نتنياهو.. عندما ينقلب السحر على الساحر!

سامي السلامي

samiنتنياهو.. عندما ينقلب السحر على الساحر!

 

حينما نركز في كتاباتنا على القضية الفلسطينية ونوجه بوصلتنا صوب غزة، فإن لذلك أسبابا موضوعية، تتمثل في إيماننا الراسخ بعدالة القضية وأحقية الشعب الفلسطيني الباسل في تقرير مصيره، سعيا للعيش بأمن وحرية وكرامة وعدالة إجتماعية، وكذا لفهمنا العميق للأهمية الاستراتيجية لهذا البلد الجريح (فلسطين) في بناء نظام إقليمي عربي قوي.

وعليه، نسعى جاهدين لرصد خطوات إسرائيل ذلك الاحتياط الاستراتيجي للغرب في قلب الوطن العربي، مهتمين بتصريحات ساستها وساعين لفك شفراتها، اعتبارا منا أن فهم الواقع بالمنطقة يتطلب متابعة الأحداث عن كثب، مع رصد مختلف التطورات التي من شأنها أن تذهب بنا نحو فهم دقيق لمعادلة الصراع وموازين القوى.

لقد كان لإتفاق وقف إطلاق النار الدائم بين فصائل المقاومة وجيش الاحتلال، أثر عميق على الداخل الإسرائيلي وعلى حكومة الائتلاف التي يقودها حزب “الليكود” بزعامة بنيامين نتنياهو، فالأخير يعيش حاليا لحظات يمكن وصفها بالأسوء في مساره السياسي إن لم نقل بالأخيرة على رأس الحكومة التي ولدت بعد مخاض سياسي عسير ووسط تحالف وصفته حينئذ صحيفة هآرتس بـ “الكابوس″.

فوقف إطلاق النار وفتح المعابر والسماح بإدخال المواد الأساسية لإعادة إعمار غزة، إضافة إلى تمكين الفلسطينيين من الصيد في حدود 6 أميال بحرية، مع إرجاء مسألتي المطار والميناء إلى شهر آخر تحت رعاية مصرية غير مباشرة، من شأنه أن يحدث شرخا عميقا في الائتلاف الحكومي الحالي.

أولى الهجمات جاءت من اليمين المتطرف الداعم لاستمرار العمليات العسكرية، فوزير الاقتصاد “نفتالي بنيت” رئيس حزب “البيت اليهودي”، الذي طالما هدد خلال أبريل الماضي بالانسحاب في حال التقدم في المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، يوجهه أسهمه اليوم صوب نتنياهو معتبرا أن تردد الأخير في اتخاذ قرار حاسم وسوء إدارته للحرب مع الاتفاق حول وقف إطلاق النار دون الرجوع إلى الكنيسيت، سيمنح حماس فرصة مواتية لبناء نفسها من جديد.

أما “أفيغدور ليبرمان” وزير الخارجية وزعيم حزب “إسرائيل بيتنا”، ذو التوجه المتطرف الداعي إلى دولة ذات قومية واحدة خالية من العرب، فهدد صراحة بالانسحاب من الائتلاف واصفا وقف العمليات العسكرية بالحماقة.

هذا واعتبر “يتسحاق هرتسوغ” زعيم المعارضة ورئيس الحزب العمالي اليساري، أن نتنياهو فقد ثقة الجمهور وأن خطابه الأخير كان خطاب نصرا حزينا.

المشكل الأكبر الذي يواجه نتنياهو حاليا، هو أنه بإقدامه على شن العمليات العسكرية على غزة ومن ثم الإنسحاب مع وقف إطلاق النار وضع نفسه بين فكي كماشة، فالرضوخ إلى ضغوطات اليمين المتطرف بالعودة للحرب، ستعجل بإنسحاب حليفيه من الوسط، ونحن نتحدث هنا عن حزب “هناك مستقبل” الذي يتزعمه وزير المالية “يائير لابيد” أكبر الحلفاء بتوفره على 19 مقعدا في الكنيسيت، والذي شدد على عدم تقديم تنازلات في الجولة الثانية من المفاوضات، وحزب “الحركة” الذي تترأسه وزيرة العدل “تسيفي ليفني”.

صقري “الليكود” نتنياهو ويعلون، يواجهان انتقادات من شتى الأطياف (اليمين، الوسط، اليسار)  ومن الحلفاء قبل المعارضين، لا بل أن الصراع السياسي امتد إلى داخل حزب “الليكود” نفسه، حيث أعلن “دانون” نائب الحزب بالكنيسيت عن اجتماع المجلس المركزي خلال الأسبوعيين القادمين، لتدارس طبيعة القرارات التي اتخذها نتنياهو ويعلون موجها لهما انتقادات لاذعة.

صحيح أن المقاومة خرجت منتصرة من هذا العدوان الصهيوني الغاشم، بصمودها ووحدتها وانتزاعها للعديد من المطالب مع جرها للعدو نحو حرب استنزاف، إلا أن الانتصار الحقيقي في نظرنا تجلى في أبهى صوره في الشرخ العميق الذي أحدثته داخل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي.

إن خير توصيف لما وقع لنتنياهو الذي إختلق الذرائع الواهية لتبرير العدوان على غزة قصد تقويض الوحدة الفلسطينية، أن السحر انقلب على الساحر بتوحد الفصائل أكثر من ذي قبل، وتشتت الداخل الإسرائيلي بسواعد المقاومة الطاهرة ودماء الشهداء البررة.

 

المصدر: www.raialyoum.com