ونطق القدر (الفصل الثاني)

سلمى الغزاوي

vvvvvvvvvvvvv

ونطق القدر (رواية)

الفصل الثاني

مضى شهر على الأمر، والدوار والغثيان لا ينفكان عن جسدي، عرفت أنه من الحالة النفسية لي، لذلك قصدت الصيدلية لشراء دواء مسكن، وشرحت لها الأعراض التي تتملكني، فقالت مبتسمة:

_ ربما تكونين حاملا يا سيدتي..

أحسست بأطرافي تتجمد تماما وأن عقلي قد توقف عن التفكير وهي تنطق كلمة “حامل” !

_ سيدتي هل تسمعينني؟

_ أنا؟ أجل، أجل أسمعك…

_ سأعطيك الجهاز التالي لتتأكدي بنفسك، إنه سهل الاستعمال، ورخيص الثمن.

ترددت في شرائه وكذا في تجربته، ولكنني أخيرا انصعت لرغبة الفضول الجامحة التي كادت تقتلني، لأقطع الشك باليقين. والنتيجة كانت أشد صدمة من الحادثة، التحليل ايجابي وأنا حامل بالضبط، وقريبا سيكبر بطني وسيعرف أبي والجميع، الكل سيدري بأنني حامل !! ماذا أفعل يا ربي؟لم يخطر في بالي غير أحمد، ولم تهمس لي حواسي إلا باسمه، فحملت الهاتف وهو يتراقص على كفي، وأخرجت رقمه بشق الأنفس، ضغطت زر الاتصال، فانطلقت دقات الانتظار، وكأنها دقات قلبي، وسمعت صوت أحمد وهو يحينيفقلت دون مقدمات:

_ أنا حامل يا أحمد !

لم أعد أسمع دقات قلبه، لقد توقفت. توسلت إليها أن تعود، فهو أملي الوحيد !

لبت تلك الرغبة الصامتة، وعادت لتجعله ينطق:

_ لا بد وأن نجد حلا، فما تعدو شهور حتى يكبر بطنك، وينكشف الأمر.

_ أي حل تتكلم عنه؟ لقد ضعت، وضاعت نفسي داخل سراديب المستقبل المرعب، لم أعد أستحمل، لعلني إن وضعت حدا لحياتي أرتاح، وأريح معي هذا الذي في بطني، الذي ليس له ذنب سوى أنه أتى نتيجة لخطيئة.

_ إياك يا سمر ! لا تدعي عمى القلب يغويك، سنجد حلا ما ثقي بي، أرجوك تمالكي نفسك، وتصرفي وكأن حياتك عادية.

_ عشت حياتي كلها وأنا أصطنع الابتسامة، كذبت على نفسي طويلا، حتى لا أبدو ضعيفة، حتى انهارت أسواري من الداخل، وصرت كمن أقام أسسه على جرف هار، ولا أرى إلا أن هذا الجرف سينهار، لأنني مللت اصطناع الآمال الكاذبة.

_ ولكن ابتسامتك كانت تخترق أعماق القلوب، وليس لابتسامة هذا التأثير إلا إن كانت نابعة من القلب.

_ علها ابتسامة سخرية، خلتها ابتسامة فرح !

_ أتعلمين يا سمر؟ نحن إخوة أليس كذلك؟

_ بلى يا أحمد، أنت أخي و أبي وكل عائلتي.

_ إن حل المشكلة أمر من المشكلة ذاتها.

_ ما المعنى؟

_ علينا أن نجعل حملك يبدو وكأنه نتاج لزواج رسمي. هكذا نستر الأمر، فهل فهمت القصد؟

_ وهل تجرؤ على أن تقول أنه علينا…

_ إنه الحل الوحيد، فقط أمام الناس على الأقل، لكنك ستظلين أختا لي.

_ أشعر وكأن نار الهموم تزداد لهيبا واشتعالا، حتى أنني صرت أتحسس برودتها !

_ فكري مليا وتأملي ثم اتخذي القرار عن شرط، ألا تحمليني مسؤولية قرارك مهما كان اختيارك.

_ وهل بقي لعقلي مجال للتفكير؟ تعال اخطبني، ولننه الأمر بسرعة، فالحمل صار في شهره الأول.

