أحلام مهاجر

فريق التحرير

b

أحلام مهاجر

حلت العطلة، وككل سنة، ترغب قلوبنا وأرواحنا بمعاودة رؤية بلدنا، وكلنا آمل في مغرب آخر، مغرب الحريات والمساواة والأخوة والازدهار والرخاء، وكل القيم الإنسانية التي يطمح إليها إخواننا المغاربة.

وصلنا إلى نقطة الجمارك، ويا لها من فرحة تلك التي ساورتنا عند رؤية الأعلام الحمراء والخضراء ترفرف في السماء الزرقاء الصافية، التي لم تكن سماء أخرى غير سماء وطننا الحبيب المغرب، وبخشوع رفعنا أكفنا إلى السماء وحمدنا الله على نعمة وطن ننتمي إليه.

كم كانت فرحتنا عارمة برؤية جمركيي حدودنا بقمصانهم ذات الأكمام القصيرة البيضاء والقبعات والنظارات الواقية من أشعة الشمس، يا لها من متعة رؤية الابتسامة تعلو محياهم فرحين باستقبالنا.

لم تكن الصفوف أمام شبابيك الاجراءات الادارية تدوم أكثر من زمن احتساء كأس شاي الترحيب.. وغادرنا الجمارك، ولم أعد أرى الحشود البشرية التي كانت تحتل الساحة الكبيرة التي تلي الجمارك، تحت أشعة الشمس وهي ترقب مرور المواكب تحت النظرات الحزينة، تابعنا طريقنا نحو المضيق ورأيت سائقي السيارات يسوقون بأدب محترمين إشارات المرور، احتراما يليق بسائقين جيدين، فلم أسمع صوت أبواق السيارات ولم أر سيارة تتوقف أينما اتفق وكيفما اتفق، كانت السيارات تسير الواحدة تلو الآخرى من دون أي مشاكل ولا تغير مفاجئ للسرعة، حتى وإن كنا نرى رجال الدرك الملكي يركبون عرباتهم هناك بعيدا. هؤلاء، كانوا يراقبون الطريق بيقظة كبيرة، كما لم أر أبدا أي دركي يعبر الطريق بشكل مفاجئ من غير أن يلتفت عن يمينه وعن شماله، فحتى هم بدؤوا في احترام مدونة السير.

   الله على التربية والحس الوطني الذي يقدمه رجال الدرك للمدنيين، وددت لو أترجل من سيارتي وأعانقهم بحرارة، لكن هم لم يقوموا بشيء استثنائي، لأن هذا هو ما يجب أن يكون، لكن هذا بالنسبة إلي شيء جديد أراه لأول مرة على طرقات بلادنا.

وصلنا إلى وجهتنا الرباط، وتوجهت مباشرة إلى البنك لسحب مالي المدخر، وحينما دخلت، لم أجد أحدا أمامي، مع أن الساعة كانت تشير إلى الواحدة بعد الزوال، لم أجد إلا الموظفين كل في شباكه ينتظرون سؤالي، وبعد عدة دقائق قضيت حاجتي، وعند الخطوة الأخيرة التي كانت تفصلني عن باب البنك، تحدث إلي رجل بلطافة ورحب بي في بلدي وبنكه، مقدما نفسه على أنه مدير البنك، وباسمه وباسم كل العاملين في البنك، أخبرني بأني مرحب بي من أجل أية خدمة بنكية، حينما غادرت تلك المؤسسة ومديرها، كنت مفعما بالحماسة والتحفز والمتعة، محدثا نفسي أن الأشياء قد تحسنت بالفعل، فياله من مستقبل ينتظر أبنائي في هذا البلد؟ بلدهم أحسن بلد في العالم.

وأنا أعد الخطى عائدا إلى المنزل، سألت نفسي، لكن المغرب كان دائما جميلا، إنه أحسن بلاد العالم، ولو لم تحتضن مكة الأماكن المقدسة في الإسلام، لقلت بوجوب الحج إلى هذا البلد.

أجل، ففي لاشعور كل مسلم، حينما يريد التعبير عن حبه وفرحه نحو بلده، دائما ما يبحث عن تمثيله بمكان عبادة، لأنه المكان الذي يستحق أكثر احترام وحب.

نعم دائما ما يصف المغاربة المغرب بهذا الوصف، أحسن بلد في العالم، لو لم يكن هناك أشخاص يسيئون، وهؤلاء لحسن الحظ لم يعودوا موجودين، والحمد الله الذي سيدعوهم إلى الوقوف أمامه وسيسألهم عن أفعالهم المسيئة تجاه هذا البلد الجميل. نعم، علينا أن نكون اليوم فخورين ببلدنا كما كنا دائما.

