ألوان العلق

لطيفة حميمد

2222

ألوان العلق

إن تأمل هذا الجيل الناشئ يجعنا نشعر بفقدان الأمل و التساؤل عن أسباب التي جعلت الشباب في هذه الوضع الكارثي، وضع يجعله أسير التقاليد و التشبه بالآخرين، وهو تقليد لا ينبني على معرفة، بل هو أقرب إلى ما يسمى بالتقليد الأعمى. الشاب اليوم أصبح أسير الموضة، وفي حالة انشغال تام عن ما يفيده، وكذا في حياة أشبه بدوامة، لا يعرف كيفية الخروج منها، يعيش في صحراء ينعدم فيها المرجع القار والثابت،إذ تتعدد فيها المراجع ويلونها التيه. إن هذه الحالة التي يعيشها الشاب اليوم جعلتني أبحث عن أسباب هذا الضياع و عن أسباب هذا العلق ولا مرجع.

إن الخوض في البحث عن الأسباب يجعلني بالضرورة أبحث عن العلاقة بين هذا الوضع و بين التنشئة الاجتماعية التي تصنع الأفراد و تقولبهم بقوالب خاصة، يحدد شكلها الثقافة والأعراف وكذا الأشخاص الموكول لهم مهمة التربية

إني أرى ضرورة ربط هذا الوضع بأصل الناشئ، أي الطفولة والعوامل المؤثرة في التربية والمتمثلة في الأسرة و المدرسة والمجتمع ككل.

تعتبر الأسرة هي الوسط الاول الذي يحتضن الطفل، لكن هذه الأسرة لا يعنيها إنشاء أبناء صالحين، بقدر ما يعنيها إنجاب أطفال كثر، وخصوصا الأسر الفقيرة، كثيرا ما تساءلت: لماذا تنجب الأسر أبناء إذا كانت ستوكل للشارع مهمة تربيتهم؟ لماذا وما الدافع لكذلك؟ هل بهدف الاطمئنان على أنفسهم و ضمان من يتكفل براعيتهم حينما يصلون سن الشيخوخة؟ إذا كان هذا هو السبب فأنا أقول: هل أعددتم أنتم هذا الشخص الذي يحسن بكم عند شيخوختكم و هرمكم؟ أم أنكم كلفتم الشارع بهذه المهمة؟ أنتم تنجبون فقط، وتنتظرون أبناء جاهزين يقومون بالاعتناء بكم في كبركم.

إن بعض الأمهات بمجرد ما يصل طفلهم سنتين أو أقل في بعض الأحيان، يصبح الشارع هو منزله الثاني، بل المنزل الذي يقضي فيه أغلب الوقت، فالطفل لا يدخل إلى المنزل إلا لينام أو ليأكل، وحتى الأكل في بعض الأحيان في الشارع.

إذن الشارع هو من يلعب الدور الكبير في تربية الطفل، والشارع يجمع كل الأصناف البشرية، والسلوكيات السيئة في سن لا يميز فيه الطفل بين الخبيث والصالح. فيتعلم الطفل و هو ابن السنتين السب والشتم، و الألفاظ التي لا تمت للأخلاق بصلة، بالإضافة إلا أنه يتعرض للتعنيف الجسدي و النفسي، و الاقصاء من طرف الأطفال الأكبر منه سن، وحتى من طرف الراشدين. فالطفل في السنوات الأولى من حياته، يقلد كل شيء يراه أمامه، وهذه السلوكيات التي يقلدها، هي من تنحت و تقولب شخصيته.

أما في المنزل، فإن الطفل يتعرض للإقصاء و التهميش لا أحد يسمعه، والكل يطلب منه الصمت، فالمسكن الذي يجب أن يكون مصدرا للسكينة ومنبعا للرحمة ومكانا لتبادل الأفكار و الآراء، هو في الواقع يتنافى مع كل هذا، ولا تسود فيه سوى صيغة العنف.

   والأسوء من هذا، السلطة الرابعة المدمرة التي تحتل في كل منزل المكان الأساسي مكان الأكل والجلوس، فعوض أن نزين غرفنا بمكتبة لنعلم الطفل القراءة، نزينها بالتلفاز ذلك المعول الذي يهدم كل جذور الأخلاق. فما تعرضه القنوات من برامج و مسلسلات ليس لها هدف سوى هدم ثقافة وقيم المجتمع، وكذا إنشاء جيل ضعيف مستهتر فاقد للاتجاه.

فماذا سيكون رد فعل الطفل حينما يرى أمه تسكته لتسمع لمسلسل ما لرسالة التي توصل له؟ لا توصل له سوى أن المسلسل أفضل منه؟

والوسط الثالث الذي يطبع شخصية الطفل، هو المدرسة مصدر العلم و المعرفة، فكيف لمدرسة تربط الدراسة بالعنف والخوف و التهميش أن تكون مدرسة للنجاح؟ إن هذه المدرسة تمارس على الطفل كل السلوكيات التي تجعله يفقد الثقة في نفسه، ولا تعطي له فرصة ولا هامشا للخطأ، حيت أن الذي يجد صعوبة في التعلم يسمى كسول دون معرفة الأسباب الحقيقية التي جعلته كذلك، و يهان ويعامل على أنه فاشل، وهنا ينتقل الفشل إلى حياته ككل، ويشعر بأنه لا قيمة له.

فكيف ننتظر شبابا صالحا في ظل كل هذه الأوضاع، كيف ننتظر شبابا ينهضون بهذه الأمة و يرقون بها كيف؟

إن صلاح أمة ونجاحها لن يتم إلاّ بصلاح شبابها، وصلاح الشباب لن يتحقق إلاّ إذا تلقى الطفل الرعاية والاهتمام من المدرسة والاسرة و المجتمع ككل. كما أنه لن يتحقق إلاّ إذا علمنا الفتاة قبل الزواج أسس التربية كما نعلمها أسس الطبخ، وزينا عقلها بالعلم كما نزين وجهها بمساحيق التجميل.