لصوص تحت جلباب الخير…

علي عبيد

abid

لصوص تحت جلباب الخير…

 

هو عالم الخديعة فعلا، إما أن تكون فيه أولا تكون. المهم أن تعلم علم يقين أن فعل الخير فيه أصبح من المستحيلات السبع. ها نحن أمام أناس يقدمون عملا خيريا قائلين من ورائه : ” ما نريد إلا الاصلاح ما استطعنا وما التوفيق إلا من الله”.. كل يوم يمر علينا إلا ونرى فيه ما يبعد يدنا عن جيبنا كي لا ننفق؛ ليس لأننا لا نملك ما ننفق، بل لأننا لا نعرف على من سننفق.. هلموا بنا في رحلة قصيرة إلى دنيا (لصوص تحت جلباب الخير…). وسنحط الرحال بالمحطة الطرقية اولاد زيان ، الدار البيضاء لأخبركم ماذا رأيت؟.

ضجيج الناس كالمهل يغلي في المحطة غلي الحميم، وأنكر الأصوات يتعالى في سماها، من بائع الجرائد إلى سارقها، ومن فاعل خير، إلى صانع شر، الكل يستوي أمامك في مشهد هو دار البوار، تأتيك امرأة ومعها أطفال صغار لا تشابه بينهم، ومخلول يذكر أصله وفصله، زوجه وولده، ماله وأرضه.. يتداعى أمامك بالجنون مقابل أن يشفق عليه جيبك، وزحاف يجري أمامك أكثر من الــگروج حين يرى درهما تداعب الأرض وقد سقطت من يد طفل أخذها من أمه بشق الأنفس.

وسط عالم لا تعرف موقعك فيه، يباح لك أن تتأمل واقعه في صمت لترى ما يجب أن تهتز له أعواد المنابر يوم الجمعة، ولكن هيهات هيهات! من سيتحدث عن دور أمريكا في حماية حقوق الإنسان والحيوان والأطفال؟..

   دعوني أروي لكم ما رأيته هناك دون إطناب، جلست في أول كرسي بعد أن ركبت الحافلة، كانت شاشتها العريضة قد منحتني فرصة النظر إلى العابرين وترك كتيب صغير كنت أنوي أن أستأنس به في الطريق رفقة صوت فيه كلام قد ينسيني طول الطريق وفحوى الكتاب.

رأيت امرأة تجلس على رصيف أمامي، ومعها من الأولاد خمسة، تراءت لي في ملامحها علامة الانتظار لا أقل ولا أكثر، وما إن رأيت الناس قد تزاحموا ورائي من أجل السفر، وامتلأ بطن الحافلة عن بكرة أبيها، حتى رأيت مساعد سائق الحافلة ورجل معه يصعدان الحافلة بوجه ذابل، قال مساعد السائق مشيرا إلى المرأة التي تجلس على الرصيف:

” يا عباد الله.. آ المحسنين.. إن تلك المرأة قد انقطعت بها الحبال في سفرها ولا بلاغ لها اليوم إلا بالله ثم بكم، وهي الآن تريد الذهاب إلى طنجة.. وتحتاج إلى ثمن التذكرة لها ولأبنائها.. والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.. وأنا فاعل خير ليس إلا.. ومن أراد أن يقدم لها يد العون، فهذا زوجها الذي التقاه اللصوص في حي مولاي رشيد واخذوا منه كل ما يملك.. “

وأخذ الرجل يبكي مثل طفل مفطوم بيومين، والدموع تجري على خديه، فكانت البداية من أول جالس في الحافلة، ولما غادرنا ببضع دقيقات رأيت رجلا آخر قد جاء إلى تلك المرأة وسلم عليها وكذا ولدها، ثم قبل من الأولاد صغيرهم تقبيلا، وقدم لهم سندويتشات، ثم جلس يأكل ويضحك معهم، إلى أن ركبوا حافلة متوجهة صوب مدينة بني ملال.

تعجبت من فعلهم وقلت للذي يجلس عن يميني: ” أرأيت مثل ما رأيت ؟” رد علي ضاحكا : ” وما خفي كان أعظم..”

لمن ترى بعد هذا الذي رأيت، سأقدم يد العون؟ هو عالم المكر والخديعة، دموع التماسيح هي، أنى لنا أن نعرف من هو الذي يستحق ذلك! إن الذي يستحق ذلك هو رجل نعرفه بسيماه، وهو لا يسأل الناس إلحافا. وهذا النوع من البشر يجب أن تتخذ الدولة في حقهم إجراء لا يرحم، فإن في ذلك حياة، ولست بكاتب نص يسعى من خلاله إلى أن يمنع القطر من السماء، ولكن من أجل أن نهيئ الأرض لاستقباله، فتستفيد منه الأرض والعباد..

وما قلته لكم هو نقطة من بحر عميق، فأنتم ولا ريب سمعتم، أو رأيتم، أو قرأتم عن مشهد كالذي رسمته لكم آنفا، وما محطة اولاد زيان إلا بعالم مصغر لوطن اختلط فيه الحابل والنابل، وتنكر الزمان والمكان لقوم أرادوا أن يطاردوا لصوصا كهؤلاء.. فما خفي من اللصوص الكبار أعظم، وإن كان الكلام عن اللصوص الصغار مكروه، فالكلام عن اللصوص الكبار حــــــرام.