بحث عن الحقيقة (القصة الأخيرة)

سلمى الغزاوي

 القصة الأخيرة من المجموعة القصصية على ضفاف الواقع)

 بحث عن الحقيقة

 

كانت إيمان فتاة في مقبل العمر لا يتجاوز سنها ثمانية عشرة عاما، كانت تتميز بجمالها الفاتن، وبابتسامتها الرائعة التي تخطف الألباب. كانت لطيفة، متدينة، تدرس بجد واجتهاد رغم أنها تعيش في كنف جدتها المسنة. كانت إيمان ترى في الجدة أما لها منذ أن فتحت عينيها علي الحياة، فهي التي ربتها، وهي التي أخبرتها بأن أمها توفيت عندما كانت صغيرة جدا.

كانت إيمان تأتي في المساء بعد خروجها من الثانوية، تصلي فرائضها، تتناول العشاء، وتتوسد ركبة جدتها التي تتلمس بيديها الحنونتين شعرها الناعم الحريري وتحكي لها أحيانا بعض القصص، وفي بعض الأحيان كانت إيمان تطلب من جدتها أن تحكي لها عن أمها، لكن الجدة كانت تتفادى الحديث عن الأمر بشكل لافت للنظر، وكأنها تخفي شيئا ما. لقد كانت إيمان فتاة ذكية لا يمكن أن تدع أمرا كهذا يمر دون أن تبحث فيه.

ذات يوم وبينما كانت الجدة عند الجيران، استغلت إيمان فرصة غيابها وبدأت تفتش في أغراضها، بحثت في كل أرجاء المنزل دون جدوى وفي لحظة يأس نظرة إلى الوسادة الخاصة بجدتها فأسرعت إليها تتحسسها بيدها، فعلمت أن فيها شيئا. فتحت الوسادة فأخرجت صندوقا ذهبيا، فتحت الصندوق فوجدت صورة لشابة تقارب عمر الثلاثين ومعها ورقة مكتوب بخط اليد عليها:

«أمي الحبيبة، بعد وفاة زوجي الذي لم تحبيه يوما ولم تقبلي أن يكون صهرا لك، لم أعد قادرة على تربية ابنتي بمفردي، هذه ابنتي إيمان، أمانة في عنقك، أحبيها كأنها ابنتك وربيها وأخبريها عني قليلا عندما تكبر، لقد أرسلت معها بعض المال، ليس كافيا ولكنه يفي بالغرض، وداعا هذه صورة لي لتتذكريني!».

بعد قراءتها للورقة، نظرت إلى الصورة ولم تستطع كبت دموعها، جعلت ترد كل شيء إلى مكانه ودموعها تنهال بغزارة إلا الصورة فقد احتفظت بها في جيبها. في المساء، عادت جدتها فرأتها منزوية في ركن من المنزل الصغير.

– ما بك يا عزيزتي؟ هل أصابك مكروه؟!

– ألا تخفين شيئا عني يا جدتي؟

نظرت إليها جدتها في دهشة والارتباك باد عليها:

– ما الذي يدفعك لطرح هذا السؤال؟

– أجيبيني يا جدتي هل تخفين عني شيئا؟ لماذا أخبرتني أن أمي ماتت ؟

أمك ذهبت ولم تعد، فما الفرق بينها وبين الميت؟

ولكنها أمي وكان عليك أن تخبريني بالحقيقة.

– ليست أمك! أنا من ربيتك وسهرت على تربيتك ووهبتك من صحتي لتكوني على ما أنت عليه الآن، لو كانت أمك صالحة لما تركتك أمام منزلي وعمرك ثلاث سنوات ثم هربت. تعالي إلى حضني يا حبيبتي، أنا لن أمنعك من البحث عن أمك، ولكن لا تنسي أنني أكثر من يحبك في هذه الدنيا.

– لا أشك أبدا في حبك لي فأنت أفضل أم ولكن لا بد أن أجد أمي.

انقضت ستة أشهر من البحث دون جدوى، وكانت النتيجة أن الفتاة خف وزنها وضعُف تحصيلها الدراسي، فلم تحصل على المعدل الذي يؤهلها لتحقق حلمها بأن تصبح طبيبة، فقررت أن تلج ميدان الشرطة.

