عشنا في القرون الوسطى

محمد المكاري

nnnnn

عشنا في القرون الوسطى

   عندما أنظر إلى الوراء وأعود بذاكرتي إلى الماضي، وأقف عند نهاية الثمانينات وعشرية التسعينات، يتراءى لي أن ما حققناه نحن شباب مرنيسة، هو شيء عظيم، وفريد من نوعه، إذ أننا شهدنا أسوأ دراما إنسانية عرفها التاريخ، فنحن عشنا عيشة صعبة جدا وﻟﻢ نلق في تلك السنوات، ﻣﺎ ﻳﻠﺒﻲ ﺣﺎﺟﺎتنا ﻭﻃﻤﻮﺣﺎتنا ﻓﻲ ﺍلعيش الكريم ﻭﺍﻟﺮﻓﺎﻫﻴﺔ ﻭﺍﻟﺴﻌﺎﺩﺓ؛ ﻓﻠﻘﺪ ﺧﺒﺮنا الجوع والمرض والبؤس، وعشنا مشاهد الإقصاء الآثمة والحرمان الظالم، ﻭﻋﺮفنا القهر ﺣﻖ ﺍﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﻓﻲ ﻣﻮﺍطنه ﺍﻟﻤﺨﺘﻠﻔﺔ.

  فمن منا لم يكن ينام والحيوانات تملأ بيته ضجيجا بأصواتها وضرطاتها،  ألم تكن الحيوانات تقتسم معنا مساكننا!، ثم ألم نضئ بلامبة الغاز السائل!، ألم نكن نكاد نصاب بالدوار والقيء من جراء رائحة الفتيل القبيحة!، ألم نكن نضع الصحن تحت السقف ليتجمع فيه الماء المتسرب من “النحايف”!، أتذكرنا كم كانت ألحان موسيقى ارتطام قطرات الماء بالصحن أشبه بنوتات سوناتة بتهوفين!.

  إن ﻣﺎ ﻳﺪﻋﻮ إﻟﻰ ﺍﻟﻌﺠﺐ يا إخواني ﻫﻮ ﺗﻨﺎﻗﺾ ﺍﻟﻌﻠﺔ ﻭﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻝ ﻓﻲ ﻣﻨﻄﻖ تلك الحياة الدرامية التي عشناها، فكل ملاحظ مهما كانت درجة تفاؤله،لا يمكن أن يصدق أن التلميذ الذي ينتعل حذاء “حلومة” والذي ينحدر من مدشر يبعد عن المدرسة بعشرات الكيلومترات، والذي يجلد البرد القارس أعصابه، وتصفعه الريح الصرصار العاتية على وجهه، وترتعد قدماه وتتقطع من برودة مياه الوديان الجارية في فصل الشتاء، والذي تحاول الأوحال الواصلة إلى الركب ابتلاعه، يستطيع الحصول على أعلى نقطة في الصف الدراسي، وينجح في أن يكون طالبا متفوقا ينافس أبناء النخب في ولوج الوظائف العامة والخاصة..

  إن الرجال العظام يعرفون بإنجازاتهم وإبداعاتهم، وأنا على ثقة تامة في أن أغلبنا والحمد لله، نجح في أن يكون رجلا مثقفا وعصاميا وحداثيا، له كل الكفايات التي تؤهله لمواكبة التطورات الحاصلة في جميع المجالات، وأن جميع الظروف لم تكن لتكون عائقا حال بيننا وبين أمانينا الغالية، غير أنه يجب علينا أن نعي أن هناك أطفالا آخرين لا يزالون يعيشون نفس الكابوس الذي عشناه منذ زمن مضى ويجب علينا أن نفعل شيئا ما من أجلهم..