عيون خضراء (قصة قصيرة)

سلمى الغزاوي

عيون خضراء

 

   وخرجت وفي يديها كيلوغرام من البرتقال وفي جيبها خمسون درهما…على تلك الدراهم أن تكفيها للسفر ذهابا وإيابا دون أن ننسى المكوث ثلاثة أيام ( المصروف).

كانت قد ضاقت بها الأرض بما رحبت وهي تجوب الأزقة للوصول إلى المحطة، في داخلها جرح غائر، وتشتت للأفكار وتشرد للذات داخلها، إنه جنون بطعم العقل.. إنه فهم أعمق لم لا يمكن فهمه. كان قلبها وكعادته يصرخ ويتقطع ألما وبكاء ونحيبا… لكن العيون صامتة . لا تهتم بتتبع آثار الناس أو ملابسهم أو حتى مفاتنهم كما يفعل غيرها.. فيكفيها انشغالها بذاتها.

   وهي في عالمها الخاص، إذ أخرجها منه طفل في الحادية عشر من عمره، طفل على وجهه علامات الوسامة التامة، غطاها الوحل و الغبار والدرن.. .تأملت عينيه الخضراوتين، ثم غرقت في حفظ تقاسيمه وتفحصها.. .شعرت بقوة مغناطيسية كبيرة تطبق عليها قانون الجاذبية نحوه مباشرة، شعرت أنه يشبهها بشدة. انحنت تنظر إليه ولم تنطق بكلمة، ثم مد يده نحوها وبسطها أمام عينيها وقال بصوت علاه نوع من الخجل:

–         الله يخليك، عطيني باش نشري خبزة نديها لمالين الدار.

   بدأت دقات قلبها تتسارع، وتناست معنى ” الخبز” أمام بكاء إنسانيتها وصراخ ضميرها… وعلمت حينها أن وجهه ما تلطخ من تلقاء نفسه، لقد تلطخ ببقايا أصحاب البطون الكبيرة… بعد مدة من صمت الألسن، وسماع الطفل لصراخ ضميرها هاله ما سمعه، وكانت عيناه ستبكيان، لكن الدموع انحبست في محجريه، وقالت عيناه بهدوء :

–         لست السبب في ما أنا عليه الآن صدقيني

نظرت إلى البرتقال الذي تحمله، لكنه يريد خبزا.. الخمسون درهما لا تكفيها فهل …؟ تمنعت عن التفكير بشيء آخر سوى أنها طلبت منه أن يتبعها.. تبعها الطفل بخطوات بريئة، رغم أنه لا يدري إلى أين ؟ ثم توقفا قرب محل للبقالة، فأخرجت بضع دراهم ناولتها له:

–         هيا اذهب واشتر لك خبزا وخذه ” لمالين الدار”.

–         وعلاش ما تشريهليش نتيا ؟

–         وشكون الراجل ديال الدار؟

أمسك بالنقود ودخل ليخرج بالخبز في يديه وهو يضحك:

–         أنا الراجل ديال الدار.

ما عادت تتحمل أكثر حتى خرت على ركبتيها ثم ضمته إلى صدرها بقوة، وكاد المسكين يختنق من قوة العناق:

–         أنت تشبهني كثيرا يا ولدي… سامحنا يا ولدي سامحنا، فذنبنا أننا ولدنا في هذا العالم ليس إلا.