رحلــــــــــــة الكلمـــــات

مراد العلالي

morad

رحلــــــــــــة الكلمـــــات

     إن بعض الأشخاص لهم كالمدينة الضخمة تأخذك الحيرة إذا ما أردت أن تجوس خلالها، من أين تبدأ، و في أي الطرق تسير؟ ذلك لأن مداخلها متشعبة متعددة يستعصي عليك معرفتها و الخوض في دروبها، فمهما حاولت أن تجوب دروبها و شوارعها مدركا بأنك عرفتها و حفظت دروبها، إلا أنك بمجرد ما تعود إليها (الدروب..) في الصباح إلا و تجد نفسك جاهلا للممرات التي تقودك إلى مكانك الذي تقصده،وهذا هو حالنا مع بعض منهم خصوصا أولئك الذين اختفوا فجأة عن شاشة بصرنا ربما لسبب أو لأخر، وربما اختاروا ذلك دونما سبب واضح، وفضلوا جمع ذكرياتهم المشتركة وتركها في الجهة الخلفية من الذاكرة، و لم يصرحوا بأي شيء بشأن موقفهم هذا، كما سارعوا إلى تعطيل هواتفهم بشكل فجائي وجعل المسافة تزداد بعدا أكثر.

   لكن رغم ذلك فأنت عاجز عن ايقاف مشاعرك تجاههم وطمس أجمل الذكريات التي جمعت بينك وبينهم، و لهذا أنت دائما تحاول أن تكسر جدار الصمت لتبوح لهم بما يخالجك من أحاسيس تجاههم، لكن في كل مرة تحاول أن تسبق مشاعرك إلا وتجد نفسك عاجزا، مما تضطر إلى تعديل قرارك ورفع الحكم وتلتزم بالسكوت رغم أنك في الداخل تعيش كبركان قبل دقائق على انفجاره.

   تنتظرهم علهم يبادرون، لكنهم ربما أصيبوا بجفاف عاطفي، وربما لأنهم خائفون من اللقاء، ولذلك اختاروا قطار الإختفاء، لكن كيف وهم من بعد قد اثبتوا لك مرارا و تكرارا أنك تمتلك مكانا خاصا؟ و هذا ما يجعل رحلتك تتوقف بدل أن تمضي في طرق النسيان وتوقف الزمن وتعيد طرح السؤال عن نظريات الغدر والإخلاص وعلاقتهما ببعضهما ومدى مطابقتهما لبعضهم البعض، في هذا الزمن الذي أصيب بداء المتناقضات.

   ولكنك ما دمت تؤمن بمبدأ الوفاء في رحلة كهاته، وزمن كهذا، فأنت تستحق أن توضع في أماكن خاصة بجوار الكائنات الوفية المنقرضة ما دمت تتمسك بمبدأ اللقاء عاجلا أم أجلا، لكن كثيرة هي الأوقات التي تصبح لحظة التفكير فيهم مجرد خلق مسافات أخرى بينك وبين نفسك بعدما اخترت أن تتمسك بذكرى أناس استقلوا حافلة اللامبالاة، وابتعدت قلوبهم عنك بمسافات تعد بالكيلومترات، لكنك ترفض مغادرة محطة الشوق رافعا شعار تشبثك بمن أخرجك من حساباته العاطفية، وغير سرعة الزمن وتركك في محطة الانتظار تتألم من شدة استرجاع ذلك الماضي، ومن شدة السؤال الأول لماذا حدث ذلك و لم يحدث العكس؟

   لهذا، يعد العيش مع سجلات الماضي عقوبة قد تفقدك حريتك، و انتظارك لمن ألقى بك في سلة المهملات أكبر إهانة لكرامتك، لكنك اخترت منذ البداية وقررت مهما كانت النتائج الانتظار ثم الانتظار، فعوض أن تلقي بذاكرتك بعيدا، تقرر أن تعود لتكلم من هجرك مهما كان الثمن، المهم هو أن تعترف بشوقك له و احترامك له ووفائك له و بعجزك التام عن نسيانه.

  كثيرة هي الأوقات التي اعتقدنا بأن قربنا منهم و جلوسنا دائما إلى جانبهم  ومصاحبتهم في الكثير من اللحظات، و مشاركتهم في فرحتهم و حزنهم أننا عرفناهم، لكن ما يختبئ في داخلهم لهو أكبر وأعظم مما عرفناه عنهم، إذ لا يترددون في نقاشاتهم القول هذه هي الحقيقة، لكن أي حقيقة؟ رغم ذلك فأنت لا تسأل حينذاك عن أي حقيقة مدركين بأن لا سر بيننا، بل نحن وحدة واحدة  وما يتفوهون به هو صدق و كلام لا مجال لنا للشك فيه ما دامت العلاقة التي تجمعنا مبنية على توافق ورضى بيننا منذ البداية.

   فكيف لك أن تحس بعدم حقيقة القول وأنت صدقته منذ البداية؟ فحقيقة القول غائبة واللحظة لا تشهد على غيابها ما دام حضور الأخر دائم و قبوله لنا دائم و رضاه عنا دائم و خوفه علينا دائم. ربما في كل هذا لا أحد منا سيتبادر إلى ذهنه بأن الحقيقة غير هذه و الشخص غير هذا، لا أظن بأن اللحظة قادرة على تشغيل المنبه وإصدار الإشعار إلينا ومنحنا بطاقة الفهم و الخروج من قبضة النية و الثقة العمياء.

    دعنا نقف للحظة و نسترجع ما مضى، و نخوض في دروب هي ليست بدروبنا ولكننا عمدنا على اقتحامها من أجل الخوض في تجربة تشهد عليها الذاكرة وقت نسترجعها كصورة متمثلة أمامنا ندركها.

