ثلاث أسئلة مع الدكتور خالد احسيكة

يوسف بخوتة

ثلاث  أسئلة مع الدكتور خالد احسيكة

1: السيد خالد احسيكة الباحث في علم الاجتماع وفاعل جمعوي نستغل وجودك معنا في الديار الفرنسية ونسألك عن الهجرة كظاهرة اجتماعية، وكيف تساهم في الظواهر الاجتماعية الأخرى؟

في الحقيقة السؤال عام جدا، وفي طور تحديده إذا سمحت، فأنا أرى شخصيا بأن الهجرة جزء من الوجود الاجتماعي للإنسان عبر التاريخ، فعبر التاريخ كانت له الحاجة إلى التنقل والسفر، أي ينتقل من مكان إلى مكان آخر سواء كأفراد أو كجماعات، في لحظات وصعوبات الحياة كالكوارث الطبيعية أو المجاعات.. إذن هذا الانتقال من مكان إلى مكان هو جزء من الطبيعة الأساسية لحياة الإنسان، لذلك فالهجرة ليست ظاهرة، أي أنها وجودا عاملا، وهي نتاج سببي لأشياء أخرى قد تنمحي وقد تغيب الحالة لذكرها وتغيب حالتها السببية، لكن الهجرة هي جزء بنيوي من الوجود الاجتماعي للإنسان، إذن هذا يعني أن الإنسان سيبقى يتشكل من المجتمعات التي هي نتاج التقاء مجتمعات مختلفة وتمازج ثقافات مختلفة عبر التاريخ، والدليل على ذلك حينما اكتشفنا جغرافيا العالم، وجدنا أثار من حضارات سابقة ودلائل على أركولوجيا تدل على التقاء هذه الحضارات والثقافات والأجناس المختلفة عبر قرون لتشكل المجتمع.

ولنبقى في السؤال، تأثير الهجرة كوجود في الظواهر الأخرى، بطبيعة الحال، الهجرة هي وجود اجتماعي في مكان ما أو وفي مجتمع ما بحمولات ثقافية واجتماعية وبرهانات واستراتيجيات تكون عند الفرد أو عند الجماعة، وبمسببات الهجرة، فهي انتقال إلى مكان أخر جديد هو الآخر بخصائص وبحمولة وبميزة، فتحوله وتنقله تأتي على الفرد المنتج أو على الفرد المهاجر، وعلى المجتمعات المنتجة للهجرة، وعلى المجتمعات المستقبلة لها، وكذا في مساراتها، هذه كلها أزمنة وأشياء تؤسس لتأثر دائري ومبتدئ. فما دام السؤال عام، مطروح بهذا الشكل، فأنا أجيبك بأن الهجرة نتاج لظواهر أخرى و مؤثرات أخرى، أي أن الهجرة تؤثر في البنية الثقافية للأشخاص، وتؤثر في البنية الاجتماعية في الرهانات والاستراتيجيات للأشخاص والمجتمعات، وفي الوضعية الاقتصادية والثقافية لها، وفي الديمقراطية أيضا، وسأجيبك بجواب الكسول بأن الهجرة هي مؤثرة في كل المحيط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وغيرها، وهي نتاج له وتمارس عليه دور التحويل.

2: في نظركم كيف نجعل من المهاجر فاعلا اجتماعيا في البلد المضيف وكذا في البلد الأم؟

