واقع مرير وتعنت أمّر

يوسف بخوتة

bn (2)

واقع مرير وتعنث أمّر

   كإبرة في كومة قش تتيه وأنت تبحث عنها كي تخيط قماش تستر به عورة بلدنا، هو هذا الباحث عن السبب في تدهور أوضاع البلاد والعباد.

   في بلدتي التي تتاخم في الجبال هناك في مقدمة الريف والمنسية في الجغرافيا والتاريخ، يئن المواطن من الجور والظلم والحيف والتهميش من جميع النواحي، يكان يصاب بالدوار وهو يجمع شتات الماضي المشرق لها، حيث كان كما العباد يمتلك مؤسسات وخدمات ويفتخر بالبلاد، لكن في السنين الأخيرة أصبح يكابر من أجل العيش، ويطلب الله عز وجل ليل نهار ألا تضربه شوكة وتلدغه عقرب، أما إذا قدر الله وتدحرج من أعلى جبل، فهنا يكون قد وصى زوجته بأن تعتني الأولاد، فهو يعلم علم اليقين بأن نجاته من سابع المستحيلات في ظل الخدمات الصحية التي يتلاقاها هو وأقرانه من أبناء البلدة.

في السابق كان له مستوصف يستقبل الناس من كل تخوم الجبال المجاورة، كان مركزه طهر السوق القلب النابض للمنطقة، ومركزها الإداري والاقتصادي، مستوصف يمتلك من الإمكانيات القليل لكن بعمل أكثر، كان إذا وصل المستوصف يعرف بأنه سيأخذ مكانه مع الداخلين، ويخرج وقد غرز له الممرض إبرة في فخذه الأيمن أو أعطتها الدكتورة أقراص لتهدئة الحريق، مستوصف بطبيبين وأكثر من 20 ممرض وقائم، هذا المستوصف الذي تركت بناية فرنسا من أيام الاستعمار، حيث كان للممرضين درجات نارية يجوبون بها الدواوير ويعطون الناس ما استطاعوا من أقراص ومرهمات للعينين وتقطيرات للأذن، المهم يقومون بواجهم المهني، مستوصف كان بقاعة للتوليد والمداومة الليلية والأسبوعية، كان حقا يقوم بواجبه كما يجب رغم ضعف الامكانيات، هذا في مستوصف طهر السوق، وكان مستوصف تابع له أيضا وهو مستوصف واد القصبة الذي كان يرابط به 5 ممرضين يخدمون المواطنين في المركز والجبال.

لكن الآن – وأسفاه- وفي زمن قيل عنه العهد الجديد، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وحقوق الإنسان، والحق في الوصول إلى الخدمات العامة، يرى المواطن المرنيسي بأن الأمر أصبح مرّا جدا، فبعد أن راجعت الدولة سياستها في الصحة واعتمادها التمركز، غدا الأمر صعبا للغاية، حيث عمدت هذه الدولة إلى تكريز الخدمات الصحية في مستشفى إقليمي (مستشفى تاونات) مع جعل لكل جماعة مركز صحي، هذا الإجراء صاحبه نقص مهول في الأطر الطبية، فمركز طهر السوق الذي كان يحتوي مستوصفا هدّم وبني مكانه مركزا صحيا، لكن بخدمات أقل، حيت تقلص عدد القيمين والأطر الطبية إلى الثلث، فمن طبيبين و22 ممرض وقيم، أصبح الآن طبيب و5 ممرضين، في كثافة سكانية مرتفعة جدا حيث، لازال هو ملاذ أربع جماعات محلية رغم أنها تتوفر على مراكزها الصحية، مما يعطي تدني الخدمات الصحية، ناهيك عن تعنت القيمين به وسائقي سيارتي الإسعاف – التي بالمناسبة يتوفر على واحدة مهترئة جدا، وواحدة قدمت للمركز في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تعمل حسب أهواء الرئيس- وقد عرف المواطن المرنيسي من الإهانة والحيف داخل هذا المركز ما لم يعرفه في مكان آخر، حيت يصل إلى باب المركز الصحي زاحفا ويضل هناك يئن من شدة المرض والحكرة، ويلعن قدره الذي ولد قسرا بمرنيسة التي يتحكم فيها العفاريت وأصحاب العفاريت.

غدا المواطن المرنيسي يحن إلى الماضي الجميل لبلدته حيث كان بمقدوره أن يأخذ مكانه داخل مستوصفه ويقدم له الممرضون خدماتهم الطبية دون تقصير وإهمال، أما الآن يدعوا الله ليل نهار كي لا يصاب بأذى كي لا يستعطف قلوبا كانت بالأمس قلوب رحيمة وأياد بيضاء.