   فما أجمل اللحظات التي مرت خصوصا و أنها تترك فيك انطباعا خاصا قد لا يحدثه فيك أي شيء، وأنت تتذكر (و ليس التذكر هنا بالمعنى الأفلاطوني) وتسترجع دائما و أنت تتمنى لو يقف الزمان قليلا و يمنحك فرصة العيش من جديد .

   فالإنسان يختلف عن الحيوان باحتفاظه بخبراته اليومية، فهو يحيا في عالم مترابط، يرتبط كل حدث من حوادثه بصدى الأحداث الماضية، فهو يثير في الذاكرة كل الأشياء سواء كانت جميلة تستحق العودة إليها أو غير ذلك، لكن الإنسان بطبعه لا يعشق العودة بذاكرته إلى أحداث و مقاطع مثلت لحظات قاسية وجسدت خيبة الأملّ، بل دائما يميل للعودة بذاكرته للأشياء التي تركت فيه انطباعا جميلا.

   فمرحلة الأحلام قلمى تستمر طويلا فهي مكتوب عليها الموت في الطريق قبل أن تتنسم نسمة الصباح العاطر، فهي كالورد يزهر و بسرعة يذبل، لكنها تظل محفورة في الذاكرة نعود إليها وقت كنا في حاجة لاسترجاعها واتخاذها دواءنا عند اللحظة لشفاء ما بداخلنا من شوق وحنين لتلك اللحظات التي يستعصي استرجاعها و الوقوف عندها لا لشيء سوى لان الحياة غادرتنا بعدما أخذت منا أيام ليست كباقي الأيام و تركتنا نموت ببطء كلما كان لنا لقاء بزمان مضى جسد أحلامنا الطائشة، و مشارعنا التي رسمناها على التراب مع وجوه لم تغيب معالمها عن أعيننا.

   لقد تشاركنا الأحلام و رسمنا للمستقبل الكثير من الخطط و قلوبنا تنبض بالأمل في مستقبل مشرق يناسبه العنوان كما لو كان شمعة تظيئ المكان و تلقي بظلاله على الامكنة المفقودة بين جنبات الزمان. وما بين أوراق الماضي و أوراق الحاضر هناك مسافة مفقودة اسمها المستقبل.

  وما هذا الأخير إلا ذلك العنوان الكبير المسمى بالأمل، أملنا في الغد المشرق، أملنا في الأحسن، أملنا في الحياة. لكنه قد يتحول في بعض الأحيان إلى عقدة، إلى أزمة، إلى ضعف وربما إلى توقف…؟

  ولعل من أكبر الأخطاء التي يرتكبها المرء في حق نفسه هو ارتماءه على جنبات الرصيف، بعيدا عن الأحداث التي تجري أمام ناظره و التي تجسد الحاضر الغائب الذي يفقد المعنى بعدما اتخذ الأخر طريقا له في الاتجاه المخالف لطريقنا قاصدا الوصول إلى المحطة في أسرع وقت، متجاهلا بأن في السرعة يحضر الموت و في البطء تحضر الحياة.

   لكن الحواس أبدا لا تستطيع أن تساير فهم المعنى بدعوى العجز، لكن مع ذلك تحاول أن تلقي لنفسها مكانا ضمن سلم الأحداث لتمنح أولا المعنى لذاتها و بعدها للأشياء التي تحدد خبراتنا اليومية، فالبحث عن المعنى هو بمثابة ارتماء على جنبات الرصيف فاقدا كل قواك وتحاول النهوض و بعدها تسقط ثم تحاول دون توقف، و هكذا تستطيع أن تجد معنى ذاتك و بعدها تخرج لفهم معاني الأشياء ثم تنتقل كمحاولة لفهم هذا الأخر الغريب الذي لا يتوقف بدوره في البحث عن المعنى .

   و ربما في هذا اللقاء الذي يحدث و نحن نبحث عن معنى وجودنا نصطدم ببعضنا البعض و نكسر الزجاج لنتواجه وجها لوجه، لا لشيء سوى لأننا نرغب في ذلك، نرغب في فهم ذات الأخر الغريب عن ذاتنا.

    ذلك الذي عطل هاتفه و اختار السفر بعيدا عن شاشة احداثك و مستجداتك، لكن حتما ستعود الحياة لتطرق هذا الباب من جديد و تشتغل الهواتف بعد تاريخ من القطيعة، لأن التاريخ يقول ذلك و الإرادة النتشوية أخذت وعدا على نفسها لتتأهب في كل لحظة من لحظات الزمن لتشغيل منبه من نوع آخر سيعلن عن تمزق سجل الماضي و تخطيط حروف جديدة على سجل أبيض عنوانه التسامح و لقاء الكلمات البريئة من جديد.

   وحتى لا تحمل من الظلم لغيرك قسطا فأنت تتردد في اعتبار الكل قد تردد على لبس الأقنعة بدل استعمال الوجوه الحقيقية و تحاول أن تلقي باللوم على نفسك لكونك قد تكون أخطأت في حق أولئك الذين تعتقد أنهم أخطئوا في حقك لتحاول أن تبحث عن ذلك الأمل المغلق في رقاب المستقبل المنشود باحثا عن المعنى بعدما فقدت كل الأماكن معناها الحقيقي وأصبحت تائهة في اللامعنى.فما أغرب هذه الحياة التي لا تتوقف عن منحنا الكثير من التناقضات. إنها حياة قذرة بما تحمله من معنى فأسئلتها صعبة و اجوبتها تائهة و نحن فيها غرباء عن بعضنا البعض…؟؟