ومساء ذلك اليوم الجميل الذي قضيته في بلدي بعد سنة من الغياب، شاهدت الأخبار وتابعت نقاشا وسط البرلمان، حيث البرلمانيون حاضرون، وهناك أشخاص ظلوا واقفين لانعدام المقاعد، ورأيت أشخاصا ينقضون على آخرين، والكراسي تتطاير، كما رأيت برلمانيا يرمي بهاتفه المحمول على منافسه مدافعا بذلك عن أفكاره، فلم أصدق نفسي وتخيلت أني أمام برلمان ياباني وليس مغربيا.

نعم، الديمقراطية ليست فقط ملكا لليابانيين والأوربيين، الديمقراطية ملك للمغاربة كذلك، والدليل هو هذا المشهد الخليق بالانتماء إلى الديمقراطية. فالديمقراطية تنتمي إلى كل من يدافع عنها، سواء كان ذكرا أو أنثى، من يعرف قول لا ومن يدافع عن معارضته مقدما البديل، وأنا، المتعود على رؤية برلمان بلا برلمانيين، وبرلمانيين لا يقولون أبدا (لا)، حتى أمام زملائهم غير المنتمين لأي حزب، وليس لهم أي برنامج ولا أية أفكار، لكنهم دائما زملاء السلم.

نعم، لقد تغير المغرب بشكل ملحوظ، فيا لها من وعود تنتظر أبنائي في بلدهم الحقيقي، بلد أباءهم وأجدادهم. أنا فخور، جد فخور ببلدي، ولدي الكثير من الأشياء أحكيها لي أصدقائي وزملائي في العمل، الذين يمثل المغرب بالنسبة إليهم بلدا ليس لأبنائه إلا أمل واحد، الذهاب بلا عودة.

غير أني أخبركم أن المغرب هو من الآن فصاعدا بلد العودة، وعندي الدليل على ذلك، فأنا عازم على العودة وبشكل نهائي، ألا تعلمون أن متعة زيارة المدينة مساء ولقاء أناس أشاطرهم نفس الأحاسيس يدفعني إلا الخروج. وقبل العثور على مقعد في مقهى أمام البرلمان بالرباط، كان علي انتظار دوري لاقتناء بعض الجرائد لقراءتها من كشك الزاوية، الكل ينتظر دوره لأخذ جريدته.

طلبت فنجان قهوة، وفي نفس الوقت بحثت عن مكان بالقرب من أحدهم مستعد للتحدث معي، لأن الكل يطالع جريدته، مجلته أو كتابه. كما لم أر قط العيون وهي ترمق المارات، بل كلها منغمسة في القراءة، الآن بدأت أعرف سر هذا التغير؟ القراءة.

نعم، إنها القراءة التي لها فضل هذا التغيير المحمود، اقرأ؟ الله على سر هذا الفعل، إذن يجب البدء بالقراءة من أجل التغيير.غادرت المقهى وأسرعت الخطى عائدا إلى المنزل لكتابة رسالة إلى صديق قرر قضاء عطلته في ألميريا، بالجهة المقابلة لبلده، لأخبره بالعودة سريعا إلى بيته، (ستكون فخورا بما سترى عيناك، وبإمكان أطفالك التنزه من دون أي شعور بالقلق). أنتهى عهد العنف اللفظي في الشوارع، انتهى زمن الانتظار أمام الجمارك، انتهت فترة شطط الشرطة في استعمال السلطة حينما يوقفونك حسب مزاجهم، انتهى زمن سائقي السيارات الذين يتجولون في كل الاتجاهات، انتهى زمن البرلمانات الفارغة، انتهى زمن الانتظار أمام الشبابيك البنكية، حينما يكون أحدها مفتوحا والأخرى معطلة، انتهى زمن الأخبار التي تتحدث عن العالم بأكمله، باستثناء البلاد.. انتهى زمن الأشخاص الجالسين في المقاهي لتتبع المارات بأعينهم وأعناقهم الشبيهة بأعناق الزرافات.

فالكل اليوم منشغل هنا بالقراءة، وفي طريقي مع كل ما رأيته وعشته للتو ومع إرادة نقل ذلك إلى صديقي عبر رسالة إلكترونية، استيقظت على صيحة أمي وهي تنادي (نوض الشمس شرقة وعودة)، كان هذا مجرد حلم وما أتمناه لبلدي الحبيب المغرب،سأحتفظ بهذا الحلم للحقيقة.