كتاب: بعض من أيام المستضعفـ 2 ــين (يوميات معلم)

فريق التحرير

ىةةةة

بعض من أيام المستضعفـ 2 ــين (يوميات معلم)

 1: الاضطهاد

ما أعظم الأمانة الملقاة على عاتق رجال التعليم، إنها تتعدى حدود الشحن المعرفي إلى التربية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ومن ثم صناعة المواطن الصالح ذاك الذي سيبني، أو ربما سيهدم كل شيء…!!
في أحضان مركز تكوين المعلمين والمعلمات بمكناس حيث يفترض تخريج أفواج من المربين، اختلط حابل البحث عن لقمة للعيش بنابل الخضوع للمفعول السحري للوزرة البيضاء… منذ أن وطئت قدماك هذا المكان المقدس يا بني، عليك أن تكون مثالا لرجل التعليم المكافح، وأنعم به من كفاح… صاح أحد المؤطرين… أبنائي، إنها فرصتكم الأخيرة لتنهلوا من منابع اللذة قبل ركوب غمار تجربة النفي القسري، وقال آخر، بناتي أين خطيب الغفلة، هذا الذي سيطرق باب فتاة سيحكم عليها قريبا بالعيش وسط الفيافي والقفار؟! قد يكون الغيب مرا، فاجعلن الحاضر أحلى، وقال غيره: دعي التفكير في البلاء جانبا، فأبواب سيارتي مشرعة، والمرور إلى الفضاء المفعم بشغب الصبية مضمون عبرها، ووسط هذه الأصوات ضاعت تلك الأصوات الهادئة الرزينة التي أيقظت في نفوسنا نداء الضمير الذي غالبا ما يغفو حين يصحو نداء الشهوة العمياء.
كثيرون هم أولئك الذين نسوا نصاعة بياض وزراتهم فلبسوا أوزارا سوداء، خمر ونساء ورقص ماجن، وحلاقة مشوهة، تلكم كانت مظاهر رجولة ضائعة كتب عليها الوأد ولما يكتمل نضجها بعد، أما بنات حواء فقد اخترن ترويض الجسد عوض ترويض الفكر استعدادا للمهمة السامية، شبيهات بالدمى كن، ولكم رثيت لحالهن وعجبت في نفس الوقت مما يختزنه من طاقات جبارة،… يعلم الله وحده كم يقضين من الوقت أمام المرآة لوضع هذا الكم من الأصباغ على وجوههن… زميلتي “ب ” كانت بحرا لا ساحل له في كل ما يمت إلى عالم الزينة بصلة، ماكياج، عطور، ألبسة غير محتشمة، لكل قطعة منها اسم… أووه إنني أغبى من استيعاب كل هذا الكم من الأسماء والرموز، طلب منها المؤطر استظهار سورة الكوثر فتلعثمت… أما “ه” فكانت تراهن على الحصول على أعلى نقطة بين الطلبة، ليس لأنها الأذكى ولا لأنها الأكثر مثابرة، ولكنها كانت تعرف الطريق المؤدي إلى غرف نوم أساتذتها أكثر من الجميع… وقد تنهد يوما صديقي “ج” بعمق، حين أعلن أستاذ علوم التربية أن الطالبة “ه” تستحق التنويه لأنها حصلت على أعلى الدرجات، وقال: ليت أمي ولدتني فتاة جميلة، إذن لكفاني ذلك هم الحفظ والمراجعة…”

تحول المركز لدار راقية للدعارة تدور السيارات الفارهة في فلكه بالليل والنهار.

