وتنقلب الآية في رمضان

علي عبيد

abid

وتنقلب الآية في رمضان

   ما بين أن نرى صورة كاملة لواقع متقلب، وأخرى غير كاملة لواقع ثابت، يكون هذا الإنسان على عتبة اللامبالاة، وقليلا ما نجد من هذا الإنسان ذاك الإنسان الذي يتأمل كل صورة على حدة.. ترى ما الذي يحدث حينما تنقلب الآية في فضاء الله على بني البشر؟

   غريب أمر الكلمات حين تتيه بين أحضان الفهم المراد، والغاية المرجو،وهنا على عتبة هذا النص الرمضاني، فإنه من الصعب علي أن أطوي طريقا طويلة، وأجمع مدنا متفرقة في مدينة واحدة، وأرسم دولة الفضيلة في أساطير معدودة،ولكن حسبي أن أقف قليلا على جسر هذا الشهر الكريم لأتلو على مسامع أولئكم الذين قد تَصَدَّغُوا شهر رمضان نهارا، وقاموه ليلا في عالم الرذيلة، وهذا ما كان له ليحدث لو لم تنقلب الآية عليهم في دنيا الشهور العابرة، أيام الله طويلة، وكثير هم القائلون: ” اشْوِيَّ لْرَبِّي.. واشْوِيَّ لْعَبْدُو ” ولكن الأيام لا تطول حين يطرق الموت الباب، وحين يأت الأجل.

   هنا كانت الكلمة الربانية حاضرة في القلوب السليمة، لما جاء صوتها برَّاحا في سورة الذاريات: ” وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكِرَى تَنْفَعُ الْمُومِنِينَ… ” وما إن يمر يوم حتى يأتي يوم آخر ليذكرنا، وما إن يمر شهر حتى يأتي شهر آخر ليذكرنا.. هي إذن بمثابة رسل من الله لتذكرنا بما جاء به الأولون. والأصح فيها أنها لا تأتي ولا تذهب، بل هي متوقفة كل التوقف، وما الذاهب ولا الآتي إلا ذاك الشيء المسمى بالعمـر.

آه من العمر.. ليتك توقفت قليلا كي لا تنقلب الآية أبدا، وهنا كان لزاما علينا أن نقف قليلا مع مراد الله من التقلبات التي عشناها، أو نعيشها الآن، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بنفسه، هو هل كل واحد منا يقف أو يتوقف ولو قليلا؟ هو سؤال عريض، ولكن الحجاب مرفوع عنه ولا ريب.

   دعونا نغوص في أعماق الأمة قليلا بكاميرا شهر رمضان الكريم فلا مناص من الإصغاء له، وقبل أن يحل رمضان ضيفا علينا، أو نحط ـ نحن ـ الرحال ببابه، فإننا نكون أمام أناس لا يعرفون منه سوى أنه شهر الجوع، والبعض الآخر يرى أنه شهر (الريجيم). والبعض الآخر لا يجلس في وطن أهلُه يرحبون به، بل يسافر إلى عالم ما وراء البحار؛ كي يأكل نهارا ولا تنقلب الآية عنده، فيفترش من الفرْش ما لا يحل له هناك، وليته قرأ ولو مرة قول الله تعالى : ” وَهُوَ مَعَكُمُ أَيْنَمَا كُنتُمْ “. والبعض الآخر لا يعرف موقعه في الجملة، اللهم إلا فئة قليلة هي التي عرفت رب رمضان، فتعرفت على رمضان، وعاشته في كل وقت وحين، واللهم اجعلنا منهم.

   ها هي العقول لا تتغير، والقلوب لا تتقلب، مع أن كل شيء قابل للتغيي، فمن رآى رمضان على أنه شهر الجوع، كان أعمى البصر، ومن رآه شهر البذخ، فقد عاش الفقر الداخلي للنفس وكان أعمى البصيرة، رمضان نحسبه جامدا ـ ككل الشهور ـ وهو يمر مر السحاب، فكيف لنا أن نستفيد منه قبل أن ينتهي موسمه؟

   فعلا انقلبت الآية وتنقلب، نأكل في أي وقت، ونشرب في أي وقت، ونرفث مع نسائنا رفوثا لا وقت له، ولكن هيهات هيهـــات حين تنقلب الآية ! لا تأكل في أي وقت، فتستشعر أن الوقت لله، وتحس أنك تستطيع أن تتغلب على شهوتي البطن والفرج، وتدرك أنك عبدا لله، وتعلم أن الصوم لا يعني الجوع، بل هو مدرسة نتعلم منها تربية النفس، ونفقه من خلالها لغة الروح، ونحاور بها الذات في صمت، وأن نرى الصبر رجلا قويا في حارة الضعفاء، وأن نبصر عيوبنا الظاهرة والخفية، وأن نشحن البطارية التي أفرغتها الذنوب، وأن نعرف على أن هناك من هو في أمس الحاجة إلى طلعتنا البهية عليه، فنتأكد على أن الله ما فضل بعضنا على بعض في الرزق إلا من أجل خدمة أحدنا الآخر، فيبتسم لنا ذلك الذي قد عرفنا حاجته بسيماه، ولم يسأل الناس الحافا، فكل الجوارح تصوم، وليس البطن والفرج فقط، فمن عرف خالق رمضان، أحب رمضان، وسأل الله أن يبارك له فيه، ومن رآى أن الآية قد انقلبت عليه بحلول هذا الشهر، فله أن يراجع الأوراق قبل أن يوقعها موظَّفا مع أبليس، فيكون شيطانا من الإنس، ويتحول عمله من خير إلى شر، فيغادره شهر الرحمة والغفران والعتق من النار دون أن يشحن بطاريته بصالح الأعمال، لأنه ما عاش رمضان إلا نائما بالنهار، وسامرا يدخن الوقت فراغا بالأسحار…