مشروعية الغش

جواد البلدي

gawad-106x150

 مشروعية الغش

               يبدو أن ظاهرة الغش في الامتحانات باتت ظاهرة سليمة وعادية في مجتمعنا المغربي، فالظاهرة الاجتماعية كما يقول “دوركايم” عالم الاجتماع الفرنسي عندما تصبح عامة تصبح سليمة ما دام الكل يجمع على إعطائها المشروعية العرفية، ويعتبرها شيئا غير غريبا ولا شاذا، وفي ظل التغيرات الإجتماعية والأخلاقية والقيمية، وفي ظل اهتراء منظومة التعليم في مجتمعنا المغربي، وما أصابه من هوان على مستوى الجودة، وتدني قيمة الشواهد المدرسية ، وإفراغها من محتواها، نظرا لجبن الوزارة الوصية على القطاع “التربية والتعليم”، وغياب إرادة سياسية إصلاحوية حقيقية للحكومات المتعاقبة على إدارة هذا البلد الجميل، أصبحنا نلمس من المتعلمين دفاعا مستميتا عن شيء وهمي يسمونه حقهم المشروع في الغش، الذي تحول من ظاهرة لا أخلاقية ولا تربوية، إلى حق مشروع لدى الجميع بدعوى وبذريعة أن الكل يغش، بل أصبحنا كمدرسين نسمع من بعض التلاميذ عندما نمنعهم من الغش في الاستحقاقات الوطنية أو الجهوية بعض العبارات من قبيل: “غياب تكافؤ الفرص”، “غياب المساواة بين التلاميذ” في التعاطي مع الظاهرة وطنيا، الشيء الذي يكشف عن بعض المعتقدات التي أصبحت راسخة – بشكل خاطئ – في ذهن الأفراد، وأهمها أن “الغش حق مشروع للفرد” متناسين أنه من جهة محرم شرعا، وبكل أنواعه، ومن جهة أخرى مُهدِّم للمنظومة التربوية لبلدنا أكثر مما هي عليه، ومُخِلٌّ بجودة التعليم و( الصحة والعدل والمالية والعمل السياسي…)، وإذا كان الأمر كذلك، فهذا يكشف عن استهتار المسؤولين عن قطاع التربية والتعليم، وتخليهم عن القيام بما يجب أن يكون، وإذا كان التعليم هو القطاع الذي يُخرِّجُ لنا الطبيب والمهندس والقاضي والكاتب العمومي ورجل الدولة والشرطي والمدرس نفسه و … غيرهم، فهذا يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري وعميق يمكنه أن يكون موضوعا للدراسة والبحث، مفاده: كيف يمكن لباقي القطاعات أن تكون قويمة وسليمة، وكيف يمكن الحديث عن التنمية البشرية والمستدامة إذا كان أساس التعليم في بلدنا هو الغش؟ وإذا كانت الشواهد المحصل عليها والمؤهِّلة لولوج المناصب في كل قطاع – بما في ذلك الشواهد الجامعية والعليا – تم التحصيل عليها عن طريق الغش؟

             وإذ نسجل أن المسؤولية مشتركة بين كل الفاعلين في مجال التربية والتعليم، نحمل المسؤولية بشكل كبير للوزارة الوصية والحكومة، لأن غياب رؤية واضحة وناجحة لإصلاح التعليم إصلاحا جذريا وحقيقيا، يفتح الباب أمام كل أنواع الفساد واهتراء جودة كل القطاعات والخدمات المقدمة فيها، ما دامت تستورد رأسمالها البشري بالضرورة من خريجي منظومة التربية والتعليم، وإذا كان بعض رجال ونساء التعليم أنفسهم – سامحهم الله – ساهموا ويساهمون في تكريس تردي وتدني جودة التعليم، بذريعة أن الدولة لم تنصفهم ولا تراعي وضعيتهم وحقوقهم لا المادية ولا الاجتماعية – وهذا وارد – الشيء الذي يجعلهم يتخاذلون عن واجبهم ويفرطون في مسؤولياتهم، فهذا يدفعنا، وإن كنا نعلم علم اليقين مدى الإجحاف والحيف الذي يطال حقوق رجل التعليم، إلى التنديد بكل سلوك من شأنه أن يجعل الواجبات – بكل أنواعها – مبتذلة وفاقدة لأهميتها وقيمتها، لأن القواعد الأخلاقية والإنسانية عبر التاريخ، والتي تُتَّخذ كمبادئ للسلوك والتصرف، علمتنا وتعلمنا أن المطالبة بالحق مشروطة – وبالضرورة – بالالتزام بالواجب، وإذا كان موضوع هذا المقال هو الغش في الامتحانات الذي أصبح يُنظَر إليه كحق بناءً على مسوغات وتبريرات وأسس لا تربوية ولا أخلاقية ولا قيمية، فإننا نقول كما قال مؤسس فلسفة الأخلاق في الحقبة الحديثة “كانط”: مثلما أن “الكذب يبقى كذبا في كل الأحوال مهما كانت مبرراته” فكذلك يمكن القول أن “الغش يبقى غش وسلوك لا مشروع بجميع المقاييس مهما كانت مسوغاته ومبرراته”، والذي جعل منه ظاهرة أقرب إلى السليمة والعادية “على الأقل في مجتمعنا المغربي” هو تخلي كل الفاعلين التربويين عن مسؤولياتهم وأدوارهم وواجباتهم ، وتمسكهم بمبررات وحجج واهية ومغلوطة، سواء كانوا مدرسين أو مدراء أو نواب أو مدراء أكاديميات أو مسؤولين في الوزارة أو أسر ومربين أو …، وأخص بالذكر الجهات المسؤولة بالدرجة الأولى “الوزارة الوصية على القطاع” أو الحكومة بشكل عام، لأن السمكة كما هو شائع في عرف المغاربة لا تفسد من ذيلها بل من رأسها، ومجرى الماء لا يُعكَّر إلا من منبعه.