بصر بعد بصيرة (القصة9)

سلمى الغزاوي

 

(القصة التاسعة من المجموعة القصصية على ضفاف الواقع)

 

بصر بعد بصيرة

 

شاءت الظروف والأقدار، أن تأتي إلى الدنيا فتاة عمياء، لكن الله ما إن سلبها نعمة البصر حتى أبدلها بنعمة البصيرة، ورزقها من الجمال ما لم يرزق غيرها من المبصرات. نشأت هبة في أسرة ثرية محافظة، كان ابوها مدير شركة، وأمها تعمل في مجال الطب. لقد كان الوالدان يحبان ابنتهما كثيرا، وبذل ما في وسعهما كي لا تحس ابنتهما بأنها دون غيرها من الأطفال. زارا أمهر الأطباء كي تُشفى ابنتهما، لكنهم أجمعوا على أن هبة في حاجة لمن يتبرع لها بالقرنية حتى تستعيد البصر. حاولت العائلة البحث عن متبرع، ولكن هيهات أن يجدوا من يتخلى عن نور عينيه مقابل مال ينفذ بعد مدة.

بدأت هبة تكبر يوما بعد يوم، ومواهبها ومهاراتها تزداد، فكانت ترسم بمهارة لا يضاهيها فيها حتى المبصرون. وذاعت قصة الفتاة المعجزة، عمياء تهزم المبصرين في الفن التشكيلي. كانت لوحاتها تجسيدا لما لم تره يوما، لقد كانت ترسم العالم من منظورها، لــــم تدر أن العالم أقبح وأبشع صورة مما ترسمه.

في أحد أسفارها للمشاركة بمعرض في فرنسا، كـانت جالسة في قاعة المعرض فجلس شاب بقربها، ومد يده ليسلم:

– مرحبا.

لم ترد الفتاة، ظنا منها أن الكلام ليس موجها إليها، فأعاد قائلا:

– لقد قلت لك مرحبا، ألم تسمعيني؟؟

– من؟ أنا؟

– أجل أنت.

– اعذرني لم أرك.

تأمل وجهها ونظر إلى عينيها فعلم أنها فاقدة البصر، شعر بالخجل وأحنى رأسه ثم قال:

– أنا آسف، لم أعلم أنك…

– لا عليك، هل أنت مشارك في هذا المعرض؟

– لا لقد جئت لأشاهد اللوحات التشكيلية فأنا مغرم بالفن التشكيلي، وأنت؟

– أنا مشاركة.

– هل أنت مستقرة في فرنسا؟

– لا، أنا من بلاد عربية.

– وأنا كذلك ولكنني أقيم في فرنسا منذ مدة.

– حسنا…

– هل تسمحين لي بمرافقتك للتجول في أرجاء المعرض؟

– أجل، بالطبع.

– إذن، هات يدك.

أمسكها من يدها، وصار يصف لها كل ما يجري حولها، وكأنها تراه بأم عينيها. لم تفارق الابتسامة شفتيها طوال الوقت، لأن ذلك الشاب، استطاع أن يثبت لها أنه لا يجب أن تملك عينين لترى جمال الحياة وتستمتع به. بعد نهاية جولة المعرض، اقترح عليها الشاب أن يأخذها في نزهة ويعرفها بمعالم فرنسا قبل عودتها إلى الديار. وافقت هبة بكل سرور على الاقتراح، فقد وجدت رفقة في هذه البلاد الغريبة.

بعد أن تجولا قليلا، جلسا في إحدى الحدائق العمومية، ونظرت هبة في اتجاه رفيقها والبسمة على شفتيها، ثم قالت:

– هل تعيش وحدك؟

– لا، أنا…

– أعرف مع من تعيش..

– لا، لا أظن.

– بلى، أنت تعيش مع زوجتك.

– هههه… لا أيتها البلهاء، أنا أعيش مع أمي.

احمرت خجلا، وظلت مطأطئة رأسها ثم قالت بعد صمت:

– أنا آسفة، لقد اعتقدت…

– لا، لست متزوجا، ولن أتزوج.

– لماذا، لا يجب أن تقول مثل هذا الكلام.

– أنت تقولين هذا الكلام لأنك لا ترينني.

– لماذا؟ أنت شاب لطيف وممتع ومرح وأخلاقك رائعة، أي فتاة تتمناك.

– أنت مخطئة.

– لم؟ أقلت عيبا؟

– لا، ليس الأمر هكذا، أنا… مولود بتشوه في النصف الأيسر من وجهي، مما جعلني أقبح خلق الله، لذلك فكل الفتيات تنفر مني.

– القبح ليس قبح الشكل أو الوجه، بل قبح الروح والجوهر، فيكفي أن يكون الباطن جميلا فهو المرآة الحقيقية للإنسان.

– تقولين هذا الكلام لأنك لم ترينني، أنا متأكد من أنك إن رأيتني ستهربين شأنك شأن الآخرين.

– أنا لست كالآخرين لأهرب مثلهم، لم تحاول صدي عنك بشتى الوسائل؟

– لا أريد منك أن تتعذبي معي.

– ومن قال أنني سأتعذب معك؟

– هل تعنين بكلامك أنك ستقبلين بي كما أنا.. بقبحي.

– أجل، سأقبل بك كما أنت بجمالك الداخلي.

