الأرض التي أغني فيها أناشيد الله (7)

جواد الكبيبة

 

حرف الربيع..

كخروج الشيطان من بيت رجل غير مؤمن، هكذا حدث الربيع العربي بغرابة.. صوت الشوارع ارتفع في السماء، طبعته أزمة تشبه الفيضان، وبمجرد وقوع الأزمة ظهر الاندهاش والتردد، لكن صوت الشارع زاد من حدته وانتشر هنا وهناك، وفي ظل هذا الاندهاش والتردد ظهر البطل..  الرجل العادي الذي يواجه الظلام في واضحة النهار، ورغم هذا الظلام أصر البطل وكشف عن مقاومة لا تقاوم، وبذلك تجاوز الصمت تاركا وراءه غليان اجتماعي ليصنع نظاما أحبه وحرم منه.. حتى أصبح فعله هذا شيطانيا في نظر عدوه الذي حرمه من نسيم حريته.. ولذويه فعليا بطوليا يستحق الإجلال والإكرام، تلك هي ساحة التناقض وفوضى الحياة، لكن بدون الفوضى لا يظهر النظام ولا تعاد كتابة التاريخ.

هكذا في بحثي المضني عن الحروف المبتورة اكتشفت لأول مرة من أن حرمت من موطني الأصلي أن فوضى الربيع بطلها من الهامش الذي عاش وظل كذلك لفترة طويلة، ورغم وعورة الهامش وتحالف المركز استطاع أن يفعل ما فعلته الأرض بالشمس وبالتالي قلب الناموس الكوني وجعل من المتكالبين عليه داعمين له رغما عن مصالحهم… هكذا استهل في كتابة تاريخ جديد شبه أسطوري رغم أنه لم يعمم كل أنحاء الهامش بعد.. لكن تبقى فوضى الربيع العفوية التي أزاحت مقولة المركز القائلة لا جديد تحت الشمس.

فقد ظل الراعي مؤتمن على قطيعه وجعل من كل جديد قديم وأبتر الحروف حتى لا تعود الشمس للشروق فوق سطح الهامش من جديد وحتى وإن شرقت يجعل منها أمرا اعتياديا لا اختلاف يتضمنه، ليظل المركز مركزا والهامش هامشا… لكن تبين له الآن أن الذي لا يستفيد من التاريخ يعيد نفس أخطائه.. هو ما كشف عنه ربيع الحرية العفوي، حيث انفتحت الزهور تاركة وراءها نسيما فوق سماء الهامش، وأصبح كل شيء قابل للحدوث كمعجزة في زمن انتهت فيه المعجزات.

هنا تكمن غرابة الربيع..في حدوث حدث ما كان متوقع أن يحدث، وأصبح من الصعب جدا الوثوق في التاريخ رغم انه يكتب بيدي المنتصر. لكن هل هذا يعني أن الحدث سينتهي عند هذا الحد وسيعم النظام بعد أن حدث ما حدث؟ أبدا لا.. بل حان موعد حدوث الأحداث، وسنشاهد أكثر… ولما لا تغييرا في نظام الكون، سيقول البعض إنني أسبح في أحلام اليقظة وهذا محتمل لأن بحثي عن الحروف المبتورة كلها مسيرة أحلام تحولت على نوع من جنون الكلمة، لكن مع ربيع الحرية العفوي أستطيع إقناع نفسي أنني لا أعيش أحلام اليقظة، بل أشهد تاريخا تروى أحداثه من الهامش، وقد بدأ الذهن في التحرك والانسلاخ من سديمه ولا أحد سيوقفه الآن، كما أن العقل دائما يرى ما يحب والحظ يلازم العقد المستعد…وسيبقى الشيء الثابت هو أن الحدث  حدث من الهامش.

هكذا تعلمت من البحث عن الحروف المبتورة أن حدة التوتر ازدادت بين الهامش والمركز وأن الفوضى الخلاقة التي يخشاها المركز انتشرت وعمت أفضل أماكنه وخلخلت الاستقرار الذي صنعه على غرار الهامش هذا الأخير الذي تشكل الفوضى جزء من حياته.. هي الفوضى اليومية مع الحياة، ولكن هذا لا يعني أنني مناهض للاستقرار، بل الاستقرار مناهض لي كفرد من الهامش والفوضى لا تعني اللانظام، بل إعادة النظر في النظام والتاريخ بدوره يخشى النظام والاستقرار..

هكذا ستبدأ بداية التاريخ الجديد، ستحدث الأحداث من الأرض التي ظلت منسية منذ أن وطأتها أول قدم لصهيون العصر الحديث، قي هذه الأرض ستنقلب الفوضى الخلاقة نظام والنظام القائم سيصير فوضى بدون معنى، وآنذاك لم نعد في حاجة إلى كتابة التاريخ، بل سنشهد حدوث الأحداث فقط. لكن هذا لا يعني انحراف التاريخ وشذوذه بل لأول مرة سيعرق سيره العادي ومنحاه الطبيعي، منذ أن كتب بالدماء في أوروبا.

والشيء الوحيد الذي أثارني منذ شروعي في البحث عن الحروف المبتورة والذي أوحى الأمل على ظهور بعض معالمها، هو أن الإنــــــــسان الـعـــــــــــــربي أصبح يتكلم ويريد وبصوت مرتفع، وهذا كله يوحي بعالم مغاير، كله كلام ومطالب بعدما ظل إنسان الهامش أخرس ولا يريد… هذه هي الصيرورة الدائمة للحياة، لاتناهي حدوث الأحداث، وهي أولى حروفي المبتورة التي ظهرت مع الربيع العفوي الذي سيشهد كل مرة قطع رأس أفعى سامة من التاريخ…

 

يتبع

تعليقات

  1. شكرا لمحمد البوعزيزي لذي بفضله لم يعد العالم العربي ثابوتا لا حياة فيه، بل أصبح جمرة نار، ثورة وثوار.و أصبح للعالم العربي صوت و شعارات و ساحات و ميادين و للحناجر المبحوحة مكبرات صوت تطالب بالرحيل…..