النظام الإقليمي العربي وغياب المشروع الحضاري

سامي السلامي

sami

 النظام الإقليمي العربي وغياب المشروع الحضاري

 

يشهد العالم العربي حالة خطيرة من التشتت والتشرذم، مع خضوع وتبعية للنظام الدولي بكل ضوابطه وموازينه، في ظل انعدام تام لمشروع حضاري ورؤية سياسية لدى صانعي القرار بالعواصم العربية للنهوض بنظام إقليمي عربي يجعل منه فاعلا يخضع للإطار الهيكلي العام (النظام الدولي) كما يؤثر فيه، ويخرجه من وحل وبراثن التخبط الذي تعاني منه الجامعة العربية كإطار فرعي من فروع النظام الدولي.

حينما نتحدث عن النظام الدولي، فإننا نقصد به ذلك النمط من العلاقات الدولية المتداخلة والمتشابكة في إطار نسق دولي يخضع لعناصر ضابطة (القوة، المصالح، الصراع)، وموازين قوى تتحكم في تحديد طبيعته وتسهم في إفرازاته.

أما النظام الإقليمي فهوذلك الهيكل الجزئي المتفرع من النظام الدولي والمتفاعل معه، والذي يحاول ضبط منطقة ما بناء على اعتبارات جغرافية، لغوية وإثنية، دينية، سياسية أوعسكرية واقتصادية.

ويشهد التاريخ الدولي المعاصر على حجم المؤامرات (كامبل بينرمان، سيسبيكو) التي خيطت وحيكت في موائد الدول الكبرى، قصد تفكيك وتفتيت العالم العربي ومنعه من بناء نظام إقليمي قوي، لما له من بعد حيوي في تحديد معالم النظام الدولي أولا، ومن تأثير على موازين القوى ثانيا.

وتجمع النظريات الجيوسياسية على أن النظام الإقليمي العربي يمثل المحور الاستراتيجي الثاني في العالم بعد أوروبا، وبالتالي فإن سياسات القوى العظمى في ضبط إيقاع النظام الدولي تنبني على ضبط هذين المحورين عن طريق إخضاع الأول والتعاون والصراع مع الثاني.

وتتجلى الأهمية القصوى للنظام الإقليمي العربي في مقوماته الثابتة التالية:

ـ الاستراتيجية والجيوسياسية:

بموقعه الجغرافي الممتد من شرق أسيا إلى شمال إفريقيا وتحكمه في العديد من الممرات المائية الإستراتيجية ذات البعد المؤثر في التجارة البحرية العالمية وتجارة النفط (هرمز، باب المندب، جبل طارق، قناة السويس) وإطلاله على المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي ومنطقة الخليج العربي… مع تشكيله حاجزا أمام أوروبا للعبور نحوآسيا وإفريقيا، تجعل من سيطرة الغرب عليه مسألة مهمة لمنع أي استقطاب لقوى دولية معادية ساعية للتغلغل منه صوبها.

ـ الاقتصادية:

بكل ما فيه من مقدرات طاقية ومعادن ضرورية لحركية الاقتصاد العالمي، يمثل النظام الإقليمي العربي موقعا لأطماع القوى العظمى اعتبارا أن السيطرة عليه تعني السيطرة على العالم وتحديد طبيعة النظام الدولي، كما تشكل سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية عليه بعد حرب الخليج الثانية إستراتيجية عسكرية لاحتواء الغرب واليابان آنذاك كقوى اقتصادية ساعية لتعدد الأقطاب وجعل اقتصادها رهينا بالولايات المتحدة كواضعة للنظام الدولي.

ـ الحضارية:

يمتاز النظام الاقليمي العربي بخاصية من المستحيل إيجادها في أي فرع من فروع النظام الدولي، ألا وهي التقارب بين كل أقطاره من الناحية الجغرافية، اللغوية، الاثنية، الدينية والحضارية، إضافة إلى تأثيره على باقي محيطه من دول وشعوب، وهوما جعل مختلف الكتابات الغربية تحاول جاهدة طمس هذه الهوية الحضارية بإطلاق مسمى “الشرق الأوسط” كتوصيف للمجال الجغرافي للنظام الإقليمي العربي مع فصل دول شمال إفريقيا عن هذا المجال وضم أخرى مختلفة عن المحيط العربي لجعل التفرقة صفة المنطقة، والتي تمثل فيها إسرائيل احتياطيا إستراتيجيا للغرب في مجابهة أي قوى عظمى معادية (روسيا الاتحادية، الصين) تعمل على استقطاب الأقطار العربية خارج السرب الغربي عامة والأمريكي خاصة.

ومن ثم فإن هامش المناورة وحرية الحركة للنظم الفرعية والتي يتيحها لها النظام الدولي، رهين بمدى قوتها وديناميكيتها وصلابتها وتأقلمها مع التحولات الدولية، ما يجعلنا نقول أن النظام الإقليمي العربي مثله مثل أي نظام اجتماعي أوسياسي يرتبط نموه وانكماشه بالتجانس الايجابي والسلبي بين وظائفه الأربع: التكيف بين مختلف الأقطار في إطار ضوابط محددة، التكامل المبني على التعاون المتبادل والمصلحة المشتركة، حماية الأمن من أي تهديد وخطر، وتحقيق الأهداف الإستراتيجية.

إن أزمة النظام الإقليمي العربي تتمحور أساسا حول غياب المشروع الحضاري والرؤية السياسية الواضحة لدى صانعي القرار في العواصم العربية، فبدل البحث عن أسباب التفرقة والتشتت ـ التي لا تخرج عن عمل استخباراتي صرف لوكالات المخابرات المركزية الغربية وتجانسها مع مصالح الأنظمة العربية الاستبدادية المتوجسة من أي ريح إصلاح بعيدة عن “الديموقراطية” بمعناها الأمريكي ـ يتوجب استغلال المقومات الإستراتيجية، الجيوسياسية، الاقتصادية والحضارية الثابتة، مع إعادة بلورتها في إطار ضوابط تجعل الوحدة العربية الشاملة داخل نظام إقليمي عربي قوي مطلبا ملحا، وتمهد لدور فاعل داخل المنتظم الدولي.

المصدر:

www.raialyoum.com