أزمة جنوب السودان ومحوريتها في الفكر الاستراتيجي الامريكي.

سامي السلامي

                                sami

              أزمة جنوب السودان ومحوريتها في الفكر الاستراتيجي الامريكي
حينما نتحدث عن الفكر السياسي و الاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية، فإننا نقصد به تلك الأسس البنيوية للسياسة الخارجية الأمريكية، و التي ترتكز على: الأساس الفكري الديني أو الإيديولوجية الدينية، الأساس الفكري السياسي و الاقتصادي و الأساس الفكري البراغماتي.
 
و يمكن تعريف الاستراتيجية حسب وجهة نظر الاستراتيجي الألماني الكبير “كلاوزفيتز” بأن “الأهداف السياسية هي النهاية، و الحرب هي الوسيلة”، و عليه تبنت الولايات المتحدة إستراتيجية “الردع والاحتواء” أيام الحرب الباردة و من ثم إستراتيجية “الهجوم الوقائي” بعد أحداث 11 شتنبر 2001.
 
و تنبني الإستراتيجية الأمريكية الحالية اتجاه الوطن العربي و منطقة البحيرات الكبرى على نظرتين أساسيتين: “التفكيك النظيف” و”الفوضى البناءة” بهدف إعادة تقسيم الخريطة الجيوسياسية فيما يتماشى مع مصالحها القومية و أهدافها الإستراتيجية.
 
و عليه تم الاعلان يوم الجمعة 9 ماي 2014 بعاصمة إيثيوبيا “أديس أبابا” عن توقيع اتفاق سلام مشمول بوقف تام لإطلاق النار بين رئيس جنوب السودان “سيلفا كير” و زعيم المتمردين “رياك مشار”، حيث تم التأكيد على نية تشكيل حكومة وحدة وطنية لتسيير البلاد و الخروج بها من نفق الحرب الأهلية .
هذا و اندلعت  الأزمة شهر دجنبر 2013 نتيجة للتوترات العميقة بين قبيلة الدنكا التي ينتمي إليها كير وقبيلة النوير التي ينتمي إليها مشار، بعد تصادم قوات كير و مؤيدي مشار في العاصمة جوبا سرعان ما انتقل لباقي أنحاء البلاد، و ذلك وسط تصريحات محتشمة لكل من وزير الخارجية الأمريكي “جون كيري” و رئيسة المفوضية الأوروبية “كاترين أشتون” بشأن ضرورة فض النزاع.
 
الشيء المثير للجدل هو كيفية تعامل إدارة أوباما مع هذه الأزمة، و اكتفائها في مرحلة أولى بالدعوة لفض النزاع و حله سلميا تحت كنف منظمة التنمية لدول شرق أفريقيا “إيجاد” مع الدعوة لتفادي الانزلاق نحو حرب أهلية، و من ثم التحرك بشكل سريع و حاسم في الأسبوعين الأخيرين و فرض اتفاق سلام مبدئي ومؤقت على الطرفين، و هو ما جسدته زيارة “جون كيري” لأديس أبابا بداية الأسبوع الفارط و إعلانه عن فرض عقوبات على قائدين عسكرين من طرفي النزاع، و ما تلاها من تحرك للأمين العام للأمم المتحدة السيد “بان كي مون” نحو جنوب السودان في نفس الصدد.
 
و عليه فإن التحرك الأمريكي الأخير و التلكؤ الذي سبقه يجعلنا نتحدث عن شقين يهمان الأزمة، أحدهما أثناء بزوغها وسط صمت أمريكي يحيلنا لتوافر أهداف استراتيجية أمريكية حيال استمرار النزاع، وثانيهما في الضغط الأمريكي لإنهائها أو على الأقل لوقفها بشكل مؤقت يجعلنا نربطه بالتحولات الدولية الراهنة.
 
أولا و قبل البدء في تحليلنا هذا، لا بد من التأكيد على محورية جنوب السودان في الفكر الاستراتيجي الأمريكي، فهذا البلد الذي يمكن أن نسميه “وليد غير شرعي” لإستراتيجية المحيط المتجددة و التي وضعت أوزارها بالوطن العربي في عهد بن غوريون لتعطي أكلها سنة 2011 بشد أوصال السودان وتقطيع الجنوب تحت مسمى حق الشعوب في تقرير مصيرها، بلد ذو أهمية استراتيجية في منطقة البحيرات الكبرى كحلقة وصل بين دول المصب لحوض نهر النيل (مصر والسودان) و دول المنبع الشرق افريقية، وأي انفلات في الأوضاع الأمنية لهذا البلد سيكون له أثر خطير على زعزعة الاستقرار في طول حوض النيل نزولا و طلوعا.
 
