كتاب: بعض من أيام المستضعفـ 3 ــين (يوميات معلم)

فريق التحرير

ىةةةة

بعض من أيام المستضعفـ 3ــين (يوميات معلم)

هذا ما جناه قيس علينا

 

لا فرق عندي بين عربي وبربري إلا بالتقوى، كنا ندرس جنبا إلى جنب مع إخواننا البرابرة، لا نلتفت إلى اختلاف أعراقنا أو لغتنا، إلى أن حكم علينا بتلقي الدروس عند أحد الأساتذة العنصريين، كان بربريا متعصبا لبربريته، ما يفتأ يوجه الشتائم للعرب، فأصبحت شتائمه لازمة نتوقعها في كل حصة من حصصه، كان يقول بأن العرب غزاة استولوا على المغرب بحد السيف، وأنهم تستروا خلف الدين للسيطرة على العالم، وأنهم لم يعرفوا الحضارة في كل مراحل حياتهم، وأنهم كانوا يغتسلون ببول كلابهم في صحارى جزيرة العرب…

   كان ذلك يحز في نفسي كثيرا، فقررت يوما أن أتصدى له، ولجنا القسم كعادتنا واستوى كل واحد منا بمجلسه، فانطلق استاذنا يسب ويلعن، قال بأن بناة الحضارة العربية المزعومة لم يكونوا عربا، فمعظمهم من الدول التي طالها الفتح الإسلامي، وحسبنا أن نذكر الرازي والبيروني وسيبويه، وأن العرب كانوا منشغلين طوال الوقت بالخمر والنساء، لا يردهم عن غيهم وازع من دين أو خلق، أحسست بالدم يغلي في عروقي فانتفضت مدافعا عن عروبتي، ورحت أسرد مآثر أجدادي العرب في مصر، ذكرت الأهرام والأقصر وقلت بأنها مفخرة، ستشهد على عظمة العرب أبد الدهر…

قاطعني أستاذي ورماني بالجهل، فالفراعنة عاشوا أربعين قرنا قبل الميلاد ولاصلة بينهم وبين العرب، وزاد على ذلك بأن تحداني في أن أجد ما يثبت أن العرب كانوا في يوم من أيامهم متمدنين قبل مجيء الإسلام، علا ضحك زملائي العرب والبرابرة من غبائي، وتمنيت لو انشقت الأرض وابتلعتني قبل أن أقف في ذلك الموقف المخزي.

بعدها شحذ الحقد همتي ورحت أنقب في بطون الكتب عما أدعم به موقفي، وأنقذ به ماء وجهي، وتنقلت بين المكتبات أياما وأياما إلى أن عثرت على ضالتي في كتاب لجوستاف لوبون عنوانه “حضارة العرب” أمضيت أسبوعا في تدبر موضوعاته أقرأه وأعيد قراءته، وعثرت على مقالات تتحدث عن أصول البرابرة بالمغرب، فاكتملت لدي عدة المواجهة، وانتظرت حصة ذلك الأستاذ العنصري بشغف كبير.

عندما ولجنا الفصل انتظرته على أحر من الجمر.. دخل فافتتح حصته بهجومه المعتاد، لاقى ذلك استحسانا كبيرا لدى البرابرة رغم أنهم سمعوا تلك العبارات مرات ومرات، وامتعض إخواننا من ذرية عدنان وقطحان دون أن يحركوا ساكنا، كان يرمقني بنظرات مستهزئة، فوقفت بثبات ورباطة جأش وتحدثت طويلا عن الحضارة العربية في اليمن وكيف أن العرب المعينين برعوا في علوم الزراعة والري، وأضافوا فيها إلى من سبقهم ما لم يكن موجودا يومها، وكيف بنوا صرواح آية يعز نظيرها في فن المعمار والبناء، وقد أسعفتني المقالات التي قرأتها عن أصول البربر فأوضحت لأستاذي بأن جدهم على نحو ما ذكرت بعض المصادر التاريخية هو شاب اسمه قيس من جزيرة العرب، غاضب والده فهام على وجهه زمنا واتخذ سبيله في البرية ميمما شطر المغرب، فقالت العرب بربر قيس ومن ثم سمي أحفاده بالبرابرة، وأسعفتني دراسة عن تطابق صفات بعض مخارج الحروف العربية والبربرية، وكذا تطابق بعض الكلمات العربية والبربرية بشكل يستحيل معه القول بأصول مختلفة للغتين، فأفضيت بذلك لأستاذي…

   بعدما انتهيت من كلامي استدار نحو مكتبه وأخرج بعض الملفات والأوراق وانطلق في إلقاء محاضرة عن علم النفس التربوي، ولم يعد بعدها لمهاجمة العرب بذلك الكلام القاسي الذي كان يؤذي مشاعرنا، وأحسسنا نحن العرب والبرابرة أننا كنا نخوض في سجالات لا طائل من ورائها، ولتكن نتائج الأبحاث التي تحدثت عن أننا أبناء عمومة ظنية لا قطعية، أو ليست بأحق بالتبني من غيرها؟ هل علينا أن نتحمل اليوم تبعات الخطأ الذي فرق بين قيس ووالده ؟ أما يكفينا أن أجدادنا معا تركوا منابع الذهب الأسود وحطوا رحالهم في بلاد كهذه التي نعيش على أرضها اليوم ؟

يتبع…