عاشق مانكان1 (قصة قصيرة)

محمد المكاري

عاشق مانكان

   لم يدري  علاء ما الذي جاء به في هذا المساء إلى قيسارية الفصول الأربعة، لعله شعر بالضيق من الوحدة  التي يرزخ تحت نارها،أو أنه مل من الحياة الرتيبة التي يعيشها، ومهما يكن السبب الداعي، فإنه بكل تأكيد لم يكن راغبا في اقتناء بذلة مناسبة له أو لأحد أقاربه، كان الباعة يعرضون سلعتهم والناس يقبلون بنهم على شرائها، ولم تكن تسمع في المكان إلا أصوت المساومة بين العارضين والطالبين، ولم يلبث  علاء إلا برهة حتى تسمر في زاوية  أمام واجهة محل تجاري لبيع الألبسة النسائية الجاهزة، وطفق ينظر بإعجاب إلى المانكانات المنتصبة أمامه..

ركز الشاب بصره على مانكان عليها فستان وردي اللون، لا يناسب لون بشرتها، وخيل له كأنها هي أيضا تراقب حركاته، أو أنها ربما أعجبت به، وتمادى في تصوراته، فاتخذ لها اسما، وظن أنها تكلمه وتسره بكلام لطيف جدا، وبينما هو على نفس الحال، فوجئ بصوت البائع يقاطع غفوته قائلا:

–   لا شك في أنك تريد أن تشري فستانا لزوجتك أو أمك، تفضل لك عندي كل شيء..

– كلا يا سيدي أنا لا أريد الآن شيئا..
   وعندما أحس بالحرج من صاحب المحل انصرف إلى بيته مهرولا، وهو يفكر في تلك العارضة الشقراء، ويلعن حظه الذي حرمه من الاستمتاع بالنظر إليها لأطول وقت ممكن..

   في اليوم الموالي قرر أن يخرج صوب القيسارية من جديد ووطن عزمه على أن لا يبرح مكان وجود معشوقته مرة أخرى مهما كلفه الأمر، وصل إلى مقصده بعد دقائق، وتوقف أمام واجهة المحل، ثم أطلق بصره ناظرا، وكله اشتياق واحتراق لتلك المانكان الرائعة، فلقد أولع صاحبنا بها ولعا شديدا وتعلق قلبه بها، فهو يتخيل أنها تبادله نفس الإحساس، وأنه ربما في يوم من الأيام سينال يدها، وسترافقه في رحلة سياحية إلى جسر الفنون في باريس، وبعدها سوف لن يفترقا أبدا..

أمام  تكرار سيناريو الزيارات اليومية، أصيب صاحب المحل بالارتياب الشديد، فظن أنه لص يخطط لسرقة ممتلكاته، وبينما كان صاحبنا يحدق كعادته ويحاول أن يمد  يده للسلام عن المانكان، فجاءه البائع بضربة على قفاه، وهو يصيح به أنت لص.. أنت لص..

نشب عراك بينهما، فتزاحم الناس مندفعين نحوهم، وأمسك باعة آخرين بالشاب المتهم وأحكموا وثاقه، وسلموه إلى أحد رجال الشرطة الذي كان يتواجد على مقربة من المكان.

حمل الشاب إلى المفوضية، وبدأ التحقيق معه، فأخبره المحقق قائلا:

– أنت متهم بمحاولة السرقة فما قولك؟
– لا يا سيدي أنا لم أسرق وأنا لست بسارق..
– وماذا كنت تفعل إذن في المحل إذا لم تكن تريد شراء شيئا؟
– أنا كنت فقط أتنزه ألم يقل المثل من لا يشتري فليتنزه..
– عجبا ولكن تنزهك كل يوم وفي نفس المكان يفند كلامك ويقوي من ادعاء صاحب المحل ألا تظن ذلك؟
– في الواقع يا سيدي ما تقوله صحيح، ولكن أنا..
– أنت ماذا؟ أتمم..
– أنا.. ربما لن تصدق.. أنا.. أنا وقعت في حب إحدى عارضات التاجر البلاستكية وأغرمت بها..
   قاوم المحقق ضحكته وقال:

– أعجبت بمانكان؟؟ لا شك في أنك أحمق أو مخبول..
– كلا يا سيدي أنا في كامل قواي العقلية، في الواقع لقد وجدت ظلتي فيها وسعدت بها، وإلا قل لي إذن ما الفرق بينها وبين من فيهن روح، ألم تصر نخبة  من النسوة في زماننا هذا مجرد أجساد تطليها الأصباغ؟! ألم تعد نساء شابات وبنات ﻛﺜﻴﺮﺍﺕ يتبعن حميات ﻟﻠﺤﺼﻮﻝ ﻋﻠﻰ ﺃﺟﺴﺎﻡ ﻋﺎﺭﺿﺎﺕ ﺍﻷﺯﻳﺎﺀ؟! ألم تصبح المرأة في نظر طائفة  من رجال هذا الجيل مجرد جسد؟!
– ربما.. ولكن ماذا عن الجوهر؟
– ويحاك يا هذا، لا جوهر لمعظمهن، فهن  قاصفات كالرعد، خاطفات كالبرق، غشاشات كالسحاب.. أما المانكان فهي على الأقل لا تكذب، ولا تنكث ولا تخون..
اقتنع المخبر بالإفادات وانتهى التحقيق وأطلق سراح علاء لعدم كفاية الأدلة لأدانته.. وعقب ذلك مباشرة طلب من أحد أصدقائه أن يتوسط له عند صاحب المحل لرؤية العارضة، وعندما سمع التاجر بالقصة تفهم موقف الشاب واستسمحه ووافق على حضوره لمحله يوميا، لكن لمدة عشر دقائق  فقط مقابل أن يدفع له بضعة دراهم.

 يتبع…