شرد الشاب محدثا نفسه: “سبحان الله، كنت قد فقدت الأمل في أن أجد من أحبها وتحبني، إلا أن الله بعث لي فتاة أجمل ما رأت عيناي، وفاقدة للبصر كي لا ترى قبحي، ولكن… ماذا عن عائلتها أكيد أنهم سيعارضون، وستغير رأيها في… ولكنها تحبني كما أنا… ولكن… آه، اختلطت الأفكار في رأسي”.

افترقا الشابان بعد أن ضربا موعدا للقاء جديد. ظل الشاب على حيرته، بينما أخبرت هبة أمها بما حدث لها في فرنسا، كانت الأم أكثر طيبة من ابنتها، لذا أكدت لابنتها أن لكل إنسان عيب، والكمال صفة من صفات الله عز وجل، أحيانا يأتي النقص ظاهريا وهذا أهون من أن يأتي باطنيا، إذ إن الشكل يعالج، ولكن الجوهر هو الذي لا يستقيم إن اعوج.

فهمت هبة من كلام أمها أنها وافقت، فعجلت الاتصال بالشاب لتخبره بالأمر، فما كان منه إلا أن أحضر أمه وأتى بعد ثلاثة أيام، فتُوّج لقاء الأسرتين بعقد القران وإقامة حفل الزفاف، لتطير هبة مع زوجها إلى فرنسا.

وذات يوم وبينما هما يتناولان الطعام، قالت له:

– زوجي، ما رأيك أن تأخذني غدا لأفحص عيني عند الدكتور؟

– حسنا، غدا آخذك إن شاء الله.

– شكرا لك، سأكون ممتنة لك.

وفي الصباح، أخذها زوجها إلى الطبيب، بعد أن فحصها ذهب ليتحدث مع الزوج، فقال له:

– زوجتك تحتاج إلى قرنية فقط لتستعيد البصر.

– أجل نحن نعلم هذا ، ولكن أين يمكن أن نجد القرنية؟

– هناك متبرع.

– متبرع؟

– أجل.

– وبعد ذلك تستعيد البصر بالكامل؟

– أجل، بالطبع.

حسنا شكرا لك، سنناقش الأمر ونعطيك جوابا.

بعد أن خرجت زوجته من غرفة الفحص، أمسكها من يدها وعاد بها مسرعا إلى البيت، فسألته:

– ماذا قال لك الطبيب؟

– قال أنك تحتاجين قرنية.

– ألم يقل شيئا جديدا؟

– متبرع؟ كلا، لم يقل شيئا عن هذا، أقصد لا يوجد من يتبرع بعينيه، هل فهمت قصدي يا عزيزتي؟؟

– أجل فهمت…

دخلت هبة غرفة النوم بينما جلس هو في الرواق يفكر، فقطع تفكيره سماعه بكاء زوجته، فأسرع إليها وضمها إليه قائلا:

– ما بالك تبكين يا عزيزتي؟

– لن أستعيد نعمة البصر أبدا، لقد فقدت الأمل.

– لا، لا تقولي هذا الكلام، سأستمر في البحث إلى أن أجد متبرعا.

وفي الصباح، كانت وجهته الأولى طبيب العيون، فدخل عليه وقال له:

– دكتور، بشأن ذلك المتبرع، كيف أمكنه التخلي عن عينيه؟

– إنها امرأة ميتة، تبرعت بأعضائها قبل وفاتها، وقد أخبرتني عائلتها، لذا اقترحت عليك الأمر.

– لا أصدق هذا… شكرا لك يا دكتور، سأخبر زوجتي.

عاد الشاب مسرعا إلى البيت:

– أين أنت يا عزيزتي، أحـمل لك أخـبارا سـارة.

– ماذا هناك؟

– لقد وجدت المتبرع.

– أنت تمزح معي، أليس كذلك؟

– وهل يوجد مزح في مثل هذه الأمور؟

– إذا ماذا ننتظر؟ هيا بنا إلى الطبيب.

ذهبا فورا إلى الطبيب الذي قرر إجراء العملية لها حالا. جلس الزوج ينتظر على أحر من الجمر، وفي الوقت نفسه يتحسر خوفا من أن تكرهه زوجته بعد أن تراه. لكنه اختار الرأي السديد حين قال لها الحقيقة، فكان هذا دليلا واضحا على حبه الصادق لها.

بعد أربع ساعات من العملية، أخرجت من غرفة العمليات، وأخبره الطبيب بنجاح عملية الزرع وأنه سينزع الضمادة بعد أربع وعشرين ساعة. عندما استفاقت هبة من غيبوبتها وجدت زوجها يجلس ساهرا على راحتها، وعندما أتى الطبيب لينزع الضمادة ويترك الضوء يمر لأول مرة لعينيها، أدار لها زوجها ظهره كي لا ترى وجهه، وبعد أن فتحت عينيها، قالت له:

– ما بك يا زوجي؟، ألا تريد النظر إلي؟

– أخشى أن تصدمي إن رأيتني.

– كفاك كلاما فارغا وانظر إلي كيف صرت أبصر…

استدار إلى جهتها، فابتسمت ابتسامة عريضة، وفتحت ذراعيها تطلب منه أن يضمها ثم قالت وهي بين أحضانه:

– أنت أجـمل بكـثـير مـما تخـيـلتـك.