أكفان الثلج (قصة قصيرة)

فريق التحرير

ررررررررررررررررررررر

أكفان الثلج

العربي الثابت

في بيت منفرد عند بطن الوادي يعيش “حدو” رفقة زوجته وابنهما الرضيع، كانت حياتهما بيدر فرح في ليلة حصاد مقمرة.. يقضي حدو بياض نهاره رفقة قطيعه الصغير متنقلا بين السفوح،يعزف ألحانه الشجية على ناي ورثه عن جده، لايعرف الحزن إلى قلبه طريقا،بينما تظل “إيطو” في البيت،تجلب الماء والحطب،وتنفق وقتها الأخرفي غزل الصوف سعيدة تنتظر المساء بلهفة،
تتطلع كل غروب لعودته محملا بأكياس الفرح،لتصنع بها أقمارا تضيء عتمة لياليهما…

أحبها منذ كان يافعا يطارد الفراشات والطيور على جنبات الوادي ..فتزوجا.

“إيطو” بهجة حياته، نيزكا يمتطيه نحو كواكب سعادة لا تنتهي، فيهيم ثملا بين تضاريس جسدها الغض، يطير بين أغصانها كعصفور فك أسره على الفور، يغني لها وتلوح خرائط الفرح في عينيها، وحين يداهمهما النوم يلتحم الجسدان في نبض واحد ناعم ولذيذ..

 

في ذلك المساء كانت الرياح القارصة تصفع وجه القرية بلا رحمة، سحب الثلج تلتف دوامات في كل اتجاه، حتى أن المرء يحتار في تحديد مصدرها، أهي صاعدة من الأرض أم نازلة من السماء ؟

خيّل إليه أحيانا أن أنه يمشي مقلوبا على رأسه.. يتكاثر ضباب الثلج، يحجب المزارع والحقول والجبال المحيطة، تختفي بيوتات القرية المتلاصقة كتفا على كتف فوق صخرة عالية تتوسط المزارع، كتمت البرودة أنفاسها تحت طبقات الثلج التي اكتسبت صلابة لا تقاوم…

بدا أن القرية المنسية هنا تلفظ أنفاسها الأخيرة في غفلة عن العالم، نفذت المؤن من المخازن، نفقت الدواب، الموت الأبيض يزحف بلا رادع، الأهالي يقضون تعاستهم الباردة جماعات، تناسوا حياتهم العادية، صاروا جميعا في قبضة صقيع لا يرحم، يجتمعون حول كوانين النار يستدفئون بها وعليها يطهون ما تبقى لهم من طعام…

وجد “حدو” نفسه محاصرا بقوة، معزولا تماما عن الصخرة المأهولة، هذا الثلج المتواصل منذ أيام أعلن الطوارئ في جمهورية فرحهم، جفت منابع سعادتهما في صقيع الصمت، سكت الناي الشجي، ولم يعد للشفاه همسها الدافئ.. تملكهما إحساس غريب بأنهما بين فكي غول أبيض لا يرحم…

في اليوم السابع من أيام الصقيع، لاح اصفرار وجهها، ومن بين أهدابها أومض بريق غامض يطوي في ردائه طيف المنون، لم يميزه في البداية، لكنه تأكد بعد ذلك أن غاشية المرض قد اجتاحتها: وجه شاحب وصدر يعلو ويهبط، وفم منفرج يتلمس الهواء، صريعة حمى شرسة، بدت خافتة الصوت وهي تهدهد صغيرها..
أشعل ما تبقى من حطب، دثرها بكل ما توفر له.. قاد حماره ومضى نحو الصخرة المأهولة ليحضر حكيم القرية، وما استطاع من طعام وحطب…
حماره البئيس يزحف ببطء، في غمرة أكوام الثلج، ورأسه ينفث البخار كقاطرة عتيقة، يلسع ظهره بسوطه فيترنح متهالكا وتتساقط منه ندف الثلج وقد انمحت معالم الطريق… ثم يلسعه ثانية فيتقوس ظهره ويسقط منهارا، ثم يحاول القيام فتعوج سيقانه، ويمد عنقه كالحلزون ويتحرك ببطء شديد..

حين أدرك” حدو” الصخرة أحس أن صمت القبور يلفها، تفقد بعض أقاربه، اندهش.. جف حلقه، الموت الأبيض غزى كل بيت، جثث أطفال وشيوخ تنتظر الدفن، وكان من بينهم حكيم القرية..

جلب ما استطاع من مؤونة على شحها، استدار عائدا، متوشحا بكآبة خرساء قاتلة… يلهب ظهر حماره البئيس دون رحمة تسبقه هواجسه والجو قد ازداد سوءا، بعد ساعات تمكن من الوصول، حبات العرق قد جمدت ملامحه..
حين دخل البيت أحسه باردا.. دق قلبه بعنف،
“ايطو” لاتزال مدثرة، رفع عنها الغطاء، لم تتحرك، رأى ابنه الصغير يمتص ثديها، كلّمها.. لم تجب..
وضع يده على جبينها، حاول أن يحركها فتململ الجسد كله، خرجت من صدرها أصوات جافة واهنة تشبه الفحيح….

في الخارج هدأت الرياح، وندف الثلج تتساقط بتكاسل غير مبالية…