ناقص 40 سنة..

علي عبيد

                     

                          abid

                                 ناقص 40 سنة..

 

 

” دعوني أقص عليكم ما سكت عنه أهل الواقعة بلسان صريح.. فهنا ضحية لواعج الشوق، تريدني أن أكون أنثى لأحكي، ولا يجوز قراءتها لمن هم أقل من 40 سنة”..


 

 

 ودون أن تعرف ما معنى الحب، وجدت نفسها عارية بين يديه.. بين عشية وضحاها، سلمت نفسها له. دخلت عالمه من بابه الواسع. قالت في نهاية المعركة: “لا أريد سوى أن أكون أنثى”..

تجاوزت نصف ربع قرن بسنتين، لم تكن تعرف ما معنى الحب.. ولا ما معنى الجنس.. قدم لها رقم هاتفه كأستاذ لها، كان رأسه قد اشتعل شيبا، والسبب أن زوجته الأولى قدعلمته ما معنى أن يقرأ ” حرب النساء” قبل أن تطلقه بلغة المدونة.

ولأنها ربعة القامة، مستطيلة الوجه، بيضاء البشرة.. كاد أن يضيع كل وقته من أجل أن يركبها سفينة ليبحر في يم الرذيلة، بدأ يراسلها ليل نهار، سر علانية.. وما إن مر على ذلك أيام عشرة، حتى دخلت منزله بهدوء بارد كالموت.. سلمته نفسها من حيث تدري أو لا تدري.

اعتادت الفتاة زيارته في كل وقت وحين.. قال نسوة لها ممن رأينها تدخل بيته كأنما قد أصبح لها : ” رَاكْ تَتْعَلْقِي فِينْ اتْفَلْقِي..” فكانت في بداية الأمر تجيبهن بالصمت. ولما مرت الأيام أخذت ترد عليهن بوجه (قاسح): ” مَاشِي اشْغُلْكُمْ..”.

   وما إن مرت سنة على علاقتها به حتى وجدت نفسها ” الله غالب” فقدت شيئا هو الأنثى في عرفنا. وبدونه هي نكرة في دنيا النقاش عن اختيار المرأة للزواج، ولأنني واعدتكم في البداية بأن أكون صريحا وذلك من خلال العنوان.. دعوني أقول: لقد فقدت بكارتها..

لا أحد يعرف القصة بعد.. هما معا لا غير. بدأت الأيام تتكالب عليها، خاصة بعد أن وجدت منه رأسا شبيها بالصخر. فكلما كلمته عن الزواج، ذكرها بامرأته الأولى جاعلا من فقدانه الثقة الذراع الأيمن للعدم التحدث عن الزواج.

سكتت الفتاة طويلا، ولم تتوقف أبدا عن زيارته. مرت سنة أخرى على حالهما. لا هي امرأته، ولا هي وحيدة القلب في كيانها.. بطنها بدأ ينتفخ انتفاخا.. مشكلة أخرى أضيفت إلى عالمها المؤلم..

ها هي أيام المشمش قد انتهت، وها هو النعيم الزائل قد أصبح جمزا لجحيم أزف. وهما على الناموسية المحرقة.. وضع نظارته جانبا، ورفع صوت الموسيقى عاليا.. كانت الأغنية تحت عنوان : ” رَاهْ كَايْنَةْ ظُرُوفْ..” وأخذ يتأملها عارية. التفتت إلى الجهة الأخرى كأنما هي غاضبة.. ولكن في حقيقة أمرها، كانت تخشى أن يرى بطنها فيتحول إلى كلب مسعور، أو ثور هائج.

وضع ثيابه على ظهر باب الغرفة. وشرب دواء نصحه به أستاذ آخر؛ كي لا يهجع ليلا. أمرها أن ترقص له كعادتها.. ولكن أيام الرقص انتهت بظهور الجنين كبطل في القصة، وضعت المسكينة على عجيزتها قطعة قماش سوداء، وقامت ترقص على نغمات رَاهْ كَايْنَةْ ظُرُوفْ ، تردد على لسانها : ” تشرب الكاس وترضي الخواطر..”

