بوتين يهدد أمريكا استراتيجيا ويحول الصراع إلى حديقتها الخلفية

سامي السلامي

sami

بوتين يهدد أمريكا استراتيجيا ويحول الصراع إلى حديقتها الخلفية

 

العالم المعاصر معقد وديناميكي، وهذا واقع موضوعي، وجميع المحاولات لبناء أنموذج للعلاقات الدولية، تتخذ فيه القرارات في إطار “قطب واحد” غير فعالة… هي كلمات طالما رددها دب الكرملين “فلادمير بوتين” خلال السنوات الأخيرة، في تعبير صريح عن معارضة بلاده لسياسة الهيمنة الأمريكية و محاولة فرض نموذج التنمية الغربي على كافة الشعوب.
روسيا اليوم تختلف تماما عما كانت عليه أيام “بوريس ييلتسين” و عن الاتحاد السوفيتي في عهد “غورباتشوف”، سواء من ناحية الآليات و الميكانزمات أو الأهداف المسطرة. إنه زمن “بوتين”، “لافروف”، “تشوركين” و “باتروشيف”، هذه العينة من الشخصيات الكاريزمية المتشبعة بالنزعة السوفيتية الإمبراطورية، لا ترى لروسيا مكانا غير الريادة، و هو ما ترجم بالفعل في العديد من القضايا الدولية (سوريا، إيران، أوكرانيا).
و عليه، شهد هذا الأسبوع ديناميكية نوعية في توجهات السياسة الخارجية الروسية، ترجمتها زيارة الرئيس الروسي “فلادمير بوتين” لكل من كوبا و نيكاراجوا يوم الجمعة 11 يوليوز، و الأرجنتين يوم السبت 12 يوليوز، فالبرازيل يوم الأحد 13 يوليوز، و مشاركته على مدى يومين (15، 16 يوليوز 2014) في إجتماعات قمة دول “بريكس” في فورتاليزا و بريزيليا.
و اعتبارا منا أن الاهتمام بالسياسة الدولية يقتضي متابعة كل الأحداث و القضايا الدولية، مع رصد تحركات القوى العظمى على الساحة الدولية و محاولة تحليلها، فإنه يمكن إجمال الزيارات التي قام بها “بوتين” في الأبعاد الخمس التالية:
 
ـ من الناحية السياسية:
 
لا تخلو الزيارات من دلالات سياسية هامة، فموسكو تسعى جادة مع حلفائها في “بريكس” و باقي الشركاء اللاتينيين إلى تكريس الولاء لمبادئ تعدد الأطراف في القضايا الدولية ـ و من هنا جاء دعم روسيا لأحقية البرازيل لشغل كرسي دائم بمجلس الأمن ـ فيرى “بوتين” أن النظام الدولي المتعدد الأقطاب القائم في التشكل لا يسمح بقيام دولة معينة أو مجموعة من الدول بالتفرد في حل القضايا الدولية.. و أن فرض هذا النهج يقود للفوضى و زعزعة الاستقرار في الشؤون الدولية.
و عليه تسعى روسيا إلى تثبيت تحالفاتها مع دول “بريكس” قصد دعمها في مجابهة العقوبات الغربية على اعتبار أن الترابط بين الفاعلين الدوليين هو الحل لمجابهة المخاطر (الأمريكية ـ الغربية ).
 
ـ من الناحية الإستراتيجية:  
 
يعتبر التعاون مع دول أمريكا اللاتينية أحد أهم المسارات المحورية في السياسة الخارجية الروسية، وعليه يمكن اعتبار زيارة “بوتين” لكل من كوبا، نيكارجوا و الأرجنتين ذات دلالات رمزية، كما يمكن إدراجها في خانة الدبلوماسية الهجومية الرامية للإحاطة بالولايات المتحدة الأمريكية، و ذلك عن طريق استعادة تحالفات العهد السوفيتي، و من ثم ترجمة تلك التحالفات في إطار اتفاقيات تعاون تهم شتى المجالات.
و عليه و قعت شركة الإنشاءات البرازيلية  “كامارغو كوريا” مع شركة “روس أطوم أوفرسيز” الذراع الخارجي لمؤسسة الطاقة الذرية “روس أطوم” وثيقة تعاون في مجال بناء و تشييد منشئات للطاقة النووية في البرازيل.
و ما تنازل روسيا لكوبا عن 90% من ديونها المستحقة من العهد السوفيتي و المقدرة بـ 35 مليار دولار، مع تصريح بوتين أن موسكو ستساعد هافانا في تجاوز الحصار الاقتصادي اللامشروع المفروض عليها من قبل الولايات المتحدة، إلا رسالة موجهة لواشنطن مفادها أن “من أراد وضع الدرع الصاروخي للناتو في خاصرة روسيا، سيتم الإحاطة به في حديقته الخلفية”.
 