هذا سؤال جيد، كيف نجعل من المهاجر فاعلا اجتماعيا؟ من نحن لنجله كذلك؟ تقصد بذلك المنتجين في السياسات العمومية في دول الاستقبال وكذا في دول الأصل، إذن كيف يكمن أن يتحول المهاجر من كائن إجتماعي انتقل من مكان إلى مكان ما لتحسين وضعيته الاقتصادية والاجتماعية؟ وكيف يمكن أن يتحول إلى فاعل أساسي ومؤثر في هذه المجتمعات؟ وقبل أن يتحول إلى كائن اجتماعي، وقبل أن يتحول إلى فاعل ذو حمولة سياسية وثقافية، وذو مشروع ورهان جماعي تأثيري، فهو أصلا وجوده مؤثر في المجتمعين معا بدون أن يتحول هو، فالمهاجر هو مهاجر في لحظة قيمة، حيث يكون كائن اجتماعي، وهو وسيلة رئيسية لتنمية المجتمعات المحلية، وهو أداة للتحويل الثقافي والاجتماعي للمجتمعات، وهو كذلك أداة تنموية في المجتمعات المستقبلة، فهذه المجتمعات استوردت أو طلبت الهجرة لأنها كانت في حاجة ماسة لها، إذ كانت احتياجاتها ملحة، إما احتياجات اقتصادية احتياجات ديموغرافية أو هما معا، إذن المهاجر هو محول مؤثر في المجتمعات التي يعيش فيها – في مجتمعه الجديد -، أو في مجتمعه الأصل عبر التحويلات المالية، وعبر الحمولات الثقافية التي ينقلها معه من مجتمعات الأصل الى مجتمعات الاستقبال، أو من خلال الحمولة التي يأتي بها بعد سنوات الهجرة ألى المجتمعات الأصلية، فهو إذن – المهاجر – محول في البنيات الاجتماعية بامتياز.

   ولنتكلم قليلا خارج المعطى النظري، فجزء كبير من المجتمع المغربي لم يكن ممكنا أن يستفيد من التطبيب أو ينتقل من البادية إلى المدينة، أو يحصل على سكن لائق، أو يتمكن من الدراسة في الخارج بدون هجرة، فالهجرة كان لها دور استراتيجيا وأساسيا في محاربة الفقرـ وفي تأمين الترقي الاجتماعي لفئة كبيرة من المجتمع المغربي، وفي تمكينه من الارتفاع والرقي، فالدور التنموي هو دور واضح تعترف به الدولة، إذ نتحدث عن 50 مليار درهم من التحويلات المالية كل سنة، دونأن نتكلم عن المنقولات الاخرى، ودون أن نتكلم على الخبرات التي يجلبها المهاجر معه، والتي يتعلمها في دول الاستقبال وينقلها إلى المجتمعات الأصل.

   هذا الفعل التحويلي للمهاجر، هو موجود وحاصل بفعل الهجرة في اللحظة التي يكون فيها المهاجر كائنا اجتماعيا بسيطا لحظة انتقاله، إلى كائنا اجتماعيا لحظه تحوله، سواء كفرد أو كجماعة إلى فاعل منتج للاستراتيجية والرهانات الاجتماعية، ومنتج للفعل العمومي سواء عبر جمعيات أو عن طريق تحوله إلى فاعل سياسي، أو ثقافي أساسي، هذا المرور من الكينونة الاجتماعية البسيطة التي تجعل من الانسان يمارس احتياجاته الاجتماعية ويشتغل على الاستراتيجيات الاجتماعية البسيطة، كتأمين حاجياته الأساسية، وبحثه عن تحسين وضعيته الاجتماعية له ولأسرته، ينتقل ويتحول إلى فاعلا اجتماعيا معنيا بالوضعية العمومية التي يعيشها المهاجر سواء مجتمعات الاستقبال وكذا المجتمعات الأصلية.

   هذا التحول له أثار استراتيجية أولا، لأن وضعية الهجرة هي وضعية تحريرية، ووضعية تنمي القدرات الثقافية والقدرات لدا الأشخاص والمجتمعات، فالانتقال من مكان إلى مكان هو فرصة لكسب حمولات وثقافات جديدة، وبطبيعة الحال الهجرة هي فرصة للترقي الاجتماعي وتحصيل الإمكانات في بلاد جديدة، وهي أيضا منتجة للهشاشة، فالهجرة ككل الانتقالات الاجتماعية فهي منتجة بالأساس، ولأننا نهاجر لتحسين وضعيتنا الاجتماعية ولنرتقي، فهي أيضا منتجة لهذا التحول،أي التحول من كائن اجتماعي إلى فاعل اجتماعي، أي من كائن يهتم بوضعيته الخاصة وبحاجياته، إلى كائن اجتماعي يهتم أكثر فاكثر بالوجود الاجتماعي لفئته، وبالفعل العمومي والحياة العمومية في مجتمع الأصل وكذا مجتمع الاستقبال، هذا التحول كان ضروريا في مرحلة مبكرة، إذا أخدنا مثال الهجرة المغربية، أساسا نجد أن هذه الفئة تدافع عن حقوقها واحتياجاتها ومصالحها خصوصا بعد الجيل الثاني والثالث، بعدما بدأ الشباب في الالتحاق والتكوين، ولم يعد فئة المهاجرين بامكانات تعليمية وثقافية ضعيفة،   إذ أصبحنا نرى تطور وانتظام المهاجرين في المجتمع المدني و في الانتظام السياسي، فنحن لدينا نخب وكفاءات كثيرة من مغاربة العالم، وبدأنا نرى فاعلين جمعويين وأناس يتحملون مسؤوليات كبيرة في دول الاستقبال، نخب وفنانين وأدباء، يعني نخبة كبيرة من المهاجرين أصبحت تعمل على الحياة العمومية والحقوقية في دول الاستقبال.