سرعان ما أتى وخالتي يطلبان يدي للزواج، الأمر الذي استغرب له الجميع، حتى نسرين، أبي الذي لم يصدق أنني سأرحل عنه أخيرا، كاد يدفعني إليهم دون عرس، لولا أن خالتي أصرت على إقامته.

أخيرا تزوجنا ! ولم نكن قد تزوجنا. يا لسخرية القدر، التي جعلتني أتزوج أخا لي ! أمر لم يكن في الحسبان، ولا خطر على قلبي ولا على البال   !

دخلت إلى شقته للمرة الأولى، التي كان يملكها في المدينة، يأوي إليها بعد أن يعود من عمله، كموظف هناك. دخلت وأنا خائفة، قلقة، حائرة، ضائعة مني الكلمات والأفكار.

_ تفضلي من هنا يا سمر! هذه غرفتك، لقد جهزتها لتتلاءم مع ذوقك، وغرفتي تلك التي هناك، لا تقلقي أبدا، كوني مرتاحة، وتصرفي على طبيعتك، فأنا لا أعود من العمل إلا في المساء.

_ حسنا شكرا لك، هل تأذن لي بالدخول إلى غرفتي؟ أود أن أرتاح.

_ بالطبع، البيت بيتك، تصرفي كما يحلوا لك.

استلقيت على السرير، وانطلقت أساريري بغزارة، تبكي دموعي الحال الذي آلت إليه.دق أحمد الباب بعد مدة وجيزة، واستأذنني في الدخول، مسحت دموعي بسرعة وأذنت له، فجلس على كرسي بالقرب من السرير ثم قال:

_ كيف حالك الآن؟

_ بخير والحمد لله.

_ عيناك تقولان عكس لسانك، فمن أصدق؟ أعلم أن الأمر ليس هينا عليك، ولكن هذا كان الحل الوحيد.

_ الحياة لا ترحم ! كلما تأملت وضعنا الذي وصلنا إليه، لا أستطيع كبت الدموع.. هي المُسكِن الوحيد الذي يخفف عني قسوة وآلام التفكير وكل ما يجول في خاطري الآن هو: “إلى متى سنستمر في هذا الزواج المزيف؟ إلى الأبد؟ ألن أعيش حياتي وأعود كما كنت؟”

_ طبعا لن يطول الأمر كثيرا، بعد أن تضع حملك بشهور، سيذهب كل منا إلى حال سبيله.

مضى على الزواج ستة أشهر، وحملي صار في شهره السابع وكبر بطني إلى أن صار إلى فمي، الحمل صار يقلقني، فبطني قد كبر بشكل كبير وغير عادي.. علمت كل العائلة بالأمر، وكان الجميع مسرورا.لكن خالتي لاحظت حجم الحمل، فنصحتني بالكشف عند الطبيب. هكذا رافقني أحمد ، بعد أن طلب إجازة ليوم واحد في العمل، دخلنا إلى العيادة، وجلست في غرفة الانتظار فجلس بقربي. بعد مدة من هدوئنا، نظر إلى بطني وقال:

_هل تحبينه ذكرا أم أنثى؟

ابتسمت بابتسامة هادئة، دافئة:

_ أفضلها أنثى. فملابسهن وهن صغار جميلة جدا، وربطات الشعر التي سأضعها على شعرها حين أمشطه لها ستبدو مذهلة !

نظر إلي أحمد بنظرات ملؤها الاستغراب فعرفت ذلك منه .

_رغم كل شيء أظل أما، ولابد أن أحب ابني وأمنحه كل الحنان، أنا لست كمن يُحملون غيرهم أخطاء لا ذنب لهم فيها.

أحمد، هلا أحضرت لي كأس ماء من فضلك.؟

_ سمعا وطاعة، في الحال.

كانت تجلس أمامي سيدة، هي أيضا أتت لتكشف عند الطبيب فتأملتني ثم تأملت بطني المنتفخ وتنهدت بعمق:

_ أنت محظوظة، فزوجك لطيف حقا !

حان دوري، ودخلت إلى غرفة الفحص، سمح الطبيب لأحمد بالدخول معي ظنا منه أنه أب الجنين، بعد أن استلقيت وشغل الجهاز وكشف علي، قال مستبشرا:

_ كما توقعت تماما… إن حجم بطنك راجع إلى حملك بتوأمتين!

