كتاب: بعض من أيام المستضعفــ 4 ـين (يوميات ملعم)

فريق التحرير

ىةةةة

بعض من أيام المستضعفــ 4 ـين (يوميات ملعم)

 
 
ألا ساء صباح الدمى

هذا اليوم يختلف عن باقي الأيام، سنلتحق بالمدارس الابتدائية لتطبيق ما تعلمناه من نظريات على مدى سنة كاملة، والحق أننا ما عرفنا مما حصلنا شيئا، فلم أجد سببا واحدا يجعلنا أسرى نظريات “الجشطلت” الألمان أو آراء جماعة “شيكاغو” في ميدان التربية وأوجه الشبه بيننا وبينهم تكاد تنعدم تقريبا في كل شيء…

ولجت مدرسة المهدي بن تومرت القريبة من مركز تكوين المعلمين. وبحثت عن قسم المعلمة “ل” التي تدرس اللغة العربية لتلاميذ القسم الخامس، كان هناك مقعد واحد فارغ في آخر القسم بجوار طفل تبدو على محياه أمارات الكسل والخمول، لدى جلوسي بقربه مد يده إلي مصافحا، وحاصرني بسيل من الأسئلة عن اسمي، وعن المدة التي سأقضيها معهم، ثم أردف بنبرة العارف بخبايا النفوس: سيطيب لك المقام بيننا لسببين، الأول أن المعلمة “ل” قطة جميلة تسر الناظرين، والثاني لأن هذا القسم من أوفر الأقسام حظا في النشاط والدعابة والمرح… وحدجني بنظرة متسائلة قبل أن يكمل حديثه: هل تدري لماذا؟ قلت ضاحكا: لست أدري لذلك سببا، فأنا حديث العهد بقسمكم كما ترى، اقترب مني برأسه، وبصوت أقرب إلى الهمس ألقى إلي بسر المرح العجيب: الكل هنا يتناول المعجون، قلت مندهشا: هل تقصد الخليط المخدر الذي يمزج فيه الكيف بالفواكه الجافة؟ أجاب وهو يخرج لفة من القماش من جيبه ويطلعني على محتواها: هو بعينه يا صديقي، كل التلاميذ هنا يشترون مني على قدر حاجتهم… يا لهول المصيبة، حتى الأقسام الابتدائية لم تسلم من ترويج المخدرات، قلت له مستفسرا، ولكن ما الذي دفعك إلى هذه الأمور الخطيرة؟ قد يتسبب لك هذا في كثير من المشاكل، أجابني بنبرة حزينة: والدي في السجن، ولا أحد يهتم بي، هل تعلم أنني إذا لم أقم بهذا العمل فلن أجد من يشتري لي الدفاتر والأقلام…

صباح الخير يا معلمتي… هتف التلاميذ بشكل جماعي معلنين دخول المعلمة، اتجهت نحو مكتبها تجر رجليها في خيلاء وزهو… لم تكن قطة كما أخبرني صاحبي “الحشاش” بل دمية طلت وجهها بكل الأصباغ التي تيسر لها اقتناؤها، ومن يدري فلربما كانت تنفق نصف راتبها في إصلاح ما أفسده الدهر، رمقتني بنصف نظرة من تحت رموشها، ثم اقتربت مني في خطى وئيدة: أنت الطالب المعلم الذي سيتدرب عندي هذا الأسبوع؟ قلت مبالغا في إظهار الاحترام: نعم يا أستاذة؟

استدارت نحو مكتبها وقالت: قم معي سأعطيك الجذاذات الخاصة بهذا اليوم، سلمتني الجذاذات وانصرفت، كان من المفروض أن تلقي المعلمة الدروس بنفسها، بينما أكتفي أنا بتدوين الملاحظات، لكن الدمية فضلت استغلال فرصة وجودي للذهاب عند زميلتها للتداول بشأن آخر صيحات الموضة، وبشأن تسريحة الممثلة فلانة في المسلسل الفلاني، وللحديث قليلا عن المعلم الذي يملك سيارة ولم يظفر بعد برفيقة دربه.

