقة عـاشتها، أم أنها لا تعدو كونها مـجرد حــلم مـن نسج الخـيال؟.