تحققت لإيمان أمنيتها في أن تصبح شرطية، عُينت في إحدى مراكز الشرطة بمدينة مجاورة حيث انتقلت مع جدتها. اعتادت أن تعود في المساء بعد نهاية العمل في الحافلة، ومن كثرة مداومتها التنقل عبر الحافلة ألفت وجوها كثيرا، لكن وجها بالخصوص كان يشدها بشكل غير طبيعي، كان الوجه لامرأة تلبس لباسا عليه علامات الفقر والحاجة وإن كانت أسارير الوجه تنم على أن المرأة ليست كغيرها من المتشردات.

عادت إيمان إلى البيت، وبعد تناول العشاء أخذت كتابا من كتبها القديمة لتقرأه، فتحت صفحته الأولى فسقطت صورة والجتها، تأملتها فوجدت شبها غريبا بينها وبين وجه امرأة الحافلة، فأيقنت أن المرأة قد تكون هي أمها.

في مساء اليوم الموالي، بحثت إيمان في وجوه الراكبين عن المرأة التي ظنت أنها أمها، وما إن لمحتها حتى اتجهت نحوها، ولكن ما أن همت لتكلمها حتى نزلت المرأة من الحافلة. لحقت إيمان بها ونادتها: «أمـــي».

   لم تلتفت المرأة، كررت إيمان نداءاتها، ولما لاحظت أن المرأة لم تعرها اهتماما هرولت وراءها إلى أن أمسكتها من يدها:

– أمي، أنت أمي لقد اشتقت إليك

– ابتعدي عني، أنا لست أمك ولا أعرف حتى من تكونين، اتركيني أذهب.

– أنت أمي، هذه الصورة لك، أمي أنا ابنتك إيمان ألا تتذكريني؟

– اسمعي سأقولها لك وللمرة الأخيرة لست أمك وإذا لحقت بي سأخبر الشرطة.

توقفت إيمان واتكأت على حائط قريب، سالت من عينيها دمعات ساخنة وهي تشاهد أمها تذهب. لم تستسلم وقررت أن تتبعها دون أن تُشعرها بذلك، هكذا ترصدت خطواتها حتى رأتها تدخل إحدى النوادي الليلية المشهورة بالدعارة، لم تصدق نفسها وقفلت عائدة إلى المنزل وهي شبه غائبة عن الوعي. بعد وصولها إلي المنزل لم تخبر جدتها بما جرى وإنما اكتفت بسؤال واحد:

– هل لدي إخوة ياجدتي؟

– في الحقيقة، لديك أخت عمرها عشر سنوات.

– وأين هي؟

– عند خالتك، القاطنة بمدينة أخرى.

– وماقصة أختي؟

– عندما توفي والدك وأحضرتك أمك إلي، تزوجت برجل آخر وأنجبت منه أختك مريم، ثم حدث طلاق بين أمك وزوج أمك وكانت خالتك لا تنجب الأطفال فسلمتها لها لتربيتها.

– وهكذا ليخلو لها الجو لتمارس الدعارة.

– ما الذي تقولينه ؟

– لا داعي لأن تخفي عني فقد وجدتها وتبعتها وعرفت ما الذي تفعله.

– لقد كنت أعرف يا ابنتي أن أمك اختارت سبيل الشيطان لذلك خشيت عليك أن يلحقك عارها يا عزيزتي.

– المهم يا جدتي أنني عرفت كل شيء الآن وسأذهب لأحضر أختي لتعيش معنا وعليك أن تزويدني بعنوانها.

– حسنا إن كان ذلك سيريحك .

– سيريحني أكثر مما تتصورين يا جدتي!

بعد عدة أيام من التفكير، قررت إيمان أن تذهب لإحضار أختها، توجهت إلى المدينة التي أخبرتها بها جدتها، دون رفيق أو أنيس وحدها تبحث ليل نهار دون كلل أو ملل حتى وجدت العنوان المطلوب. طرقت الباب برفق، فتحت امرأة متوسطة العمر والقامة وقالت:

– من تكونين وماذا تريدين؟

– أنا إيمان ابنة أختك.

– إيمان، عزيزتي تفضلي، هيا ادخلي بسرعة.