_ يا ويلي !! توأمتان؟ ما هاته المصيبة؟!

_ ما الأمر يا سيدتي؟ هل هناك خطب ما؟

_ لا، لا،…لا شيء، سنغادر الآن شكرا لك يا دكتور.

_ هذا واجبي.

سرت متكئة على كتف أحمد وأنا يكاد يغمى علي مما سمعت من الطبيب، يا إلهي ! هذا ما كان ينقصني، طفلتان ؟ ما الذي سأفعله بهما؟ ألم تكن تكفيني واحدة؟

_ هوني عليك يا عزيزتي ! ستجدين حلا .

طفلتان يا رب ! كيف سأعتني بهما بعد أن نفترق أنا وأحمد؟ وما الذي سأقول لهما عندما تسألانني عن والدهما؟ مستحيل أن أقول لهما أنه أخي أحمد؟ فما العمل؟

صرت أعد بعد ذلك الدقائق والثواني، في انتظار الشهر التاسع، موعد خروج الطفلتين إلى عالمهما الجميل أو القبيح ؟ لا أدري ! وكان الزمن وكأنه يتحامل ضدي فلم أشعر إلا وأنا في الموعد تماما، صرت بعد ذلك لا أستطيع الحراك، فقط مستلقية على السرير، وأحمد لم يقصر أبدا في خدمتي . وذات يوم أحضر لي الأكل فطلبت منه الجلوس:

_ أشعر وكأنني بحاجة لأتكلم مع شخص ما .

_ تفضلي فكلي آذان صاغية.

_ عندما أنظر إلى نفسي أتخيل أمي – رحمها الله – يوم كنت أستعد للخروج إلى الدنيا، وآلام المخاض التي كانت تسلب منها روحها بالتدريج، وأتذكر – كما أخبرتني أمك – حين ناداها أبي لتقوم مقام “القابلة” وهو متحمس، يكاد يرفرف في انتظار الولد الذي سيحمل اسمه من بعده، وحين منحتني أمي حياتها ورحلت، أمسكتني خالتي وهي تبكي، ثم أخبرت والدي بأن زوجته توفيت، فما كان منه إلا أن أجابها بأنها مادامت قد أنجبت له الولد فلا بأس يرحمها الله.. لكنها أخبرته أن المولود أنا ولست هو.. فلم يتكبد حتى عناء النظر إلي، قائلا:” خذها من أمامي، كنت أنتظر من يرفع رأسي عاليا ولكن… فأخذتني أمك وربتني في الصغر بينكم، إلى أن صار في العمر عشر سنين، ليتذكر أبي –أخيرا- أن له ابنة، وعدت لأرى أبا باردا وزوجة أب قاسية. أتدري؟ لقد كان أبي على حق، لو كنت ولدا لما حدث ما حدث، أما الآن فقد مرغت أنفه وأنف العائلة كلها في التراب، وذنبي فقط هو أنني فتاة.

_ لا عليك، يا عزيزتي، اجترار الماضي لن يفيد في شيء.

_ أحمد،…أحمد…

_ ما بك؟ أنا بجانبك.

_ أحس بآلام شديدة، أظنها آلام الولادة…

_ حسنا أمسكي يدي، سنذهب إلى المستشفى بالسيارة.

_ ولكن…الألم فظيع !!

_ قاومي قليلا هيا !

لا أدري كيف تحملت كل تلك الآلام؟، ولا كيف وصلنا إلى المستشفى؟ إلى أن سلموني طفلتاي !حملتهما بيدي، نظرت إليهما طويلا فبكيت، إنهما جميلتان، لا تستحقان أن تكونا نتاجا لأبشع جريمة ارتكبتها الإنسانية يوما، لقد أشفقت عليهما !

تقدم أحمد نحوي، وفي عينيه دفء وحنان من فقدتهم، أطل على وجه طفلتي فمد يديه :

_دعيني أحمل عنك واحدة. ما شاء الله ! ما أجملهما !هل فكرت في إسمين لهما؟

_ في الحقيقة ليس بعد….يمكنك مساعدتي في اختيارهما.

