أتذكرهم بأسى

يوسف بخوتة

 

 

أتذكرهم بأسى

 

أنا اليوم في قطار سريع يقلني من مدينة مارماند الى مونبيله في الجنوب الفرنسي. ومن المعلوم أن القطار في فرنسا فضاء للإبحار في عوالم فرنسا المتعددة ناسيا كل ما يمت لوطني بشيء. لكن أنا تذكرت.

أتذكر وبأسى يوم كنت أزورهم في مقر الاتحاد المغربي للشغل بعمالة تاونات ، كانوا آنذاك في اعتصام مفتوح للمطالبة بحقهم في الشغل.. العمل. كانوا عدة يشكلون فرع طهر السوق للجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب. بوجوه شاحبة تتوسطهم فتاة جعلها القدر تبحث عن مستقبلها في مجتمع يتساوى فيه الكل في العطالة. رغم الفارق الصارخ في المساواة التي يطالبن بها منذ سنين. لكن هنا يتساوى الكل عند باب الأمل المفتوح على باب الألم. سحناتهم كانت تحكي قصص حزينة جدا. تتداخل فيها المعاناة بالمأساة . كلهم ينحدرون من أسر معوزة إن لم أقول فقيرة جدا. ضحت هذه الأسر ليصل ابنها أوابنتها -رغم قلتهن- إلى مرتبة معينة ويعيل نفسه وعائلته التي عالته منذ أن صرخ الصرخة الأولى مدشنا أولى خطواته في المعاناة. أرسلوه للجامعة ليعود حاملا شهادة عليا تخول دخول عوالم لم يدخلها لا أبوه ولا أب أبوه. يعود عالما عاملا. لكن عاد حاملا هموم الدنيا بأسرها. عرف ويا ليته عرف، عرف الكل. عرف كيف تسير الدول والأمم سياستها في التشغيل. عرف كيف يعبث العابثون في بلده بأرزاق العباد ومستقبلهم. فما كان له إلا أن ينضوي تحت إطار يجمع ما عرف ومن عرفهم في أيام الدراسة. وأصبحوا اليوم عالة على المجتمع.

أتذكرهم واحدا وحدا. كيف كانوا يعتصمون في مقر الاتحاد المغربي للشغل. أتذكرهم كيف عبثت قوة حفظ النظام بإضلاعهم عندما رفضوا إخلاء المكان لأن السادة سيمرون من هنا. أتذكر كيف رفست أحذية القوة العمومية – التي من المفترض أن تحمي حقهم في التظاهر- وجوه المعطلين والمعطلة وزادتهم ندوب على ندوب. تظاهروا وظهرت معهم قرية منسية في التاريخ والجغرافيا في وسائل الإعلام المغربية وخاصة المكتوبة.

أتذكرهم واحدا واحدا، أتذكر كيف كان ينظر اليهم المسؤول في بلدتهم مختلسا النظر من ستائر نافذة مكتبه الفخم. كان ينظر مستفسرا نفسه ما الذي جاء بهؤلاء إلى مقري هذا الصباح وأنا الذي عندي موعد مع ابن عم خال ابن أخ الرئيس لأجد له مكان في مكاتب الإدارة الكثيرة؟ أتذكر شعاراتهم الطريفة التي ترسم على شفتيك ابتسامة فتستبقها دمعة تخرج بدون إذن.

أتذكر كيف اختاروا أشكال احتجاجهم، فمن مسيرة على الأقدام الى مقر العمالة في تاونات وهذا الشكل الاحتجاجي الذي حير كل الأطراف المعنية على تسيير الشأن العام فتأهبوا له على أحسن استعداد. حيث أرسلوا لهم ما يفوقهم  عدد من قوات حفظ النظام فحاصرهم في النقطة عشر كيلومترات.

أتذكرهم في خيمة المهمشين في مقر الاتحاد المغربي للشغل. أتذكرهم حين قرروا المسيرة بالأطفال والأزواج والآباء في مدينة تاونات حين كانوا هناك معتصمين. فارتأت السلطة فتح حوار معهم لثنيهم على هذا الشكل لأن كان هناك زيارة مرتقبة لوزير التشغيل آنذاك مصطفى المنصوري. الذي صادف يوم المسيرة. أتذكر يوم تصدر رسم لي بيان لهم  كتب عليه بدون تعليق. أتذكر كيف كانت تتعرض الجمعية لضغوطات من أجل إضعافها، لكن هناك من يبث فيها الروح من جديد من أبناء مرنيسة المهمشين.

أتذكر نقاشتهم الواسعة وأمالهم المفتوحة على المستقبل. رغم أنهم في نظر البعض يخربقون لأن المغرب بلد باك صاحبي. يقولها ويعترف بها وليس له في ذلك حرج. ويقول أيضا هذا مغرب الظلم ويجب أن يقوم أحد بدحر هذا الظلم. لأنه ليس معني به. لأنه مجرد ملاحظ.

أتذكرهم كيف كانوا يتعرضون للانتقاد من طرف البعض عندما كانوا يطلبون المساعدات لمراحلهم القادمة وهي كثيرة. هناك من يقول لا أمل لكم. وهناك من يقول هل عندك أحد في مكان ما؟ وهناك من يحتقرك وهو يرمي لك بدرهمين أو ثلات.. ولكن كل هذا لم يمر دون شيء طريف وضريف.

أتذكرهم بطرائفهم وحزنهم، فمدة أسبوعين لم تكون بالهينة. أذكر طريفة وقعت لحكيمهم. يحكي أنه  كان له من تريكة الاتحاد المغربي للشغل نصيب عبارة عن خريطة المغرب وله خبزة احظرها من المنزل مخافة الجوع بين أناس لا يعرفهم. كانت هذه الخريطة عبارة عن فراشه في ليل تاونات البارد… وضع حكيم الخريطة على الأرض وخبزته على مقربة من رأسه.. وفي غفلة تراء له مشهده مختلفا فأراد تحليله. فكان صدفة مفارقة عظيمة.. مسترخ على خريطة المغرب كليا – أي كامل الجس –  لكن الرأس والخبزة يوجدان في الضفة الأخرى من الخريطة اسبانيا وفرنسا. أي أوروبا. فربط المشهد مباشرة بما يعيشه من أحلام اليقظة أي خبزته أو حظه كما نقول يوجد في الضفة الأخرى أما المغرب فهو مجرد بلد المأساة.

 

تعليقات

  1. خواطر معطل شكرا أستاذي بخوتة على التصوير الرائع لمعانات الشباب المعطل تذكروا قول الرحمن”ولسوف يعطيك ربك فترضى”. تقبل مروري