المجهولة

فريق التحرير

 المجهولة

   زوال اليوم في هذه المدينة الجاف مناخها الحارقة شمسها، نسال الله اللطف.. اتجهت إلى المحطة لغرض ما، أثناء الوقت الذي كان لابد عليّ انتظار الحافلة، ذهبت أاستريح في قاعة يقال انها قاعة الانتظار بالمحطة، انتظار من؟ انتظار ماذا؟ آه، لكل منّا ضالة سبحان الله..

   أثارت انتباهي سيدة أربعينية مستلقاة على لوح الانتظار تحمله أربعة أرجل صدئت هي الأخرى من الانتظار، نعش الانتظار هذا ما قاله رجل حكيم ذات يوم ” أ وليداتي القبر ديالنا كل نهار كيتفتح، ويستنانا لي مات كيروحلو.. وكيعاود يتغلق حتى لغد ليه و يعاود يتفتح”…

   قاعة الانتظار بالمحطة كانت باردة كالمغسلة.. بدون حراك أو مشاعر.. الكل ينظر إلى الكل.. الكل ينتظر من يحدثه أو يسأله إلى أين وجهتك؟ ترى ما الذي يجعلها باردة هكذا والشمس في الخارج حارقة؟ 

بدوري كنت أنتظر، لا، لا أقصد الحافلة.. كنت أنتظر حركة مفاجأة تكسر جدار الصمت.. أنتظر شابا يأتي ليأخذ بيد تلك السيدة الملقاة على كرسي خشبي بارد.. أو محسن يأتي لها بطعام يضعه بجانبها دون إزعاج.. أو طفل يبكي أمام قدميها.. أنتظر رؤية وجهها، وما يحمله من أسرار.

   حين يتسرب الملل يتفجر الأمل.. سبحان الله، شاب أحادي الصبغيات كما سموه البعض أو منغولي كما قال البعض الآخر، أثار انتباهي وهو يمرر يده على ظهر أخته محاولا ايقاضها، ربما للحديث معا.. ربما يريد بعض الماء.. أو..

   هزت راسها ببطء اتعبتني محاولة فهمه قائلة: مالك..شنو بغيت؟ لم يرد عليها بكلمات فهو لا يتكلم، لكنه ابتسم ملئ شدقيه حتى ابتسمت بدوري وتساؤلاتي عنه تكاد تفقدني صوابي، قام ببعض الحركات اليدوية.. ثم خرجا متماسكين في صمت.

   عدت لتأمل حال تلك السيدة، جامدة تنتظر ما تعلم أنه لن يـأتي.. أزعجني الهاتف النقال بمكالمة متطفلة أفسدت عليّ خلوتي بتساؤلاتي.. فقمت لقضاء ما جئت من أجله…

يا ترى كم من أم منكوبة تنتظر عودة إبنها الوحيد من غربته التي طالت ولا تعلم حتى أين؟ كم من زوجة هاربة من بطش زوج يئس من البحث عن عمل فلم يعد يسعه إلا الشجار لتفريغ بعض الضغط؟ وكم من شابة تائهة تبحث عن ذاتها بين دروب الحياة دون توجيه؟

يا ترى من أنا منهن و من سأكون بعد 20 سنة إن لم أعانق قبري خلالها؟

   عدت إلى قاعة الاحتضار.. أقصد الانتظار، لم أجد غيرها.. الكل أخذ وجهته.. آسفة سيدتي، آسفة لأني لا أستطيع أن أقترب أكثر.. آسفة لأني لا أملك ما أنفقه عليك من وقت واهتمام وسؤال عن سبب استمرارك مستلقاة تنتظرين من يوقظك.. فيم كان سيفيدك دمعي على حالك؟ وفيم كانت ستفيدك كثرة تساؤلاتي عنك؟ شكون انت ا خالتي و فين هو راجلك، ولا خوك، ولا باك؟

   قد يمر الزوال وتزول الشمس الحارقة وينطفئ ضياء النهار في أي لحظة.. فأين مبيتك؟ أين مأواك؟ أعتذر منك فلا أزال ضعيفة مثلك.. يجب عليّ العودة لعملي لأكسب قوتي وأضمن مبيتي.. فأنا أيضا أنت.. وأنت هي.. وكلنا تائهات مجهولات الهوية نبحث لأنفسنا عن نسب رجل يحنّ.. نظرة آخر يرحم بكلمة أحبك ماما.. تقدمي أنت أولا سيدتي.. أختي الغالية..

   عفوا نسيت أني في قاعة انتظار باردة، فكيف لدفئ كهذا أن يصل إلى هذا المكان؟

تعليقات