ومرة، وحين كنت أهم بولوج المركز ليلا استوقفتني فتاة ثملة كانت تترنح في مشيتها وهي تحاول التقدم نحوي… رفعت رأسي إلى اليافطة المثبتة بأعلى مدخل المركز لأتأكد أنني لم أخطئ الهدف، ورمقتها بنظرة متفحصة… كانت تلبس خرقة، كتلك التي كان يستعملها سكان القبائل البدائية لستر عوراتهم، تسمى “ميكروجيب” تغطي بها نصفها الأسفل، وأخرى تضعها على صدرها يطلقون عليها “دومي فونطر” قالت تغالب سكرها: اسسسمع… أنا لا أستطيع إنجاز العرض الذي كلفنا به أستاذ التاريخ… أررر جوك… ضع اسمي إلى جوار اسمك في العـ…رض الذي كتبته… تفرست في وجهها قليلا ثم قلت: هذه أنت أيتها اللئيمة… كنت أعرفها حق المعرفة فقد كانت زميلتي في الفصل،… لا تراعي إنني أشفق عليك ولاشك، لكن ليس إلى الدرجة التي أقرن فيها اسمي باسمك في العرض، سأقوم بعمل آخر سيروقك،… لدي بضعة سراويل وأقمصة بالية سآتيك بها في الغد لستر الأماكن المفضوحة في جسدك… آه نسيت أن أخبرك بأن العرض يتحدث عن فتوحات عمرو بن العاص، لماذا لا تكتبين عرضا من وحي خيالك عن فتوحاتك الــ… وبترت عبارتي ثم انفجرت ضاحكا… أمطرتني اللعينة بوابل من الشتائم، فاجتمعت علينا جوقة لا يستهان بها من الفضوليين، لم أستطع التخلص منها، صادف هذا الحادث، من سوء حظي، حضور أحد المسؤولين بالإدارة في زيارة تفقدية للمركز، فتدخل لفض النزاع، وبعدما سمع مني ومنها، انتصر لها ووبخني بشدة، ثم رمقني في النهاية بنظرة عتاب… مالك ولها؟ لتفعل ما شاءت بنفسها إنها حرة، هل نحاسبك أنت على واحدة من تصرفاتك؟…

انطلقت ألعن وأسب في نفسي، وحانت مني التفاتة للخلف… فوجدت المربي الفاضل يربت بحنان على كتف الفريسة العاري، وأي ضير في ذلك؟ إنه في مقام والدها… شعرت بالمرارة والاضطهاد، لماذا لا يمرون إلى تحرير المرأة إلا على أكتاف الرجال؟ عندما وصلت إلى بيتي أخذت ورقة وقلما وكتبت بأنه آن الآوان كي يدافع الرجال عن حقوقهم دون خجل ولا وجل، وأنه لا ضير في أن يتجول الشبان عراة ما دامت الفتيات يتجولن “بالدومي فونطر” و “الميكروجيب”، فالنساء مأمورات شرعا بستر ما دون الوجه والكفين منذ قرون، وقد أبيح لهن التعري اليوم باسم الحرية إلى القدر الذي يكشفن فيه عن ملابسهن الداخلية، فلا أقل من ألا يلبس الرجال شيئا وهم المأمورون بستر ما بين السرة والركبة تحقيقا لمبدأ المساواة، وقد سقت في إطار حديثي عن حال النساء في زماننا نقلا عن عمر بن الخطاب، حين مرت بجانبه امرأة مضمخة بالطيب، يقول فيه مؤنبا “ارجعي فاغتسلي إنك…” وأردفت بعده متسائلا: لو عاش عمر إلى زماننا فبماذا سيصف نساء “الدومي” و”الميكرو”؟

في الغد قمت بتعليق المقال في المجلة الحائطية المخصصة لطلبة المركز، فكان أن استدعاني مدير الدروس وشتمني بكل العبارات التي وردت على خاطره في تلك اللحظة… تحرض الطلبة على التجول عراة أيها الــ…؟! أ إلى هذا الحد تدنت أخلاقك قلت: ما إلى هذا قصدت… قاطعني بعنف: اصمت، هل ستعلمني معاني الكلمات أيضا؟ قلت: حاشا يا سيدي، إنما أردت انتقاد… قال مهتاجا: ماذا ستنتقد؟ أطرقت برأسي ولم أحر جوابا… فحتما لن يسمعني، إنه لايريد أن أنغص عليه صفو شهور العسل المديدة التي يقضيها رفقة بناته من طالبات “الدومي” و… مزق المقال الذي نزعه قبل استدعائي، وكوره بعصبية ثم قذفني به وهو يصرخ اخرج من هنا حالا، أنت ممنوع من المجلة الحائطية منذ اليوم، وإذا وسوس لك شيطانك بفعلها مرة أخرى، فمصيرك الطرد…

يتبع…