ـ من الناحية الأمنية: 
 
تعتبر موسكو أن وقائع التجسس الأمريكي على حلفائها تعديا صارخا على سيادة الدول، و نفاقا صريحا في العلاقات بين الحلفاء و الشركاء الغربيين، و أن الحل الوحيد هو ابتكار نظام للإجراءات الرامية لتوفير الأمن الدولي.
و عليه، و في إطار توسيع خياراتها الإستراتيجية لمجابهة الولايات المتحدة، اتفقت روسيا و كوبا على استئناف عمل مركز مراقبة الاتصالات الروسي في بلدة “لوردس” في ضواحي “هافانا” و الذي توقف العمل به سنة 2001 تحت ضغوطات أمريكية، مما سيمكنها من مراقبة الاتصالات الهاتفية في كافة الولايات المتحدة الأمريكية.
و لا ننسى هنا التنسيق الأمني بين دول “بريكس” في مجال محاربة الاتجار بالمخدرات و الجريمة المنظمة العابرة للقارات، و كذا سعيها للاستخدام المشترك لمنظومة “غلوناس” الروسية للملاحة، و ما هو إلا منطلق لتعاون أمني وثيق في شتى المجالات، ما يدفع واشنطن لتحسب ألف حساب لهذا التعاون.
 
ـ من الناحية الاقتصادية: 
 
تسعى روسيا إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع دول أمريكا اللاتينية و خاصة الجوانب الاستثمارية منها، و ذلك عن طريق بناء تحالف في المجالات التكنولوجية و الإنتاجية و التصميمية، و التعاون في مجالات مثل النفط و الطاقة النووية، مع تشجيع الاقتصاديات التكاملية و العمل المشترك معها.
هذا و تعمل على الرفع من حجم التبادلات التجارية، التي بلغت سنة 2013 ما مقداره 5,5 مليار دولار مع البرازيل و 1,8 مليار دولار مع الأرجنتين، مع الرفع من استثماراتها في كل من كوبا و نيكاراجوا، على اعتبار أن حجم التبادل التجاري و الاستثمارات لم تبلغ بعد المستوى العالي الذي بلغته العلاقات السياسية و الدبلوماسية مع هذه البلدان.  
و يبقى أهم المكاسب الاقتصادية هو مصادقة قادة مجموعة “بريكس” على اتفاقية إنشاء صندوق احتياطات نقدية لدول “بريكس” و اتفاقية تأسيس بنك التنمية الجديد للمجموعة برأسمال إجمالي 200 مليار دولار، و ذلك كقاعدة لتنسيق سياسة الاقتصاد الكلي، و لعب دول المجموعة دورا هاما و حاسما في الاقتصاد العالمي للرد المشترك على التحديات المتمثلة أساسا في سياسة العقوبات الاقتصادية الأمريكية تجاه معارضي توجهاتها على الصعيد الدولي.
 
ـ من الناحية الإعلامية: 
 
تعمل دول “بريكس” على تشكيل سياسة إعلامية مشتركة على الساحة الدولية لدعم نشاطات المجموعة، و لعل قيام روسيا ببدء بث قناتها “آر تي” الناطقة بالاسبانية من الأرجنتين الساعية للانضمام لهذه المجموعة، أولى مراحل مجابهة الآلة الإعلامية الدعائية الغربية.
 
يبدو أن ديناميكية “بوتين” لم ترق للرئيس الأمريكي “باراك أوباما” ما حدا به للخروج يوم الثلاثاء 15 يوليوز الجاري بأوامر لدول الاتحاد الأوروبي لاتخاذ إجراءات صارمة ضد روسيا، مشيرا إلى أن البيت الأبيض على أتم الاستعداد لفرض عقوبات أحادية تضعف الاقتصاد الروسي و قطاعها الدفاعي في حال تخلف الشركاء الغربيين.
الرد الروسي جاء سريعا على لسان وزير الخارجية “سيرجي لافروف” الذي أكد في نفس اليوم من “فورتاليزا” أنه لشيء مؤسف أن يقف رئيس دولة هذا الموقف من القضايا الدولية.

العالم يتغير و على الإدارة الأمريكية أن تدرك جيدا هامش التحرك المتاح لها، فزمن الأحادية القطبية والهيمنة الأمريكية قد ولى، و تعدد الأطراف في القضايا الدولية أصبح لزاما و لا مفر منه.

المصدر

www.samisoullami.com