حلم طالب مكسور الجناح

علي عبيد

abid

حلم طالب مكسور الجناح

 

ها هي الأيام تأتي بما هو ليس في الحسبان.. وها هي شمس النهار قد أشرقت بنور ربها قبل الأوان، فأحرقت بخيوطها المسدلة أحلاما نسجها ذاك الطالب الجامعي بخيوط من أمل. ترى كيف كان يحلم ليلا؟ وماذا رآى حين أيقظه الضوء نهارا؟..

الكل يحلم، النجار يحلم بأن يصنع مركبة تمشي بالريح، والفلاح يحلم بأن يملك أرضا خصبة، والكل يحلم قدر المستطاع. وهنا في هذا الموضوع سأقف على فئة أخرى استوى عندها الحلم بالحق. فرأت ما هو لها أصلا، عبارة عن حلم بعيد المنال. أنها الفئة التي ترعرعت بين رحاب الجامعة. سنوات مرت، وعقود من الزمن خلت، كلها بنيت على حلم في المستقبل.

الأيام والشهور والسنوات تجري على بحر ماؤه حلم شفاف. وسماؤه يكسوه حمام يحلق في عليائها بأجنحة من ياسمين. ها هو الطالب يحلق في سماء الحلم الدافئ، وأحلامه ليست إلا ذاك الهدف المنشود من وراء سنوات الضياع. يحلم بأن يدرس، يحلم بأن يخلق لنفسه السعادة المطلقة، يحلم بأن يقدم يد العون لأبيه وأمه، يحلم بأن يساهم في وضع لبنة على صرح الأحلام وحيدا، يحلم بأن يملك وظيفة شريفة بعد أيام القهر التي عاشها في دنيا التقلبات القاتلة، يحلم بأن يملك أنثى تدفعه لرسم خارطة ألوانها بناء الأسرة المفقودة، يحلم بأن يعيش إنسانا على سطح اليابسة، يحلم بأن يرفع يده لنفسه لا لغيره، يحلم بأن يقول لنفسه : ” أريد سيارة ” فيستطيع. ويقول : ” أريد أن أعيش ” فيعيش. وتقول له زوجته : ” لنسافر” فيقول لها: ” لبيك”.. ويحلم بأن يكون، فيكون.. قال لنفسه يوما وهو في طريقه إلى المدرسة : ” يوما ما سأحصل على الإجازة، وستضمن لي الدولة كرسيا أجلس عليه لأستطعم منه، وأشتري من خلاله أرضا ابني عليها كل أحلامي، وأحلق في رحاب الله إذا ما استطعت لذلك سبيلا…” ولكنه ما إن أخذ الشهادة حتى قال له ضوء النهار: ” إلى أين يا صاحب الجناح المكسور؟”.. ترى كيف هو هذا العالم الذي يرى بعد أن سمع ما سمع من ضوء النهار؟..

كل الأحلام تحولت إلى كوابيس قاتلة لواقع مظلم. أما أُمِر بالحصول على الشهادة فحصل عليها؟ أما قيل له : “لا تسلنا الآن، فسيرتك فقيرة جدا؟” أما قيل له : “ارحل”؟.. تبا للأحلام القاتلة. ليته لم يحلم يوما. كل أبواب الحلم غلِّقت. من أين يدخل؟ لا يعرف. من أين يخرج؟ لا يعرف. أيجلس وحيدا في مكان ما، والناس يضحكون عليه مرددين : ” هاهو لم يوفق، هاهو قد عاد إلى سجن البطالة، ها هو قد مات حيا..” لا أحد يرحم. فحتى أولئكم الذين لم يعرفوا ما معنى الدراسة، يخيل إليهم أن الوظيفة أسهل من شرب الماء. فلا هم يرحمون هذا الطالب.. ربما شاء القدر أن يريه ما معنى أن تحلم ليلا، وما معنى أن تعيش الحلم نهارا.

ربما لأن الطالب لم يميز الحلم والحق. فالوظيفة حق له . فكيف له أن يحلم بشيء له. فمن يحلم، يحلم بشيء ليس له أصلا، والحلم هو :  تأمُّل خياليّ واسترسال في رُؤى أثناء اليقظة. وهذا هو بيت القصيد في الموضوع. وليس ذاك الحلم الذي يعرف كل شخص، كأن تنام على عين قفاك فتحلم طول الليل، وتفتش بعدها على من يفسر لك ذاك الحلم.

آه من كوابيس حلم الطالب الذي حلق طويلا.. فكسر الزمن جناحه قبل الوصول. ربما لا أحد يحس بالطالب حين لا يجد وظيفة أحبها واختار لها سبيلا يوصله لها.. فكان له أي يعود إلى البادية إن كان منها، فيتربع من جديد ، لا هو يحسن رفع المعول، ولا هو يحسن فن السقي، ولا هو يعرف كيف يداعب تضاريس الأرض.. آه من هذا الحلم القاتل. ولكن ما يدفع هذا الطالب لأن يتمسك بهذا الحلم المزعج هو تأكده من أن البطالة سم يزول في أي لحظة. فيستمر يحلم ويحلم وإن كان مكسور الجناح.