هذا هو شرقكم فاسمعوني‏

محمد المكاري

   nnnnn

  

هذا هو شرقكم فاسمعوني‏

في شرقنا حيث ما وليت وجهك تحسرت وتألمت، أطفال أبرياء يذبحون وشيوخ كهول يئنون، ونساء ثكالى ينتحبون وشباب أرعن يتقاتلون، هكذا هي الحياة عندنا وهذه هي مشاهدها اليومية، حروب تدور رحاها في كل مكان لها في الأذن طنين، دماء زكية تسفك في كل وقت وحين، ودمار شامل ومجازر يندى لها الجبين.
   لقد صار الشرقي أكثر ضراوة من ذئاب سبيريا، ولم يعد يشتهى سوى سفك الدم، ورؤيته مراقا على الأرض أو ملطخا على الجدران، أو متخثرا تحت أشعة الشمس. ولم يعد يستهوي غير قتل أخيه ومحاصرته وتشريده وتكفريه واختلاق الذرائع المختلفة للفتك به.
   فكيف لنا والحال هاته وأمام ظلم الأخ واستئساد الجار وقهر العسكر أن نعيش حياة عادية؟ وأن نتقدم إلى الأمام؟ بل نحن في الواقع أمام عقدة هذا الاجترار السوداوي نتراجع خطوات إلى الوراء. وكيف لنا أن نعيش حياة كريمة في هذا الشرق الممزق الذي يوجد فيه قتلة أخطر من شمشون وأكثر همجية من هولاكو؟ لا تحكمهم شرائع جديدة أو قديمة، والذين لو أنهم وجدوا سبيلا إلى الهواء لكانوا قطعوه عنا أو لو أنهم بلغوا إلى الشمس لكانوا حجبوا نورها عنا.
   إن مشاعر الفردانية والعدوانية والتسلط طغت في هذا الشرق ولم يعد صدر الشرقي متسعا حتى للهواء الذي يتنفسه، ولقد ضاقت الأرض بما رحبت على كثير من خلق الله في هذا الشرق، وأصبح الموت غرقا في البحر أهون على المخلوقات من احتمال كل هذا الرعب.
   وتستمر الحياة حزينة في هذا الشرق، دأبنا فيها مجانبة الصراط المستقيم إلى أن نتراجع عن غينا ونغسل قلوبنا ونغير أنفسنا ونتقبل بعضنا  البعض، وإلا فإن أعاصير النار ستجتاح هذا الشرق وستذره رماد وسيكون البديل هو الفناء.