لماذا يا مريم؟

فريق التحرير

b

لماذا يا مريم؟

   مريم التلميذة الجميلة والذكية،وللأسف لن تسمع ما سأقوله الآن ولا ما يقولوه الآخرون في حقها، مريم انتحرت وتركت وراءها بعض الكتابات، بعض الكلمات التي خطتها بحرقة قلبها ودموعها، تلك الكلمات كانت أبلغ ما يمكن أن يقال، خاصة في سنها وهي ذات الخمس عشرة ربيعا، هي خلاصة عميقة لتجربة حياتية ملؤها الألم، أعدت قراءة ما نشر من كتاباتها مرات عدة، لأني لم أستوعب كيف لتلميذة تمتلك هذا المستوى الجيد في الكتابة أن تنتحر؟ في الوقت الذي نجد فيه تلاميذ يخلطون بين الفعل والاسم، وينصبون ويجرون ويرفعون حسب ما يحلو لهم، والبعض لا يستطيع أن يكتب جملة مفيدة، أظن أن لو أتيح المجال لمريم سابقا أن تقرأ كتبته لتغير الوضع، لو أنها استطاعت أن تخرج الغضب الذي يسكنها في مسرحية أو قصة قصيرة أو أي عمل فني لتفادت الانتحار.

كانت تريد أن تسمع صوتها فقط، أن ترد على كل من ينعتها ببنت الكاريان، فمستواها أرقى من رمي الآخرين بكلمات نابية، أرقى من الانحطاط اللغوي.

ولذلك كان الأولى أن تتم معاقبة المتسببات في انتحار مريم، كان الأولى أن يخرج وزير التعليم عن صمته ويقدم العزاء لعائلة مريم أولا، كما فعل زميله في الحكومة وزير التعليم العالي لحسن الدودي لما ظهر يمسح دموعه، والتي هي في الأخير دموع التماسيح على الطالب الحسنوي، عذرا فمريم لا تنتمي للحزب الحاكم وبالتالي لا يكلف سيادة الوزير نفسه عزاء العائلة المظلومة، مادام أحد أسباب انتحارها هو الوسط التعليمي، أو بالأصح النظام التعليمي الذي لا يحمي التلميذ في حالات كثيرة من التعنيف اللفظي أو الجسدي، كان الأولى إقرار قوانين زجرية جديدة بالمؤسسات التعليمية تتيح لكل متضرر أن يلجأ إليها.

للأسف السكن بالكاريان كان اضطراريا وليس اختيارا لعائلة مريم، وللحظات القهر التي كانت تتعرض لها العائلة والأب على الخصوص، حفرت في ذاكرت مريم، وسارت كل الصور ألما مبرحا، وما زاد ذلك هو عدم توصلها بأي رد على الرسالة التي سلمتها لبنكيران يدا بيد. من هي مريم إذن؟ مريم هي ألم كل المغاربة، والذي شاء الإعلان والإفصاح عن نفسه بالانتحار، هو صوت الألم لكل مظلوم محروم، لكل من تداس كرامته في أعين الآخرين بنظراتهم وكلماتهم، هو ألم كل المغاربة وهم يراقبون الزيادات التي تبارك حضور الجوع، مريم هي ألم كل المغاربة بعد اندثار كل الوعود والأحلام التي رسمتها الحكومة، مريم هي درس في الألم على الحكومة أن تستوعبه بشكل جيد.

   مريم فهمت بشكل جيد أن الحرية في وطننا ليست إلا امرأة مطلقة تنام مع الغرباء، وأن الكرامة ليست سوى ضربة حذاء ثقيل مغلفة بقفاز أبيض، وأن الشجاعة ليست سوى صورة صفراء لفارس ملثم يطعن غولا كانت معلقة على جدران مدارسنا الابتدائية. وكأن مريم تقول لنا لكم مغربكم ولي مغربي، ومغربي مغرب التضحية والانتفاض وحفظ ماء الوجه، ومغربكم مغرب الجبناء، الذي كل همهم العيش بسلام ولو على حساب كرامتهم، مغربي رسمت حدده بدمائي، ومغربكم أحسن بلاد في العالم نعم بأسلوب السخرية والتهكم، مغربي أحبه ويحبني، ومغربكم يبادلكم الحب باللكمات، مغربي مليء بالمغامرات التي تملأ خزائن تجاربي، ومغربكم مليء بالأحزاب السياسية التي هدفها التناوب على حكمه، مغربي مغرب الربيع، ومغربكم مغرب الخريف، مغربي مغرب الثقافة والحضارة وتعمير الأرض، ومغربكم مغرب الجهل الذين لم يؤهلهم مستواهم الدراسي لكتابة كلمة وطن، وبعثروا حرفه وجعله عسير النطق والعيش، وهذا ما جعلني أن نختار بين العيش في مغربي دون مغربكم.