أدخلتها وقدمت لها الشاي وقالت لها:

– لقد مر وقت طويل منذ أن رأيتك آخر مرة، أعتقد أنها أكثر من اثنتا عشرة سنة

– أجل يا خالتي، اثنتا عشرة سنة لم نر فيها بعضنا، وتتساءلين الآن لم أتيت بعد كل هذه المدة؟

– في الحقيقة أجل.

– أتيت لآخد أختي مريـم

– مريـــم ؟!

– نعم، مريم أختي سآخذها معي.

– لا، لن أدعها تذهب، أنا أحبها كثيرا، ولا أطيق فراقها.

– أعلم أنك تحبينها ولكنها أختي، إن لم تسلميها لي، سآخذها عن طريق القانون.

– وهل ستسمحين لي برؤيتها؟

– بالطبع فذلك حقك، تعالي متى أردت.

– حسنا سأحضرها لك.

ألبست الخالة مريم ثيابها وحزمت لها حقيبتها، أخرجتها إلى صالة الجلوس، حيث إيمان، وما إن رأتها حتى أسرعت إليها وأخذتها في أحضانها، ثم بكت متأثرة، مسحت دموعها وقالت لها:

– اسمعي يا مريم، أنا أختك إيمان، ستذهبين معي إلى البيت.

نظرت مريم إلى خالتها وقالت:

– “أمي… “

ردت إيمان مقاطعة:

– ليست أمك، أمنا في مكان آخر، لقد وجدتها تعالي معي.

انحنت الخالة نحو مريم، ثم قبلتها وقالت:

– اذهبي مع أختك، هي أحق بك مني، اذهبي.

سـارت مريم بخطى بطيئة، ويدها في يد أختها، ودعتا خالتهما ورجعتا إلى المدينة حيث مسكنهما. بعد وصولهما إلى المنزل، كانت فرحة الجدة لا توصف، فقد انهالت على البنتين بالتقبيل والعناق.

بعد أيام من اجتماع الأختين، توصلت إيمان باستدعاء لحضور معسكر تدريبي لموظفي الشرطة، فودعت جدتها وأختها ثم التحقت بالمتدربين الآخرين.

كـانت أم إيمان تشعر بالذنب منذ أن فرت من ابنتها، لقد أيقنت أن ما فعلته بابنتها إثم عظيم. فازداد شوقها لرؤية ابنتيها ولم لا الاجتماع بهما من جديد. في الجانب الآخر، وصل المتدربون إلى المقر، ذهب الكل إلى غرفهم ليبدأوا غدا تدريبات شاقة جدا، كان الجميع فرحين ومنفتحين على بعضهم البعض، إلا إيـمان فقد كانت وحيدة منعزلة.

بعد انقضاء ذلك اليوم، توجه الجميع إلى أسرّتهم للنوم باكرا، إلا إيمان فقد ظلت تفكر في أمها إلى أن أشرقت الشمس. في الصباح الباكر، تناولوا الفطور، وبدأوا التدريبات، بعد الحركات التسخينية أحست إيمان بالتعب لكنها استمرت في التدريب إلى أن سقطت مغمى عليها، حـملوها إلى الطبيب الذي أكد أنها أصيبت بانهيار عصبي، وتحتاج شهرا كاملا من الراحة لتستعيد عافيتها.

بعد خروج الجميع، انفرد الطبيب بالمريضة، فسألها قائلا:

– ماذا جرى لتصابي بانهيار عصبي حاد كهذا؟

لم تجب عن سؤاله، وأدارت وجهها إلى الحائط، فانهال دمعها على خديها. اقترب الطبيب وجلس بطيف سريرها قائلا:

– لم لا تجيبين؟ يا إلهي، أنت تبكين؟… لا تبكي، فهذه العيون الجميلة، لا تستحق البكاء.

ابتسمت ثم قالت:

– مشكلتي، قصة طويـلة.

– ارويها لي إذن، فأنا لست مشغولا.

– حسنا أصغي جيدا.

حكت إيمان قصتها كاملة متوقفة بفترات من صمت عند اللحظات التي تركت جروحا غائرة في نفسها. تأمل الطبيب وجهها مدة ثم قال:

– ماذا تقولين بعد هذا؟

– وماذا عساي أن أقول، الحـمـد لله على كل حال، المؤمن مصاب.

– عجبا لإيمانك، إسم على مسمى.

– الحمد لله.

– أتدرين أنك ستوقفين عن التدريب مدة عام كامل؟.

