شروق مؤجل (قصة قصيرة)

فريق التحرير

شروق مؤجل

العربى الثابت

واجه الحياة وفشل، امتلأ قلبه باليأس والحنق، لم يحصل هذا فجأة وإنما تسرب إليه على مهل ومنذ وقت طويل، كان يرحّل أماله من زمن الى زمن، لكن الزمن كان ينساب رتيبا دون بارقة أمل في الأفق…

   وجد نفسه على الشاطئ وحيدا، لطمه الموج فاستفاق.. لكنه واصل سيره الشارد على الرمال، في مساحة من العراء بين المدينة والبحر، جاء اليوم وكما في الأيام السابقة، ليدفن رأسه في الرمال وأحيانا بين الصخور، هروبا من ماهيته كبشر، لفظته هذه المدينة المسيجة بالخوف والانتظار، واجتاحه الموت على جرعات بطيئة..كان الأصيل يزف آخر مواكبه بين الزرقتين زرقة البحر وزرقة السماء…

   في هذا الصباح تسلل من بيته خفية والكل نائم، المقهى الرصيفي يموج برواد الصباح، عمال وموظفين ومسافرين، واللذين جاءوا للبحث عن عمال، كان أمام المدخل واقفا، أدوات البنا ء في يده. لم تمتد إليه يد بالتحية ولم يساوم أحد عضلاته في المقهى، تعالت الأصوات والروائح ودخان السجائر، لم يلتفت إليه أحد ..

   كانت أمعاؤه تقرقر، ودماؤه تفور… تفاقم الوضع في داخله وفكر أن ينتظر قليلا، لكنه لم يفعل وسارت به قدماه إلى هنا … ظل يذرع الشاطئ جيئة وذهابا بقدميه الغليظتين، يضرب بها الرمال كأنه يبثها وجعه، يتوقف حينا ليستأنف من جديد… يوهم نفسه أنه يعمل شيئا…

   لم يدخل بيته أمس إلا بعد تأكده من أن الصغيرين ناما، هروبا من الحرج الذي يحاصره كلما سألته زوجته سؤالها المعتاد: أعدت طويلا؟؟؟ .. خاصمته وخاصمها وارتفع الصوت بينهما، ثم انزوى في ركن في الغرفة الوحيدة ونام، هو الوحيد الذي يعرف إن كان نائما أم أن الهم قد حنطه على هيئة نائم …. ما بقي له شيء يفعله، تنقل بين مهن كثيرة، ضاقت به كل الحرف جميعها، وتمكن منه يأس أسود قاتل … وتيقن أن لا وطن في الوطن.. وأن الشروق لا يزال بعيدا.    

   وحين خارت قواه تمدد بجسده النحيل على الرمال الرخوة..كانت النوارس تحلق بين زرقة السماء وزرقة البحر.. كان البحر شرسا وهو يلطم الصخرة بقوة فيتطاير الزبد عاليا، تحلق النوارس حرة بلا أسماء ولا هويات، لا يكاد يعرفها أحد، تعيش بيسر، لا تنتظر إذنا من أحد لتلتقط الأسماك من البحر.. تحط على الصخور حين يحلو لها، لتطير وقتما شاءت إلى أي مكان دون تأشيرة أو سؤال…

حدث نفسه لقد احترق كل شيء في داخله وصار رمادا هشا حقيرا، ولم يعد بوسعه أن يستعيد جسارته، ليصبح رجلا ككل الرجال. التفت نحو المدينة .. كانت جميلة، مطوقة بالبحر والسهول، ومحكومة بالفقر والقهر والجوع والجهل.. والسمسرة، ولم يكن جوارها للبحر ليبعث في وجهها الشاحب مسحة دفء وفرح..

   استوطنها البؤس وعربد في زواياها الحرمان… التفت نحوها واستجمع ما بقي في فمه من ريق وبصق في وجهها… هب واقفا كأن عقربا لسعته، خلع قميصه، تجرد من ملابسه، بدا عاريا تماما إلا من بقايا ملابس داخلية رثة.. أخذ حذاءه السميك، تأمله جيدا، ثم وبحركة خاطفة طوّح به بعيدا في البحر.. لف قميصه كما تلف الحبال، وعلى رأسه وضعه كعمامة… لقد قرر أن يدخل المدينة هذه المرة بلا ذاكرة بلا عقل وبلا اسم .. قرر أن يكون واحدا من مجانينها العديدين…