   ودائما حول دور المهاجرين في هذا التحول، فالفاعل الاجتماعي كان له دورا أساسيا في التحول الديمقراطي في المجتمع المغربي، فنحن نعرف العديد من الشخصيات المغربية التي لعبت دورا أساسيا في التحول الهجري والتي كانت من أصول الهجرة، حيت استطاعت أن تندمج في دول الاستقبال، ونقلت خبراتها وساهمت في التحول الديمقراطي للمجتمع المغربي، وتناضل من أجل الحقوق وتحسين وضعية المهاجرين على مستوى دول الاستقبال وكذا على المستوى الأممي – من ناحية الاتفاقيات – من أجل الاعتراف أكثر بحقوق المهاجرين، وكذا احتياجاتهم الاجتماعية والثقافية، واحتياجاتهم هذه تلزم الشراكة في الحياة السياسية والاجتماعية.

   إذن هذا التحول ضروريا مقبولا على حساب أوضاع المهاجرين ومؤهلاتهم، وهذا التحول دائما ما تواجهه عراقيل وعقبات، لكن دائما هو أساسي وجوهري في الانتقال من وضعية بسيطة إلى وضعية تمتلك أدوات الدفاع عن نفسها وحقوقها وتحسين أوضاع ومكونات الجماعة المهاجرة هنا أو هناك، سواء في دول الاستقبال التي يكون فيها المطلب دائما حول تحسين الوضعيات المعاشية، سواء في العمل أو تعليم الأطفال أو في الحقوق الثقافية وحقوق الفئات الهشة، وأيضا في مجتمعات الأصل والتي تكون فيها المطالب كالدفاع عن الحق في المشاركة الاجتماعية والسياسية للمهاجرين وإدماجهم في المصالح الاجتماعية، والاعتراف بمجهودهم، وإعادة إدماجهم لحظة العودة، سواء المؤقتة، أو أشكال العودة النهائية كالتقاعد مثلا، والدفاع عن حقها النقابي في المجال التنموي ومجال الاستثمار ومجال تسيير الكفاءات، والآن نعيش الوضع الجديد للفاعل الاجتماعي، حيت المهاجر الذي يلعب فيه دورا كبيرا، وهو ظهور تعميم سياسات هجرية في الدول التي كانت بالأمس منتجة للهجرة، وتحولت إلى دول مستقبلة لها، إذن المهاجر أصبح له دور اساسي في تثمين هذه السياسات الجديدة للهجرة، وأن هذه السياسات هي سياسة مبنية على الحقوق الأساسية للمهاجرين، ومبنية على حفظ كرامتهم ورفض التمييز وجميع أشكال العنصرية، يعني أن مستقبل الانسانية هو بالضرورة يجب أن تذهب في بنية عالمية تعتبر التنقل والهجرة حق طبيعي، وتعتبرها أيضا هي إغناء للحياة الاجتماعية والثقافية والتنموية للمجتمعات وليس المجتمع المغربي فقط، أي في المجتمعات الأصلية والمسارات التي تمر بها الهجرة.

