الزواج الأخير (قصة قصيرة)

محمد المكاري

 الزواج الأخير

    بيت صغير كانت العروس بثينة تجهز لتزف إلى عريسها، كانت علامات الرضى والبشرى بادية على محياها، فهي رغم يتمها من جهة الأم، نجحت في أن تكون عروسا لزوج وسيم ذو أصل ونسب شريف، يكبرها بثلاث سنوات فقط، تحلقت أختها رقية وصديقتها حسناء حول منضدة عليها بعض العطور وعلبة حناء، وممشط أصفر وبعض ألوان المكياج، أتمت صديقتها وضع آخر اللمسات على تسريحة شعرها وطلاء وجهها، وبرزت إلى المدعوين في أبهى حلة وعلى ثغرها ابتسامة عريضة…

   جلست هي وعريسها في المكان المخصص لهما، وتعالت الزغاريد وأنغام الموسيقى مدوية، فيما كان المدعون صغارا وكبارا فارحين ومستغرقين في الضحك والرقص.. بدأت بثينة تحس بحركات مقلقة تشبه اللسع في خصلات شعرها، استعجلت زوجها في الاختلاء، لعل ذلك يخلصها مما تعانيه، دخلا إلى مضجعهما وطلبت بثينة بإلحاح شديد من زوجها أن يفك تسريحتها قبل كل شيء، فاستجاب لها غير أنه بمجرد ما وضع يده وفك تسريحة رأسها، صدم مما رأى ووقع صريعا، فيما ذهلت بثينة وهي ترى حشرة أم أربعة وأربعين سقطت من يد عريسها تتوارى مسرعة في ثقب صغير في جدار البيت، قبل أن تصدم صدمة شديدة وتسقط مغشية عليها لا تدري ما تقول ولا تعي بمن حولها.

   تحولت الفرحة إلى كابوس مرعب، وأمام هذه الوضع المأساوي، استحالت حياة أقارب بثينة وعائلتها إلى جحيم وعذاب كبيرين، ولم يتركوا مستشفى في الشرق أو في الغرب إلا زاروه بغية معافاتها، فشل العلم وفشل الأطباء على اختلاف تخصصاتهم في علاج وتفسير ما وقع، غير أن الأبواب لم تكن موصدة لهذا الحد، إذ سرعان ما سمعت العائلة بطبيبة ذاع صيتها في شفاء مثل هذه الحالات المستعصية في بلاد بعيدة.

ورغم  التكلفة المادية الباهظة، لم يبخل الأب على ابنته فلم يتردد في بيع جميع ما يملك أملا في شفاء ابنته المريضة، عرضت بثينة على الطبيبة وبدأت في علاجها، فبدأت بعض علامات التحسن تظهر سريعا عليها، فعولجت لمدة سنة كاملة، غير أن الطبيبة استبعدت أن تسترجع بثينة ذاكرتها كما كانت أول مرة، أو على الأقل سوف لن تتمكن من تذكر ما وقع قبل اليوم، خصوصا أحداث طفولتها وريعان شبابها، راوحت بثينة حياتها وأصبحت الآن تعي وتفكر وتتكلم، صارت في ربيعها الخميس والثلاثين.. توفي أبوها في حادث مروري وتزوجت أختها رقية برجل أجنبي وغادرت معه إلى خارج أرض الوطن، وظلت بثينة وحيدة في هذا العالم تكابد أحزانها، فقررت أن تسافر من أجل العمل تاركة مدينتها الأولى، اشتغلت في مطعم بالمدينة العذراء، وأعجب صاحب المطعم بها وببساطتها وسمو أخلاقها فعرض عليها الزواج منه، وافقت بثينة على طلبه سيما بعد أن عرفت أن محروم من الأبوة بعدما علمت أن زوجته امرأة عقيم.

   كانت ضرتها – ويا لا المفاجأة – هي صديقتها حسناء، لكن كيف لهما أن يتذكرا بعضهما البعض، بعد هذه السنين الطويلة، والمرض غير من ملامح بثينة وصارت معه نحيفة، شاحبة الوجه، غائرة العينين، وفقدانها لذاكرتها جعلها لا تتذكر صديقتها حسناء، كان السلام يسود بين الضرتين في البداية غير أنه لم يعمر  طويلا، فحالما سمعت الزوجة الأولى بأن ضرتها أصبحت حاملا، حتى شرعت في استعطافها وترجاها حتى تعطيها وليدها الأول لتربيه هي بدلا منها، وقد كانت بثينة كريمة النفس فقبلت ذلك، وعندما وضعته منحته إياها، غير أن الفرحة لم تدوم طويلا، إذ لم يلبث الرضيع في هذا العالم إلا شهرا واحدا قبل أن يغادره…

حزنت بثينة وبكت حتى جفت مدامعها حزنا وكربا على رضيعها، بعد ذلك اشتدت العداوة بين الضرتين عندما بلغت بثينة سن اليأس، فقامت الزوجة الأولى بالإيقاع بين الزوج وضرتها، بعدما لاحظت تفضيله لها عليها، فعمدت إلى دس شيء من السحر في طعام الزوج وأخبرته بأن بثينة تريد أن تسحره، فغضب الزوج من زوجته الثانية غضبا شديدا وطلقها بالثلاث، خرجت بثينة من بيت زوجها مطلقة خالية الوفاض، تواجه الضياع والمحن، فبدأت تتسول أرغفة الخبز، تنهر فتصبر وتحتقر فترد كل شيء إلى قلبها، إلى أن ملت من حالها فقررت ذات يوم أن ترحل عن هذا العالم على أن لا تعود إليه أبدا، فكان الموت هو زواجها الثالث والأخير..