بعض من أيام المستضعفين يوميات يوسف الحلوي (الحلقة9)

فريق التحرير

                                             اليد الخفية2    

 

   … أليس كذلك يا يوسف؟ قل يا بني كنت تحاول الفرار هيا أخبرنا… نحن نعرف كل شيء، لا داعي للإنكار… نحن نعرف نوع الطعام الذي تناولته البارحة قبل أن تخلد للنوم.. أخوك هنا… إذا أردت أن نطلق سراحه اعترف… سيكون قاسيا على أمك أن تتلقى نبأ اعتقاله، كان أثيرا لديها… أوشكت على البكاء، لكني تمالكت نفسي استعطفت المحقق.. سيدي مستعد لتحمل كل شيء اتركوا أخي…

   برقت عيناه بوميض مخيف والكلمات تنفلت من بين شفتيه، حسنا بني يجب أن تساعدنا كان أخوك واحدا من أعضاء جماعة العدل والإحسان، ثم انتمى بعدها للسلفية الجهادية، كنت أعلم أن أخي خضع لتحقيقات بعد السادس عشر من ماي بسبب تدينه، ثم أخلي سبيله لعدم وجود شيء يدينه، كما كنت متأكدا من كونه لا يمت لتيار السلفيين بصلة، فصارحت المحقق بما أعرفه… امتقع لونه وصب علي جام غضبه… وقبل أن أضيف شيئا آخر تناول قطعة خشبية حادة من أحد طرفيها، ووضع الطرف الحاد أسفل حاجبي الأيسر وهو يصرخ… إذا لم تعترف سأفقأ عينك، أتوفر على تسجيلات لمكالماتك مع أخيك من داخل السجن…

   أحسست بألم حاد في عيني، كان مصمما على ما يبدو على نزعها… صحت من شدة الألم، بماذا سأعترف…؟ أخوك هو العقل المدبر لعملية الفرار، أقسم أنني سأنزع عينك.. وواصل الضغط على عيني… سأقول أنك حاولت الفرار من هنا واصطدمت بالحائط فضاعت عينك… ماذا كنتم ستفعلون خارج السجن؟ أنت خبير في التزوير و”ر” شخص خطير سبق وأن اختطف العديد من الأثرياء مقابل فدية ضخمة… وأخوك إرهابي، خاطبك أخوك يوم الجمعة الماضي فطلبت منه تعبئة بطاقتك، ماذا تقصد بالتعبئة ؟ قلت: التعبئة الخاصة بالمكالمات الهاتفية قبل أن أكمل لطمني بقوة فانقلب بي الكرسي… أعاد الكرسي إلى وضعه الأول وجذبني من ياقة معطفي بكلتا يديه انتظرت تدخل أحد المحققين المحيطين بنا دون جدوى… كانوا يتهامسون فيما بينهم ولم أفهم سببا لتواجدهم… كانوا منهمكين في الكتابة.. ماذا تقصد بأنك تنتظر زيارة أخيك في الأسبوع المقبل؟ ماذا تقصد بالغطاء الذي طلبت منه جلبه أثناء الزيارة؟ هذه رسائل مشفرة لسنا أغبياء لتخدعنا بهذا الشكل، كل شيء واضح التعبئة تقصد بها الملاذ الذي ستلجأ إليه بعد فرارك والزيارة هي لحظة الصفر التي ستنطلق فيها عملية الفرار، والغطاء هو عصابة “ر” التي ستؤمن هروبكم إنكم مجرمون محترفون أردتم تنفيذ الجريمة بدقة متناهية لكننا وقفنا لكم بالمرصاد.

   لم أفهم حرفا مما قال.. افتراضاته كانت مجانبة للصواب… ومدار القصة كلها على هاتف نقال أوصاني “ر” بجلبه أثناء زيارة أسرتي، وقد طلبت من أخي ذلك… وبما أن الهاتف ممنوع داخل السجن ويعاقب عليه بالكاشو، اتفقنا على أن يسلم لأحد السجناء العاملين بقاعة الزيارة… لم يصل هذا الهاتف لأيدينا قط لأنه سرق من السجين المذكور في ظروف غامضة، سيحاكم هذا المسكين لاحقا وستتم إدانته بعشرة أشهر في هذه العملية الفاشلة… أرغمت على التوقيع على المحضر وعدت إلى عين قادوس حزينا كاسف البال، أحمل تعبئة مضاعفة من التهم على حد تعبير المحقق الضخم.. عرضت بعدها على وكيل الملك وبدهليز المحكمة التقيت أخي، بدا شاحب الوجه، كان قد قضى لدى الأمن خمسة عشر يوما.. ذاق فيها ألوانا من التعذيب… تعانقنا وبكينا بحرارة مبعثها إحساسنا بالظلم والغبن… أمام وكيل الملك سمعت لائحة جديدة من التهم، قيل أنني حاولت تزوير بطاقتين وطنيتين وجوازي سفر داخل السجن و…و… وأن هناك يختا سيقلنا نحو أوربا وأشياء كثيرة لا يصدقها عاقل، انفجرت ضاحكا، حين استفسرني وكيل الملك عن سبب ضحكي أجبته هذه مسرحية لا علاقة لأحداثها بالواقع… والمكالمات الهاتفية؟ ليس فيها كلمة واحدة تشير إلى أنني أحاول الفرار، بمنطقكم هذا إذا كلمت والدتي وأخبرتها بأنني مشتاق لرؤيتها فمعنى ذلك أنني أخطط للسطو على بنك ما… والسلالم؟ لا وجود لسلم واحد ولا وجود لبطاقة أو جواز سفر، وإنني ألتمس منكم إطلاعي على هذه الأشياء وعندها احكموا علي بالإعدام إذا شئتم… لم يكن هناك دليل على الجريمة المزعومة…

   نظر إلي وكيل الملك بتمعن وهتف وكأنه أمسك بحجة إدانتي بكلتا يديه: وماذا عن اعترافاتك الصريحة التلقائية أمام الضابطة القضائية؟ قلت: وقّعت تحت التعذيب .. قل عذبوك شتموك، صلبوك، قل ما يحلو لك، حين نعرضك على القاضي ستعرف الفرق حينها بين المسرح والواقع… في جلسات المحاكمة كنا ننقل إلى المحكمة مصحوبين بجيش عرمرم من رجال الأمن… أدنت رفقة “ر” بسنتين وأدين أخي بثلاث سنوات، عندها فقط فهمت أن الأمر لا علاقة له بعالم المسرح والسينما، وأحسست بوجود يد خفية وراء كل ما حدث وحاولت مرات ومرات ترتيب الوقائع التي رافقت هذه القضية لفك ألغازها دون جدوى، مئات من الأسئلة ظلت تتردد في ذهني بلا جواب…

تتمة

تابعونا في الحلقات القادمة…