فجأة أحست بالغثيان، كان الجنين قد صنع لها ضجيجا داخليا ؛ لأنهما لم يسمحا له بالنوم.. خرجت من بيت الخلاء مسرعة وعادت إلى الناموسية بسرعة، اتكأت على جنبها الأيمن، وتركته خلفها يدخن سجارته كعادته، وبعد فترة قصيرة قامت إليه وعانقته قائلة:

” إني حامل..” نزل الخبر عليه كالصاعقة.. قام مباشرة إلى الثلاجة وأحضر منها عصير عنب.. شرب حتى تراءى له النواس وأنشد يقول:

ألا فاسقِني خمراً، وقل لي: هيَ الخمرُ *** ولا تسقني سرّاً إذا أمكن الجهـــرُ

فما العيْشُ إلاّ سكرَة ٌ بعد سكـــرة ٍ *** فإن طال هذا عندَهُ قَـصُرَ الـدهـرُ

ثم دخل إلى الغرفة الأخرى وأحضر منها حزامه الجلدي فضربها بقوة.. وأخرج من حقيبته من النقود ما أخرج.. فقدمها لها قائلا بنبرة يسكنه التهديد :

ـ لا أريد أن أسمع خبرا كهذا.. وغدا ستذهبين إلى …. فما قدمته لك يكفيك في عملية الاجهاض.. وإن عدت إلي بهذه المشكلة سأفصل رأسك عن جسدك.. والآن أرني ظهرك قبل أن تريني شخصا آخر..

خرجت من ليلتها تلك، وتوجهت صوب صديقة لها، ولما حكت لها عن الذي حصل، زادت طينها بلة لما أخبرتها أن مشكلتها تلك ستضع بين نارين؛ نار الأهل ونار المجتمع. فاستطاعت أن تقنعها بعملية الإجهاض.. وراح الجنين الذي لا ذنب له سوى أنه جاء نتيجة تهور أمه، واعتداء أبيه.

ولما عرف أنها قد فعلت ما أمره بها.. عاد إليها من جديد. واستمر معها في علاقتهما اللاشرعية، لما يربو عن ست سنوات أخرى، لم يتزوجها ولم يتركها لحالها، أوجدت له كل الحلول.. اقترحت عليه أن يتزوجها ويطلقها كي لا يعرف أهلها والمجتمع بمشكلتها.. لكنه امتنع.. فكرت في الانتحار أكثر من مرة، ولكن الضمير قال لا.

   عُرض عليها الزواج أكثر من مرة ولكنها امتنعت؛ لأن أسفل بطنها ممزق. هاهو المغتصب قد أصبح لا طاقة له على القيام بما اختارها له، ربما لأن صديقه الأستاذ لم يعطه دواء آخر، كان اقتراحه لها بأن تبقى جنبه وأن يكتب لها منزلا في اسمها، فكان ردها على أنها لا تريد لا مالا ولا مسكنا، فهي فقط تريد أن يصلح أسفل بطنها بكتابة عقد شرعي خاتمته معروفة..

ها هو قد بلغ من الكبر عتيا.. وما هي إلا تلك الفتاة التعيسة التي صدقت أوهام حب الطفولة الزوبعة، فكانت النتيجة أن اختارت لنفسها مكانا جنبه يوم أن مات حيا.

   ولو أنه يملك ضميرا لكان هو من يقترح الحلول لها، ضاع خنجره الذي مزق به أحشاءها يوم أن كانت طفلة.. وهنا قالت وهي تتأمل غروب الشمس:

–       كنت سأنتحر.. ولكن لا أحد يستحق أن نموت لأجله.. والضمير الغائب لا يعود إلا حينما يتذكر صاحب السرير الملطخ بدم الأنثى على أن دنيا الصباح ليست كدنيا المساء، ومن يدري! ربما يكون هو المنتحر لا أنا.. فأنا سأعيش وحيدة أقرأ الذكريات المغتصبة على صفحة الاعتداء، وأكتبني جنسا عابرا على سرير العشاق الهلكى…

تعليقات

  1. رغم جرأة هاته القصة، إلى أنني أحببتها، لأننا أحيانا نحتاج للغة كهذه وصفعات مثلها لعلنا نستفيق على الواقع المر موفق أيها الأستاذ الكريم علي عبيد 🙂