وزير الوقاحة

يوسف بخوتة

vvvv

وزير الوقاحة

    في زمنا البئيس هذا، حيث اندحرت اللغة والأدب والأخلاق إلى أدنى درجاتها، و قد زاد من اندحارها عالم النت الذي تمرد على الضوابط والقواعد، وأصبحنا نرى لغة محرّفة وفي جميع الألسن، فالأخطاء الإملائية تملأ العالم الافتراضي وتبث الرعب في اللغة، وتدفعنا للنفور، وقد خرجت منه – وأسفاه – إلى واقعنا المعاش.

    فبالتكنولوجيا وأول إطلالة للهاتف النقال وبخاصيته الرسائل القصيرة، بدأنا نرى تحول في اللغة وتقزيمها، وتحميلها من الأخطاء وإجبارها على الكتابة بغير حروفها، وبدأنا نرى وقتها اختفاء الرسائل الطويلة والمكتوبة بلغة سليمة وخط جميل.

   اتسعت رقعة احتلال اللغة والعبث بها، بإطلاق الكراميل والإيمسين والسكايب، ولكن من جمع وطوى للغة الأخلاق والأدب هو الفضاء الأزرق فيسبوك، هذا الفضاء المخيف الذي بدأنا نرى فيه لغة عربية مكتوبة بفرنسية مشمئزة، وبدأنا نرى تداخل الحروف والأرقام، وعدة رموز، أدت بشكل كبير بخلق ثقافة ومعرفة جديدة لدى الشباب والجيل الواعد، هذه الثقافة والتقليد دفع الى كتابة الدارجة بالعربية والفرنسية كذلك، وأصبحنا نرى على حيطان المدارس وأبواب المراحيض وطاولات الأقسام نفس اللغة المستعملة في الفضاء الأزرق وعالم النت،  حتى أصبح البعض ينادي بها، والتعامل معها كأنها لغة عادية، في الواقع كانت هناك ثورة على الصمت، وبداية وعي جديد، لكن يا ليته بدأ بلغة مضبوطة وسليمة، فبتمييع الشيء يسهل السيطرة عليه.

    لكن إلى هذه اللغة دخلت مصطلحات وكلمات كنا نراها أيام القلم والورقة غير سليمة ولبقة ولائقة ومخلة بالحياء، لكن الآن أصبحنا نستعملها في تعاليقنا ورسائلنا بلا حيا بلا حشمة، وتتسابق عليها الأزرار والألسن والكاميرات.

   هذه الثقافة خرجت من الفضاء الأزرق إلى لغتنا المستعملة في الشارع والبيت والتلفزة، وكذا في الفن والأدب، ففي الأدب فقد استعلوها من قبل بعض الكتاب أمثال محمد شكري، وهذا ناتج عن المجتمع الذي عاش فيه، وبفعل هذه اللغة ترجمت روايته إلى أكثر من 30 لغة، لكن في الآونة الأخيرة دخلت العديد من الأجناس الفنية، حيث حصدت السنيما الحيز الأكبر في استعمال لغة الشارع، أو اللغة اللقيطة.

   ليس هذا موضوعنا، لكنه يتداخل فيه بشيء أو بآخر، فبعد الضجة التي خلقها الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة، وزير الحكامة السيد (المحترم) محمد الوفا، بعدما اتهمه النائب البرلمان من حزب الاستقلال بالتفوه بكلمة نابية داخل قمة البرلمان، وهي عبارة سير تــ…، تأكدنا بأن اللغة اللقيطة دخلت إلى التلفزة والفضاءات العمومية والمؤسسات، وقد استعمل هو نفسه كلمة أكثر قسوة في برنامج تلفزي على ميدي1 تيفي، وكانت أيضا كاميرات الهواتف النقالة قد سجلت له عدة كلمات ذات صلة، كقضية صاحبة المدير حين كان وزيرا للتربية الوطنية، وكذا عبارة خاصك غير الراجل في حق تلميذة بمراكش، هذا الوزير الذي قال فيه رشيد نيني يومها: هذا الوزير يمكن أن يكون وزير قلة التربية.

   فكيف يعقل لمسؤول أن يتفوه بكلمات نابية في التلفزة العمومية؟ هذا الفضاء الذي يشترك فيه كل المغاربة، فهي ليست ملكه ليقول ما يشاء ويستعمل من الكلمات المستوحاة من قاموس اللغة اللقيطة، فهو وزيرا في الحكامة، لكن للأسف لم يستطيع حتى التحكم في فمه ولسانه، ويضبط مخارج الأصوات ومداخلها، فزلات لسانه أصبحت ثقيلة على الشعب والمشاهد المغربي.

   ننتظر من الحكومة الإصلاح؟ وقطاع السي الوفا هو أكبر قطاع احتكاكا بالشعب، حيث أسندت إليه مهمة الحكامة، وكذا مهمة صندوق المقاصة، هذا الصندوق العجيب الذي لم يعرفوا – الحكومة – قنّه السري لفتحه وترميم داخله الذي حرفت جردان الفساد كهوفا ومغارات وسراديب وثقوب لا يكفي في رتقها إسمنت المغرب كله، وليس كلماته التي لا مكان لها بيننا.

   فكيف نطلب من وزير الحكامة التحكم وهو لم يتحكم في لسانه؟ وكيف نطلب من وزيرنا الإصلاح وهو ما يعرفش حتى يصلح الهضرة؟ فإن كان رشيد نيني أعطاه لقب وزير قلة التربية أيام كان وزيرا للتربية الوطنية، فأنا أعطيه لقب وزير الوقاحة، فهي صفة واسم وحقيبة تليق به.