– ولكن عاما كاملا زمن كثير… سأصاب بالملل.

– إذا أردت أستطيع المجيء لزيارتك.

– مرحبا بك في أي وقت، ستعد لك جدتي كعكا لم تأكل ألذ منه في حياتك.

– حقا؟..إذا سآتي كل يوم لآكل الكعك.

– هههه… أنت لطيف حقا، والجلوس معك لا يمل، ولكن علي حزم أمتعتي لأعود إلى المنزل.

– في أمان اللله، سأزوركم قريبا.

– إن شاء الله، إلى اللقاء.

عادت إيمان إلى المنزل، فتفاجأت جدتها بعودتها بهذه السرعة، حكت لها ما جرى، فتأسفت لها وأخبرتها بأنها ستلتحق برفاقها في العام القادم، لذلك لا داعي للقلق.

لم تنس إيمان أمها فخرجت بعد إحساسها بأنها تماثلت للشفاء، وقفت تنتظرها أمام ذلك الملهى الليلي الذي رأتها تدخل إليه في المرة السابقة، اتكأت على الحائط تترصد من يخرج، بعد مدة لمحت أمها خارجة فأسرعت إليها وأرغمتها على السير بجانبها حتى وصلا إلى مكان معزول، خال من الناس:

– ألا تستحيين من نفسك؟ انظري إلى حالتك كيف أصبحت؟ صرت علكة، يلوكها كل مشتر بين أسنانه ثم يرميها، أترين قرافة ما أنت فيه؟ أنا ابنتك يا أمي، ومصلحتك من أولوياتي، ورغم ما أنت عليه، ستظلين أمي وسأظل أحبك، فقط لا تنكري أنني ابنتك، واعترفي… أرجوك..أتوسل إليك.

– كفى أرجوك، أنا أقل مستوى منك لتتوسلي إلي، كنت أتمنى لو أن أمك كانت أفضل حالا مما أنا عليه الآن.

– إذا، أنت تقرين بأنني ابنتك؟

– أجل، أنت ابنتي، وأنا أمك، لم أشأ أن أخبرك لكي لا ترينني هكذا.

– لا عليك يا أماه.. كلنا نرتكب الأخطاء، ولكن رحمة الله واسعة، وباب التوبة مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فتداركي الأمر، واعلمي أنك إن أصلحت حالك فأنت مرحب بك في عائلتنا الصغيرة، وأختي مريم بانتظارك أيضا.

– مريم؟

– أجل، لقد أحضرت مريم إلى منزل جدتي لتعيش معنا، فكري يا أماه.. ستحظين بعائلة رائعة.

– دعيني الآن أذهب لأرتاح، فأنا متعبة.

– حسنا، اذهبي ولكن فكري في كلامي جيدا.

عـادت الأم إلى شقتها واستلقت على الأريكة وبدأت تبكي بكاء مرير، حتى كاد ينفطر قلبها من شدة البكاء. تذكرت أنها أفنت شبابها في الذنوب والمعاصي، وأهملت غذاء روحها إلا أن جاءتها إيمان وأيقظت فيها ذلك الضمير الذي كان نائما طوال هذه السنين. في تلك الليلة جافاها النوم إلى أن طلع الفجر، وعند سماعها الآذان قامت واغتسلت ثم توجهت إلى الله تصلي وتبكي خاشعة تدعو الخالق الأحد أن يغفر ذنوبها.

مع إشراقة شمس الصباح ارتدت الأم حجابها ووقفت تنظر في المرآة، ثم قالت: “كيف أبدو… لقد فاتـني الكثير”. أغلقت الباب وراءها واتجهت إلى منزل والدتها، دقت الباب فقامت إيمان تفتح وهي تقول: “من سيأتينا في هذا الوقت المبكر؟”. فتحت الباب فلم تتمالك نفسها من شدة الفرحة، وارتمت في أحضان أمها تعانقها ودموع الفرح تسيل من عينيها، أمسكتها من يديها وهي تدخلها المنزل قائلة:

– مـرحـبا بك في مـنزلك الحقيقي…

في الحلقة المقبلة من هذا الكتاب سيتم جمع المجموعة القصصية كاملة، وتلتقون في الكتاب المقبل مع رواية لغة المشاعر للكاتبة نفسها سومية النبالي

القلم الأسود