آه …رمتني بدائها وانسلت… لم أستطع السيطرة على الوضع، فقد طفا مرح الأطفال المخدرين على السطح… آ السي، آ السي… اقتربت من الطفلة التي آذت مسامعي بصراخها… رويدك، ما هذا الضجيج؟ دنت من أذني وقالت متصنعة الرومانسية: هل لديك صديقة؟ إذا أردت أن تتخذني صديقة لك لا مانع لدي، شدهت لجرأتها أولا، ولخوضها في أمور لا يجمل بصبية في سنها أن تخوض فيها ثانيا، قلت متأففا: من أين تعلمت هذا الكلام؟ قالت وهي تغالب ضحكتها: من “ماريا سلستي”، ألا تتابع المسلسلات المكسيكية؟ قلت: لا، يكفيني هذا المسلسل المرعب الذي أتابعه اليوم، اسمعي أنا في مقام والدك… قاطعتني: بل في مقام أمي، ثم انفجرت ضاحكة… تركتها وقلبي يتمزق لوعة على الحال الذي آلت إليه الطفولة في بلادنا، وقبل أن أكمل طريقي إلى السبورة لأبدأ الدرس قفزت طفلة أخرى تجلس في مقدمة الصف المواجه للمكتب على الطاولة، وراحت تتلوى مقلدة شاكيرا فأثارت عاصفة من التصفيقات والصفير في القسم، لم أتمالك نفسي فتوجهت نحوها وهويت على أم رأسها بصفعة أسقطتها أرضا…

ساد صمت ثقيل بين التلاميذ مكنني من إلقاء الدروس في سهولة ويسر، فليذهب التشريع إذا إلى الجحيم، ولتتبعه كل النظريات التي تحظر الضرب، قبل انتهاء الدوام المدرسي وجدت الدمية أمامي تسألني عما إذا كنت قد استفدت قليلا … وأنعم بها من استفادة أن يرى المرء ما رأيت في سويعات قليلة، حين كنت أهم بمغادرة القسم استوقفني “الحشاش” قائلا: إذا لم تكن مشغولا هذا المساء فلنحدد مكانا نلتقي فيه لنذهب إلى السينما، لا تخف، سأدفع ثمن التذاكر، ضحكت كثيرا وأنا أسأله: هل هناك أفلام جيدة هذا المساء؟ قال بخبث: هناك فيلم هندي من بطولة “شروخان” وآخر… وبتر كلامه وهو يغمز بإحدى عينيه، ففهمت أنه يقصد أن الفيلم الثاني خليع… ترى ماذا ستقول جماعة “شيكاغو” في طفل كهذا؟!

في الغد حين عدت لمواصلة التدريب منعتني الدمية من دخول القسم، كان الشرر يتطاير من عينيها وهي تعنفني: هل تعلم أن الصبية التي صفعتها البارحة بنت شرطي؟ ألم تجد غيرها؟ لقد جاء والدها إلى هنا في الصباح، فاحمد الله لأنه لم يجدك، كان يود متابعتك أمام القضاء، قلت مدافعا عن نفسي: ولكنها كانت تقلد شاكيرا، كيف سأتصرف معها؟ قالت بحنق: وما شأنك أنت؟ فلتقلد شاكيرا أو اعتابو، والدها يدفع مبالغ طائلة لتتعلم الرقص في معهد متخصص بحمرية، فكيف تسمح لنفسك بأن تمد يدك عليها؟!… في النهاية طلبت مني الدمية ألا أريها خلقتي طيلة مدة التدريب التي سأقضيها معها، ووعدتني أنها ستتغاضى عن غيابي… غادرتها وغصص الألم تمنعني من ازدراد اللعاب، كنت أعزي نفسي وأنا أجر رجلي بتثاقل نحو البيت بتساؤلات لا طائل من ورائها…

من أين لشرطي بكل هذه الأموال لتسجيل ابنته في معهد للرقص؟ لابد وأنه مرتشي، ثم… ثم… أما كان الأجدر به أن يسجلها في مدرسة للتعليم الحر حيث مستوى الدراسة أرفع شأنا من المدارس المخصصة لمن هب ودب؟ حقا إنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور… وحتى لا يكتشف غيابي، قمت بتدوين ملاحظات، مستوحاة من خيالي، على دروس الدمية، لم تكن فيها أدنى إشارة لابنة الشرطي أو المعجون، ولا حتى لصديقي “الحشاش” الذي لا ينسى…      

يتبع…