شعوب تخشى الحرية

مراد العلالي

moradشعوب تخشى الحرية

      لقد انطفأت الشموع من ساحة المعركة، و أصبح من كان البارحة يتفوه بالمبادئ و يتكلم لغة الشعوب المقهورة مبدعا إن لم أقل فنانا في استخدام المفاهيم الجافةو الخالية من الواقعية على مستوى الممارسة في فضاء المجتمع البلوريطاري أو الكادح.

و كما لا يخفى على أحد فزماننا هذا قد قطع أشواط في رحلات التقدم من شعب إلى شعب و من قارة إلى قارة، فمنهم من عزم و تحلى بمبدأ المغامرة و أحرز تقدما إلى الأمام و هذا هو ذلك الأخر المتقدم، و هناك من لا يحسن الفراق كونه يشتاق إلى زمن العبودية الذي ما فتئ يطلق العنان لنفسه لاحتضانه، إنها الأنا العربية بشكل عام و المغربية بشكل خاص. فزمن الشعارات الرنانة قد انطفأت مصابيحه في بلدان عديدة شاركت و مارست فأسقطت المنديل الأسود عن شعوبها، لكن في المقابل هناك من أصيب جسده بالتخدير فنسي موعد القطار جهلا منه لأنه لا يستطيع العيش في نسيم الحرية كونها غريبة عن بيئته. فمن تربى على العبودية وسقط في حبها يستعصي عليه فقدانها كونها حبيبته الوفية. و بالتالي مهما سمع من شعارات ترفع في ساحة النصر إلا و مر من الجهة الخلفية للساحة حتى لا تصيبه شوائبها على حد فهمه، فالجسد المغربي جسد أصيب بالشلال التام أيام كانت الشعوب في الشوارع تنادي بمطالبها رافعة شعار “إما أن نكون أو لا نكون” شعار تحرر العقل من قيود العبودية الذي استمرت رائحته منذ أعلن فيلسوف الأنوار إيمانويل كانط في القرن الثامن عشر شعاره التحرري “أيها الانسان أجرؤ على استعمال عقلك بكل حرية”.

   لكن الطامة الكبرى التي أصابتنا كجنس بشري من فصيل العرب هو كون العقل عندنا معطل يحتاج إلى الكثير من العمليات الجراحية على المستوى الفيزيولوجي و السيكولوجي و السوسيوثقافي، كونه كما سبق القول أصيب بالتخدير منذ قبل بالاحتلال على أرضه، ليغيب عن وعيه وقت كان جيرانه قد نهضوا من النوم العميق الذي كان قد أصابهم، و لم يسمع صيحة البوعزيزي عندما قال انهضوا، و رُفعت المصابيح في سماء تونس الحرة مسقطة ظلمات السنين، لتقوم بثورة ضد العبودية و الطغيان و القهر و الحرمان، فاستطاع بذلك العقل التونسي أن يتحرر بعد أن تنسم رائحة التنوير فأغرم بها و فعل فعلته حتى لا تمر عليه الرحلة ويظل في المحطة ينتظر.

أنني بهذا القول أخاطبك يا أخي و أنت في عنفوان طفولتك لكنني أعلم بأنك تدرك حجم معاناتنا مع الأقلام الظالمة و بأن لغتنا أصبحت أسيرة كلمات كتب عليها الموت في الطريق بعدما تعبت نفوسنا من لغة الخوف التي وجدت مسكنها الأصلي هنا على هذه الأرض. و أنت يا أخي هناك اعلم بأنك ستصطدم يوما بحقيقة مرة، فلعبة الذئاب هي أحسن لعبة يتقنها أولئك الذين ينتظروا سفارة النهاية، فكيف لك يا أخي أن تصدق تلك الرحلة التي تجمع بين القط و الفأر، إنها لعبة خبيثة ما زلت لم تسمع عنها لكنني مضطر أن أقول لك ما هي: إنها السياسة يا أخي لا مجال للبراءة و الصداقة و الحب داخلها، إنها تنتج أولئك الذين يأكلون حقوق الشعوب و يستخدمون تلك الأقلام الرخيصة المأجورة (لمكيجة) صورهم و تزيينها أمام شعب يحيا في المدينة الجاهلة التي لا تنتج سوى الجهلة بطريقة ممنهجة من قبل ذلك الشيء الضخم المسمى بالوحش كما يطلق عليه العامة.
   للأسف الشديد يا أخي لقد أصبح ظلم القلم أقوى و ظلم أولئك من يعتقدون أنهم يمتلكون ما لا نمتلكه نحن أشدا عنفا و أقوى ظلما، فلقد جفت الأقلام التي تسخر للكتابة عن واقعنا الكادح في زمننا هذا و قلّ من يكتب عنا، فنحن هنا في عالم الذئاب عالم لا يتكلم سوى لغة الأنا، لغة تسأل فيها عن من أنت؟ و من هي عائلتك؟ و أصبحت الأقلام تترك أولئك الذين يستحقون أن نكتب عنهم، أولئك الذين ينامون في العراء يتغذون من بقايا البورجوازية الملقى به في المزبلة، أولئك الذين سهروا الليالي من أجل الحصول على الشواهد فألقي بهم في الشوارع… أولئك الذين يعيشون في البوادي منعزلين عن الحياة أقهرهم الفقر… أولئك الذين يشتغلون بالشركات البورجوازية أثنتا عشرة ساعة في اليوم مقابل أربعون درهما… أولئك الشباب الذين أصيبوا بالجنون نتيجة سياسة التماطل و الإجهاز على حقوق المواطنين العادلة و المشروعة… أولئك الذين سلبت منهم أدنى شروط الحياة فاختاروا الموت… أولئك الذين يقبعون بالسجون ظلما        و عدوانا، و غيرهم كثير….إلخ