3: هل يرى السيد احسيكة مستقبلا لهذا الجيل من المهاجرين غير مستقبل أبائهم وأجدادهم؟

بطبيعة الحال مستقبل غير هذا، فالذي ظهر هو واقع حاصل الآن، فكل جيل يحمل معه رهاناته واستراتيجياته من خلال الوضع الذي يعيشه، وكذا إمكانياته، وأيضا الإمكانات التي يشتغل بها، في الاول كان جيل ليس له قدرات تعليمية كبيرة، وكان جيل في هجرة بيرم اقتصادية، الهدف الأول لها كان هو تحسين الوضعيات الاجتماعية والاقتصادية وتنمية مجتمعات الاستقبال التي كانت في أمس الحاجة لها، وأيضا تحويلاتها للمجتمعات الأصلية ومساهمتها في المسار التنموي لها، لكن كان الاعتراف بهذا المهاجر جد ضعيف لأنه كان له صعوبة في التحول من كائن اجتماعي (مهاجر رسمي) إلى فاعلا اجتماعيا مؤثرا بقرارته في المحيط وفي المجتمع الذي يعيش فيه، فالآن نحن أمام جيل جديد، جيل متعلم، جيل نوعا ما متمرس، لكن أمام جيل آخر لم يعد يعتبر نفسه مهاجرا، بل يعتبر نفسه له مواطنة متعددة، وعند هذا الجيل الجديد نحن متجهين إلى اضمحلال موضوعات الهجرة كموضوعات الانتقال نحو شكل جديد للمواطنة التي هي المواطنة المتعددة، والهوية الغنية المتعددة، التي يكون فيها هذا المهاجر السابق، أو هذا الشخص الناتج عن الهجرة والآتي من أصولها، ليكون له داخليا اهتمامين، ويعمل على الارتقاء بالوضع التنموي للمجتمعين معا. وبطبيعة الحال المستقبل له أطوار كبيرة يلعبها بهذه المواطنة المتعددة، لأن البشرية كلها ذاهبة في نفس الاتجاه، وهذا الجيل ذو الهوية المتعددة والانتماء للمواطنة المتعددة هو جيل أكثر غنى بخبرته، لأنه يمكن أن يحمل معه خبرات المجتمعات الأصلية، ويمكن أيضا أن يحمل خبرات التنوع الثقافي الذي تعلمها في مجتمعات الاستقبال، ويمكن كذلك يفيد به وضعيته، والذي لاحظناه، الترقي الاجتماعي عند الفئات الجديدة هو أكبر، والاستراتيجيات والرهانات الاجتماعية أكثر تطورا واكثر طموحا، ودورهم في الاستثمار في المجتمعات الأصلية أصبح أكثر تعددا وأصبحوا يخترقون أمكنة ومواقع اجتماعية وسياسية لم يكن بالأمس نحلم بأن مهاجر تقليدي يخترقها.

   إذن تحولوا إلى مواطنين حقيقين في دول الاستقبال بإمكانات تموقع حقيقي، وليس هناك فرق إلا الفرق في الاجتهاد، وكذلك يلعبون دورا أكبر وأكثر في المجتمعات الأصلية.

   لكن بطبيعة الحال هذا الجيل له صعوبات من جديد، وله بنية الهشاشة من نوع جديد يجب التعاطي معها أيضا، وعلى المنتجين السياسيين في المجتمعين أن ينتبهوا لها، لأن هذه الفئة لها احتياجات جديدة، لا سواء على المستوى الثقافي واللغوي، ولا على مستوى حاجاتها إلى المشاركة السياسية وقدرته العالية في نقل الكفاءات من مجتمعات الاستقبال إلى المجتمعات الأصلية.

   وبطبيعة الحال، هذا الجيل له دور استراتيجي ورهان استراتيجي أيضا، فكلما كانت هذه المجتمعات ذكية، كلما كانت استفادتها أكثر من قدراته، سواء في المجال التنموي والاندماج، أو على مستوى اغناء الحياة الاجتماعية للمجتمعات الأصلية.

IMG_20140626_193238 الدكتور خالد احسيكة رفقة يوسف بخوتة بمدينة اوركون بفرنسا

عدسة محمد دويب