أحياء شعبية وبخير

سلمى الغزاوي

سومية

لم أر في حياتي كلمة أكثر عنصرية وتميزا وطبقية، من كلمة الحي الشعبي والحي الراقي.. لذلك سأتحدث عن الحي الشعبي، الذي أسكنه ويسكنه معظم أبناء الشعب، لأنني لا أعرف تلك الأحياء المسمات بالراقية..

في الأحياء الشعية هناك ما يلي وما يملى.. أسرة من خمس عشرة فردا، الأب والأم، والأبناء والجدة والجد، والأخوال أو الأعمام، وأبنائهم، والكل يسكنون في منزل واحد، وهناك أيضا، امرأة مطلقة خذات براتها من زمان ولها فتاة بكر، ودايرات ما عليهم، وهناك أيضا، شاب بسيط مقطوع من شجرة تزوج بفتاة بسيطة، وسكنوا في الخربة المجاورة، وبعد سنين لم تستطع الإنجاب، فاتفقت مع امرأة أحضرت لها رضيعة من المستشفى. وكذا جارتنا في المنزل المجاور، التي كبرت وهرمت وتعيش وحدها في ذلك البيت، ولا أحد يعرف عنها شيئا سوى أنها وحيدة.

هناك المعاقون في هاته الأحياء بكثرة… هناك المختلون عقليا وبشدة… وهناك أيضا شباب الإجرام في هاته الأحياء الشعبية، فهذا قد خرج من السجن من شهر لأنه طعن جارنا بعد أن تخاصما… وهذا حدث بعمر السابعة عشرة، حيث جاءت الشرطة واعتقلته بتهمة الاغتصاب والقتل والحرق… وتلك معتقلة بتهمة الدعارة…

أحياء لمن لا يعرفها من أصحاب الأحياء الراقية غنية بالتنوع: الفكري، الثقافي وكذا على مستوى الشخصيات… أبناء هاته الأحياء، هم المبدعون، وهم المفكرون، وهم الناجحون، رغم أن هذا لا يبدو للكثيرين، ببساطة لأنهم ينظرون من فوق… ربما ما قلته في البداية، هو ما يؤخذ كاعتبار عن الأحياء الشعبية – رغم تحفظي على هاته الصفة -، لكن دعوني أقل لكم أن هاته الأحياء تضم في باطنها الرجال، من مبدعين موهوبين، فتراهم يخربشون على الجدران لوحات رائعة بدقة متناهية، لمن لم تتوفر لهم إمكانية الرسم على الورق، وتلد لنا هاته الأحياء كتابا فطنين، مفكرين نيرين، وشعراء مبدعين في سماء الأدب، هاته الأحياء تضم أيضا حناجر ذهبية، تحتاج لالتفاتة…

   هاته الأحياء، لازالت تحتفظ بإنسانيتها، ففي هاته الأحياء قلما يأخذ أحد والديه لدار العجزة، ولا يمرض أحد دون أن يزوره الحي كاملا، وإذا ما احتاج أحدهم فالكل يمدون يد العون، رغم أنهم أيضا بحاجة إليه… هاته الأحياء لا زالت تربطها أواصر القرابة والمحبة، هاته الأحياء، يخيل لساكنها ومنذ الوهلة الأولى، حين تضع رجلك في بداية الحي، أنه بين أسرته، فالكل يعرف الكل، والكل يتشارك مع الكل، والباب مفتوح في وجه الجميع دائما، والأطفال يملؤونها برآءة.. هاته الأحياء تعلمك كيف تكون إنسانا.. هاته الأحياء تحمل أحاسيس راقية في داخل كل ساكن من ساكنيها.. هاته الأحياء إذن هي الأحياء الراقية.

 

تعليقات