_ بما أنهما توأمتان، فعلى الإسمين أن يكونا متقاربين ،أعتقد أنني وجدت اسمين يتناسبان مع جمالهما وسنهما ما رأيك في “شمس” و “قمر”؟

_ اسمان رائعان ! ينمان عن حسن باهر، وعظمة وجلال، وفضل كبير.

وإكراما لكل ما قام به أحمد من أجلي، أسميت ابنتاي بالاسمين اللذين اختارهما. ولعل هما الشيء الوحيد الذي أنساني الهموم وأعاد إلي البسمة لفترة من الزمن، إلى أن استيقظت ذلك اليوم على أفكار مخيفة، فابنتاي ستكبران، وحتى إن حدث طلاق بيني وبين أحمد، فالكل سيخبرهما بأن أباهما هو أحمد، ولن أتحمل أن تنادي ابنتاي أخا لي بـ”أبي”، لذلك فالحل الوحيد هو الرحيل عن هذه المدينة، إلى الأبد، علي الهروب إلى مكان لا يعرفني فيه أحد، لا بد من ذلك .

قررت الرحيل و أخبرت أحمد بقراري، فبدا وكأنه غير مصدق:

_ أليس مبكرا على ذلك؟

_ لا، بل هو الوقت المناسب تماما.

_ دعيني أساعدك. سأقلك في سيارتي إلى حيث تريدين، وأتدبر لك أمر السكن، وحين أطمئن أنك ستكونين بخير، عندئذ أعود.

_ ولكنك ستشقى معي!

_ لا أريد سماع ذلك منك مرة أخرى. لا تحتاجين لأن أقول لك بأن تعبك راحة يا سمر !

_ لا أدري من دونك ما الذي كنت سأفعله؟

_ حسنا، فلنذهب ! إلى أين وجهتك؟

_ إلى أبعد مدينة من هنا.

_ عرفت المكان المناسب لك، هيا احزمي الأمتعة، واحملي الطفلتين.

ركبت معه، بعد أن أخذت كل ما أحتاج إليه، ورحلت دون أن أودع أحدا، فما فائدة الوداع إن كان لا فرق عند أبي بين مكوثي أو رحيلي؟ مباشرة بعد الوصول إلى مدينتي المعينة، أجرى أحمد بعد الاتصالات، فكانت شقتنا التي سنسكنها جاهزة بأثاثها. لم أتوقع أنه مع أحمد سيكون كل شيء بهذه السهولة، كان وكأنه يحمل عصى سحرية في يده.خطوت الخطوة الأولى إلى الشقة الجديدة، وأنا أحمل شمس وقمر بين يدي، تبعني أحمد حاملا حقيبة ملابسي وبعض أغراضي. وضعت الطفلتان بعد أن نامتا على السرير، ثم خرجت إلى غرفة الجلوس وجلست أمام أحمد وفي عيني ألف كلمة شكر وامتنان له، لقد صار كل شيء كما تمنيت أن يكون !القضية ليست قضية واجب أو أخوة؟ فكم من إخوة تخلو عن إخوانهم في أوقات الشدة؟ ولكن أحمد رجل . هو ذاك الإنسان الذي لا يوجد منه الكثير في هذا العالم ! هو عملة نادرة !

التفت إلي وهو مستغرب:

_ في ما أنت شاردة ؟

_ لا، لا شيء إطلاقا، أتأمل المكان، فقد أعجبني حقا !

_ حسنا، الآن بعد أن اطمأننت عليك علي الذهاب. فأمامي أعمال شتى كما تعلمين عزيزتي.

_ حسنا ولكن لا تنسنا ! عد إلينا قريبا.

_ سآتي كل أسبوع لزيارتك وسأحضر معي ورقة الطلاق لتعودي حرة من جديد.

_ وما الذي ستقوله للعائلة حين يسألونك عني؟

_ كنا في سفر، فحدث سوء تفاهم بيننا، طلقتها، فحملت الطفلتين ورحلت، حاولت البحث عنها دون جدوى. ما رأيك؟

_ إن كنت في حاجة مرسلا، فأرسل حكيما ولا توصه.

_ إلى اللقاء الآن، أراك الأسبوع القادم إن شاء الله، واعتن بنفسك وبشمس وقمر.

_ طبعا، واعتن كذلك بنفسك. إلى اللقاء.

تعليقات