ليبقى السؤال أي مصير ينتظرنا و ينتظر هؤلاء؟ و من نحن إذن؟ هل نحن بالفعل بشر أم مجرد علب فارغة؟ أليست روائح النسيم نشمها نحن و نبحث عنها نحن؟ فكذلك الأمر رائحة الحرية لا تأتي عن طيب خاطر من ذاتها بل تحتاج إلى من يطلبها و يبحث عنها، فإن كانت الشعوب تبحث و تصنع تاريخها و تترك صفحاته تحكي عنها، فالشعوب العربية دائما تحاول أن تخالف لتطبق مبدأ القول (خالف تعرف)، إلا أنه بالمعنى السلبي للكلمة فاختارت طمس تاريخها و عدم تسجيل الدخول إليه مخافة من كتابة تاريخها بيدها، تاركة القوى الامبريالية العالمية تحركها أينما تحركت مصالحها، جاعلة من حكامها مجرد لعب أطفال صغار يشتغلون آليا، ففي البارحة كانت للقوى الامبريالية الأمريكية المصلحة في العراق فدخلت العراق بدم بارد و أعلنت بأن صدام حسين مجرم فأخذ العرب قولها كما هو، لأن مكينة النقد غير متوفرة على الأراضي العربية التي أصابها وباء التهجين الغربي، فأعدم صدام يوم عيد الأضحى دون أن تتحرك الأصوات العربية في لحظة أصيبت كراسي حكام العرب بالتجمد، لتضاف إلى العقل العربي المتخلف الخائف من نفسه رسالة أخرى و ليست أخيرة. و بعدها ستقدم القوى الصهيونية على جرائم جديدة داخل الأراضي الفلسطينية تضاف إلى سلسلة الجرائم التي نفذتها داخل الأراضي الفلسطينية بمساعدة الخيانة العربية للقضية الفلسطينية منذ زمن عبد العزيز آل سعود مؤسس الدولة السعودية الثالثة المعروفة بمناصرة للوبي الصهيوني لتمكين إسرائيل من رقاب المسلمين بإعلانه التنازلي بيع فلسطين لليهود و تسليمه صكًّا لبريطانيا أنذاك, فالتاريخ لن ينسى ما قامت به هذه الأسرة في عام 1936 من إخماد الثورة الفلسطينية التي مهدت لنكبة 1948 عندما كانت فلسطين مستعمرة من طرف الإنجليز، فاستعصى عليه إيقاف الثورة فلجأ إلى صدور العرب الخائنة فكان عبد العزيز آل سعود خادما مطيعا للاستعمار الإنجليزي أنذاك، بالإضافة إلى الخيانة المصرية أيام أنور السادات، الأمر الذي كان كفيلا لهتك أرواح الفلسطينيين الأبرياء الذين تعرضوا لقصفين داخلي و خارجي و الذي كان من نتائجه فقدان العديد من القتلى و الجرحى، الشيء الذي جعل الكيان الصهيوني   يتجاوز مجموعة من البنود و العهود المتفق عليها دوليا في قبة الأمم المتحدة التي أصبحت تطبق بنودها و قوانينها على الدول الضعيفة تاركة القوي يفعل ما يشاء، ناهيك عن الاستلاب على خيرات الدول الضعيفة خصوصا الدول العربية التي استطاعت القوى الامبريالية أن تجعلها خاضعة لمبدأ التبعية و ذلك من خلال المعاهدات التي كانت تبرمها معها بعد خروجها من أراضيها و رفع جيشها، لتعلن الدول استقلالها إلا أن الحقيقة هي ورقة أخرى و الاستقلال مجرد ورقة نقدية ممنوحة للشعوب العربية التي مازالت خاضعة لها، ليبقى استقلالها مجرد استقلال شكلي على الورق، أما على الممارسة فمازال الاستعمار قائما تجدرا كما هو الحال في بلدنا هذا. بالإضافة إلى مجموعة من الممارسات الصهيونية في حق البشرية التي تقوم بها في العديد من بلدان العالم الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن هذه المنظمة المسماة بالأمم المتحدة، أليست مجرد مسرحية تستعين بها أمريكا و حلفائها للاستحواذ على خيرات العالم و البقاء في مركز القرار؟