 الاستراتيجية الأمريكية تجاه هذا البلد تنبني على استعماله و توظيفه لتحقيق أهدافها بالمنطقة و إن كان يقتضي الأمر إدخاله في حرب أهلية و نزاع مسلح، و عليه كانت الرؤيا الأمريكية في بادئ الأمر ترتكز على زعزعة استقرار المنطقة للدفع بها ككل نحو توتر مدروس و مسطر الأهداف، و ذلك للتأثير سلبا على السودان و مصر و إيجابا نوعا ما على باقي دول الحوض و أهمها إثيوبيا و أوغندا.
 
فالسودان التي لم تستفق بعد من صفعة انفصال الجنوب و الغارقة في مشكل دارفور، تجد نفسها أمام مشكل عويص بانفلات أمني في حدودها يهدد بانتقاله للداخل السوداني في حال تقهقر طرف من أطراف الصراع في جوبا، مع ما تكبده الاقتصاد السوداني من خسائر فادحة جراء اقتطاع 90% من ثرواته الطاقية لصالح “جوبا”، علاوة عن كون النزاع أثر على عائدات السودان من أنابيب النفط المارة بالأراضي السودانية و التي تقدر بـ 10 مليارات دولار سنويا، خصوصا إن علمنا أن الاضطرابات أدت إلى خفض إنتاج النفط في جنوب السودان بواقع الثلث إلى 160 ألف برميل يوميا.
 
أما مصر، ذاك البلد العربي ذو الأهمية المحورية في تاريخ المنطقة العربية و الإفريقية، تعيش في وضع سياسي خطير لم تعهده من قبل، فإضافة إلى مخلفات ما أطلق عليه “بالربيع العربي” و الصراع حول السلطة بين العسكر و مختلف الأطياف السياسية و التي كان آخرها إصدار أحكام بإعدام ما يقرب 700 عضو من جماعة الاخوان المسلمين أرجعتنا لسنوات الأحكام العرفية، فلقد فقدت دورها الريادي في المنطقة و انغمست في مشاكلها الداخلية، بل أكثر من ذلك أصبح أمنها المائي مهددا من قبل إثيوبيا خاصة و باقي دول المنبع.
 
و من ثم، كان دور كل من إثيوبيا و أوغندا رياديا في تدبير أزمة جنوب السودان، فالأولى عن طريق دبلوماسيتها و ذلك باحتضانها لمفاوضات السلام بأديس أبابا، أما الثانية فعن طريق دعمها عسكريا حكومة سيلفا كير، و هما بذلك يسعيان لربح أوراق تفاوضية في حال الجلوس على طاولة الحوار مع مصر والسودان حول النظر في إعادة تقسيم الاستفادة من مياه نهر النيل.
 
اتفاق السلام الأخير القاضي بوقف إطلاق النار ليس سوى اتفاقا مؤقتا وتصريح الناطق الرسمي باسم “مشار” حول أن حكومة جوبا لا تريد السلام و لا تعرف سوى لغة الرصاص خير مثال على ذلك، ما يجعلنا نقول أن أوغندا تبقى مهددة من تداعيات انغماسها في الأزمة، إن علمنا أن “رياك مشار” و في إطار توسيع خيارته الاستراتيجية لجأ إلى فتح حوار مع “جيش الرب” الأوغندي المعارض تحت مسمى “عدو عدوي صديقي”.
 
التحرك الأمريكي السريع للتوصل لاتفاق سلام لا يخرج عن الإطار الاستراتيجي القاضي بعدم جعل الصراع يمتد لمناطق أخرى لا تدخل ضمن الأهداف المسطرة، و عليه فإن استهداف كل من السودان و مصر استراتيجيا و تقزيم دورهما في المنطقة يمثل سقف التطلعات الأمريكية.
 
إدارة أوباما و بالتنسيق مع حكومة “بنيامين نتنياهو” المتوغلة في المنطقة بفعل صفقات السلاح والشراكات الاقتصادية مع دول القرن الإفريقي نجحتا في تحقيق أهدافهما الإستراتيجية، و تعملان على احتواء الأزمة لكي لا تمتد لدول تجمعها بها مصالح أو بمعنى أدق تخدم أهدافها الاستراتيجية بالمنطقة.
 
التحرك الأمريكي يحيلنا أيضا إلى التحولات الدولية الراهنة و تخبط الإدارة الأمريكية في تدبير الأزمة الأوكرانية، و عليه تعمل واشنطن للتفرغ نوعا ما لهذه الأزمة التي ستكون المحدد الرئيسي لطبيعة النظام الدولي، و عدم الانشغال بأزمات أخرى أو السماح بالذهاب ما وراء الأهداف المسطرة.
 
اتفاق السلام ذاهب نحو  الفشل على غرار سابقه الذي تم التوصل إليه شهر يناير الماضي، و التحركات الأمريكية ما هي إلا محاولة من واشنطن للتفرغ لملفات ذات أهمية قصوى و ذر الرماد في أعين مصر والسودان.