تفهمـــــوه…

سلمى الغزاوي

                                  

                 سومية

                                        تفهمـــــوه…

 

   المبدع قبل كل شيء هو إنسان، لكنه مختلف عن الباقي نسبيا من حيث رؤيته الفريدة والمختلفة، للوقائع وفهمه العميق لما يدور حوله، وشخصيته الحساسة لأبسط الأشياء.

   المبدع هو إنسان حباه الله بمَلكة ما، سواء القدرة على الكتابة وتحويل الألم إلى شيء جميل وسحب الأفكار اللاواعية وإعطائها طابعا جماليا واعيا، أو الرسم والقدرة على التعبير به عن المكنونات، أو عن المحيط المعاش. وغيرها من الفنون والمَلكات الإبداعية…

   إن شخصيته المبدعة تلك، التي لربما يحسدونه الآخرون عنها…لا تحوي كل تلك الإيجابيات المنظور إليها نظرة مثالية، فالمبدع كما سبق وأشرت من السلبيات في شخصيته، إن صح التعبير بهذا المصطلح أنه يتسم بالحساسية المفرطة لأبسط الأشياء، فقدرته العالية على تحليل الأمور بشكل أعمق وأكثر دقة، تجعله محطة للعديد من الاضطرابات النفسية، التي قد يتسبب فيها البعض بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة… فربما نظرة من إنسان، أو حركة، أو حتى سكون جامد من الطرف الآخر قد يكون له وقع نفسي شديد على شخصية المبدع. فبالإضافة إلى صراعه الداخلي مع ذاته، وشعوره بحمله لمسؤولية عظيمة، نرى أن نظرة الآخر إليه تعمق الجرح والألم أكثر… تلك النظرة الجاحفة إليه التي وإن لم تنطق ترسل له إشارات تخبره أنه مختلف… قد تحتفل به الطبقة المثقفة الواعية، لكنه يبقى رهين تلك النظرات والعبارات التي ترسل إليه دائما إما بطريقة مباشرة أو غير ذلك… لنأخذ على سبيل المثال الرسام، أغلبية الرسامين يتسمون ببعض التلقائية، والتأمل الطويل ودقة الملاحظة، وحساسية شخصيتهم المفرطة، فلنأخذ على سبيل المثال، البعض منهم يفضل الجلوس في مكان عام والتأمل بشكل أعمق في الوجوه أو ما حوله، وحين يتصيد شيئا يستحق الرسم فإنه يمعن النظر فيه ويحاول أن يحدد ملامحه في الهواء بأصبعه، ليلصق تلك الفكرة والملامح في ذهنه قبل البدء في الرسم. لكنه إن كان عليه أن يفعل ذلك فعليه كذلك أن يتحمل سماع مثل هذه العبارات : ” انظر لذلك الشخص، يبدو أنه مجنون.” ، ” يا له من شخص مثير للشفقة، يبدو أن الوحدة جعلته على ما هو عليه الآن ” والبعض الآخر : ” يا له من صعلوك، يحاول لفت الانتباه إليه لا غير”

   وغيرها من الكلمات، التي ربما لن تصنع الفرق حينها، ربما لن يستشعرها في تلك اللحظة، لكنها تترسب داخل تلك الشخصية الحساسة التي تمتص كل شيء، تمتص كل الصدمات والآلام… فتزيد جرحا على جرح… إنه وإن كان قد أتى بتصرفات تجدونها ( غير طبيعية ) فعلى الآخرين تقبل الأمر بصدر رحب، لأن نظرته العميقة للأمور، لا تمنحه ذاك الإحساس السطحي الذي ينتاب الآخرين… فهو منشغل دائما بذاته وبإبداعاته. ولا مجال ولا وقت له يقضيه في التفاهات…

   إن المبدع ما إن يمنحكم الشيء الذي يسعدكم أو تجدون فيه متعة أو تستشعرون ذواتكم فيه، حتى يأخذ ذلك الكثير من ذاته، إنه يحيى من أجل أن يقول لكم ” ها هو ما تشعرون يه، ولأنكم حرمتم من ملكة الإبداع، سأفعل ذلك نيابة عنكم…سأعبر عنكم.”

   فقليل من التفهم ليس إلا.