كم من الدموع تكفي لإعادة رسم صورتك؟

يوسف بخوتة

1044865_686040554811149_1635001609881329215_n

كم من الدموع تكفي لإعادة رسم صورتك؟

   ما إن خرج الطلبة في اتجاه منازلهم بعد انتهاء الموسم الجامعي وعطلة عيد الفطر، حتى شرعت آلات الهدم في محو أعرق حي جامعي بالمغرب وهو – وأسفاه – الحي الجامعي ظهر المهراز للذكور، فمنذ أن صرح الوزير الداودي السنة الماضية بأن هذا الحي الجامعي سيغلق في وجه الطلبة، مع وجوب تقنين الولوج إلى الأحياء الجامعية ومتدّرعا في هذا في كون هذا الحي لا يصلح لإيواء الطلبة ومهدد بالسقوط في أية لحظة، وقد صاحب هذا الإغلاق السنة الماضية موجة غضب واحتجاجات من طرف الطلبة، فكان أكبر شكل احتجاجي جسدوه ضد هذ هذا القرار، هو مخيم المهمشين الذي نصبوه في كلية العلوم، وكان يبت فيه الطلبة طيلة فترات البرد والمطر، وقد صاحب هذا الشكل تدخلات من القوات النظامية لفضه بالقوة بعدما اشتكت إدارة الكلة، وطلبت تدخل عاجل لفض الاعتصام، فأصابت من أصابت واعتقلت من اعتقلت، ولم يقف الطلبة عند هذا الحد، بل نقلوا مخيمهم إلى الساحة الجامعية، مما اضطر بالقوات العمومية بالتدخل مرة أخرى مخلفة ورائها العديد من الجرحى والمصابين والمعتقلين، وكل هذا في سبيل الحق في المبيت وحرصا على عدم المساس بهذه المعلمة التاريخية بفاس.

   لكن بخروج آخر طالب من الساحة الجامعية حتى عمرت مكانه الأليات الضخمة المخصصة للهدم والردم، وبذلك تكون الدولة قد نفذت حكم الإعدام في حي لا ذنب له، سوى أنه آوى الطلاب من كل الفصائل، وبالتالي ستنتهي من أكبر تجمع للطلبة، ومجمع قراراتهم، والتي تصب أساسا في التناطح مع الدولة، إذن كان الهدم وتفريق الطلبة على أحياء متفرقة بفاس، كالحي الجامعي سايس ذكور، وكذا الحي الجامعي سايس إناث بعدما سيرحلن إلى الحي الجامعي الذي شيد حديثا.

   لم يبقى لنا اذن ونحن نرى طبقاته الأربع تتهاوى يوما بعد يوما أمام الآلـة الشرسة سوى أن نكون انهزامين نبكوي على حي جمع بيننا يوما، جمع من الطلبة كل الفصائل، ومن المثقفين كل الاتجاهات، ومن المناضلين من كل الأفكار، نبكي على حي كان دفتر ذكرياتنا، كان يحن علينا من القر والحر، فكم كنا نحشر فيه سباعا وثمانا داخل الغرفة الواحدة، هي في الأصل مخصصة لطالبين اثنين، وكم كان كريما معنا، ونحن نشتري درهما من السكر و50 سنتيم من الشاي لتحضير وجب الفطور، كم كان يحضننا في أيام البرد ويدفئ أجسادنا البعيدة عن دفئ الأهل وحضن العائلة، وكم احتضن من نقاشاتنا الجادة والتافهة، وكم سهر معنا إلى الصباح في حلقية أو محاكمة خارج عن أعراف الجامعة، وكم دون من حكايات حزينة أيام التدخل الهمجي لقوات حفظ النظام، وكم بكي هو الآخر وهو يرى من احتضنهم يرمون من نوافذه إلى الخارج.

   لم يبقى لنا أيها الكريم إلا أن نرثيك بدمعة أو دمعتين، حين سكت عنك كل من مرّوا بك وأحسنت إليهم فهم لم يحركوا ساكنا اتجاه ما تمر به الآن، وأنت في مقصلة الدولة تنّفذ فيك حكم الإعدام، رغم أن من مرّوا بك هم في مراكز القرار وممكن بكبسة زر أو مكالمة واحدة أن يوقفوا الحكم، لكن بما أن لا أحد نقط، وجدت الدولة في عملها هذا درع قانوني لتجهز عليك، وتحرم البؤساء من دفئك وحضنك وإطلالتك الشامخة علينا كل يوم.

   لم يبقى لنا أيها الموؤد سوى أن نقول لك وداعا، وكنت خير محتضن لأبناء الفقراء، وكنت أنت الدولة ولا دولة غيرك، لكن كم من الدموع تكفي لإعادة رسم صورتك؟