بعض من أيام المستضعفين، يوميات يوسف الحلوي (الحلقة8)

فريق التحرير
 
                                           اليد الخفية1
   إنه يوم استثنائي في رحلة السجن المريرة… استيقظت على إيقاع الجلبة التي أحدثها الموظفون أثناء ولوجهم للحي العربي… رأيتهم يخرجون النزلاء تباعا نحو الساحة… وجاء دوري، قمت مذعورا، كم أتوجس خيفة من هذه الاستدعاءات المباغتة، ارتديت معطفي وانتعلت حذاء رياضيا وخرجت، تَم جمعنا أمام باب الإيقاف… وقفنا في صف طويل مثنى مثنى.. قالوا بأن المعلومات التي أدلينا بها لدى ولوجنا للسجن تضمنت بعض الأخطاء… هذا ما كنت أخشاه، هل سنتعرض للعقاب يا ترى؟ سرت همهمات خافتة بين الحراس أرجعوا بعدها السجناء إلى عنابرهم، ظننت أنهم لم تعد لديهم حاجة بي فقفلت راجعا، استوقفني الحارس العام للمعقل متسائلا: من أذن لك بالانصراف؟ سنحتاجك قليلا، أشار برأسه لحارسين بجانب باب الإيقاف فتوجها من فورهما نحوي وقيدا يدي بالأصفاد من الخلف… فتشاني تفتيشا دقيقا وجرداني من مبلغ ثلاثمائة وخمسين درهما كانت بحوزتي ومن حزامي الجلدي ومذكرة دونت بها أرقاما هاتفية وملاحظات مختلفة…
   أحسست بالخوف يتسلل إلى قلبي ما الذي حدث؟ ماذا فعلت ؟ نظر إلي الحارس العام متفحصا قبل أن ينطق: رجال الشرطة يريدونك… حين استفسرته عن السبب أخبرني أنه لا يعرف شيئا… أدخلوني إلى الغرفة التي تتوسط بابَي الإيقاف فجلست هناك لمدة ساعة ونصف تفترسني الهواجس من كل حدب وصوب… هل عثروا على خالد الشمالي؟ أتكون هذه بداية لنهاية هذا المسلسل المرعب؟ ثم أعود فأتمعن في الطريقة التي أخرجوني بها من عنبري وكيف وضعوا الأصفاد في يدي فيترجح لدي أن في الأمر شرا أكيدا، مرت الدقائق ببطء شديد، وبعد مدة خلتها دهرا أحسست بجلبة خلف باب الإيقاف الثانية التي تفضي إلى الإدارة، فأصخت السمع علني أفهم ما يحدث حولي دون جدوى، تقدم واحد من الحارسين المكلفين بحراستي نحوي، في تلك الأثناء وجذبني من ذراعي بعنف… قم لقد أتوا، نهضت متثاقلا وتمنيت حينها لو أن المسافة بيني وبين ما ينتظرني خلف باب الإيقاف كالمسافة بين القطب الشمالي والجنوبي لكن الأماني لا تتحقق عادة، خاصة في السجن…
   فور تجاوزي لباب لإيقاف أرسلت بصري يمينا ويسارا… كانت الساحة غاصة بالبوليس من مختلف الأجهزة والرتب، تلقفوني بقسوة مبالغ فيها وفكوا عني أصفاد السجن ليزينوا معصمي بأصفادهم، ثم دفعوني بقوة في اتجاه الباب السوداء كان هناك بابا واحدا يفصل بين مرافق الإدارة والباب السوداء، وبين هذين البابين يمتد الممر الدائري الذي يعزل البنايات الداخلية للسجن عن السور الخارجي، في الممر الدائري أركبوني في سيارة من النوع المستخدم عادة في شحن الخضر، وبداخلها وجدت السجين “ر” مكبلا معصوب العينين، ركب معنا خمسة من عناصر الأمن وبعد تجاوزنا للباب السوداء انطلقت في أثرنا سيارات أخرى لم أتبين عددها أقلت رجال الشرطة الآخرين… سارت بنا سيارات الشرطة بسرعة جنونية إلى أن توقفت أمام مبنى ولاية لأمن، اقتادونا نحو الداخل وأجبرونا على صعود سلم طويل أفضى بنا إلى ممر تحفه مجموعة من الحجرات من جانبيه، انعطفنا يسارا نحو إحدى هذه الحجرات لأجد نفسي أمام مجموعة كبيرة من المحققين بزي مدني، أما “ر” فاقتادوه نحو غرفة أخرى، وقفت ألتقط أنفاسي اللاهثة وأنا أتساءل في سري عن سبب هذه الحركات السينمائية، قبل أن أنبس ببنت شفة أمروني بالجلوس وانبرى رجل ضخم من بينهم لسؤالي عن سبب استدعائي … أأحمق أنت أم أنني فقدت عقلي؟ من الذي عليه أن يسأل الآخر عن سبب مجيئه إليكم؟ هل في كل البلاد من يجرؤ على زيارتكم بمحض إرادته… تلعثمت وأنا أجيبه بأنني لا أعرف السبب، فانهالوا علي بلكمات متتالية أفقدتني القدرة على التركيز… أخبرني الضخم بعد جهد جهيد أنهم أحضروني لاستفساري عن سبب إقدامي على التخطيط لعملية فرار من السجن بمعية “ر” كما أخبرني بأن أخي رفقة عصابة تابعة لـ “ر” هم المكلفون بتقديم الدعم لنا من خارج السجن… هممت بأن أغني… أروح لمين؟؟ حاولت أن أقنع نفسي أن الأمر يتعلق بكاميرا خفية، ولكن هيهات… أليس كذلك يا يوسف؟ قل يا بني كنت تحاول الفرار هيا أخبرنا…