كتاب: بعض من أيام المستضعفــ 10 ــين (يوميات معلم)

فريق التحرير

ىةةةة

بعض من أيام المستضعفــ 10 ــين (يوميات معلم)

نفثــــة مصـــدور

بعد وصوله مباشرة إلى المدرسة، أرسل المدير الحارس للمناداة علي وعلى “س” و”م”، أيقظنا من النوم… المدير يدعوكم، إنه ينتظركم في الإدارة… بسرعة أرجوكم، ارتدينا ثيابنا، ونحن نفكر في سبب هذا الاستدعاء المباغت، أتراه قد علم بأننا غادرنا المدرسة عشية السبت الماضي؟ الأخبار هنا تتناقل بسرعة غريبة، خاصة تلك التي نكون أبطالها، استقبلنا المدير مبتسما على غير عادته، تفضلوا أرجوكم… بعد أن أخذنا أماكننا متحلقين حول مكتبه، توجهنا بأبصارنا نحوه مستطلعين سبب دعوته..

أحم.. احمم.. كما تعلمون مجموعتنا المدرسية تضم الكثير من الفروع، وحتى لا أطيل عليكم، فالفرعية المتواجدة “بالمخفية” في حاجة إلى معلم، قلت: كم عدد التلاميذ بهذه الفرعية؟ أجاب : عددهم لا يتجاوز الخمسين والقسم الذي قلنا أنه في حاجة إلى معلم لا يتجاوز عدد التلاميذ فيه التسعة، قلت معقبا: كما ترى كل واحد منا يدرس ما يفوق أربعين تلميذا، إذن من المستحيل أن يترك أحدنا قسمه ليلتحق بالمخفية، قال متضاحكا: لا شيء مستحيل في مهنتنا، ستختارون واحدا من بينكم للذهاب إلى هنالك.

كان من الصعب على أي واحد منا أن يترك ” أفراس” لا لسواد عيونها، ولكننا كنا قد ألفنا الحياة بها ووطنا أنفسنا على التعايش مع ظروفها القاسية، لهذا قلت محتجا”: أنا لن أذهب إلى هناك نظر المدير إلي بغضب: هل تظن نفسك في ضيعة والدك؟ لم أتمالك نفسي فقلت له: لست في ضيعة والدي ولا في ضيعة والدك، تطور النقاش بيننا إلى سباب متبادل وتدخل المعلمان لتهدئتنا، فأقسم المدير بأغلظ الأيمان ألا يبعث إلى المخفية غيري، وقد علمت فيما بعد أن الممثل الجماعي الذي ينوب عن سكان دائرة المخفية من نفس الحزب الذي ينتمي إليه مديري، فكان تنقيلي إليها نوعا من الولاء الحزبي الذي لا يمت إلى التربية والتعليم بصلة..

وفور تنقيلي انتابني انقباض غريب، شعور يحسه كل من أقدم على أمر جديد لم يسبر أغواره، أنيطت إلي مهمة تدريس القسم الأول الابتدائي، ولم يكن هناك قسم أصلا، وقد اقترح بعض السكان أن أتخذ من المسجد مكانا للتدريس لأن المسجد لا يؤمه المصلون سوى يوم الجمعة – والذي صار عطلة رسمية للتلاميذ- دخل الناس في مشاحنات حادة حول مدى شرعية التدريس بالمسجد، فكانت الدراسة تتوقف أسابيع بأكملها قبل أن تستأنف من جديد صاح أحدهم: لقد سمعت من فقيه أوزاي أن التدريس بالمسجد حرام لأن الأطفال حتما سيتبولون فيه… يا سيدي وهل فقيه أوزاي هذا أفقه من مالك والشافعي وغيرهما ممن اتخذ المسجد مكانا لإلقاء الدروس؟

تدخل شاب من المساندين لتحويل المسجد إلى مدرسة ، كل الذين يعارضون هذه الفكرة ليس لديهم أبناء في سن التمدرس، غدا سيكبر أبناؤهم، وسيضيق بهم القسم الوحيد الموجود في الدوار كما ضاق بغيرهم اليوم، في النهاية قرر قرار المعارضة على السماح بالتدريس في المسجد، خاصة بعد أن أخبرهم ممثلهم بالجماعة بأن زيارته لنائب وزير التربية الوطنية لم تسفر عن شيء يذكر، وأنه لم يزد على أن قال “احمدوا الله لأن المسجد تحول لديكم إلى مدرسة” ، وأنه في صباه اتخذ المسجد رفقة أترابه مكانا للعب الورق.

اشترط الناس أن تظل أحذية التلاميذ خارج القسم، وأن أعمل على إخراج الطاولات كل جمعة، كان الأمر شاقا بالنسبة إلي وبالنسبة للأطفال كذلك، فأحذيتهم تصاب بالبلل حين تتهاطل الأمطار، وقد يحدث في بعض الأحيان أن تتشابه عليهم الأحذية فينشب العراك بينهم إلى أن أتدخل متوعدا بالعقاب فيهدؤون..

آسي… كريم سرق حذائي الجديد، لقد جلبه لي والدي من فرنسا… يا لهول الكارثة ، إنه حذاء ثمين كيف أواجه أسرته؟ …اندفعت إلى الخارج باحثا عن كريم العفريت الذي اختفى عن الأنظار أسبوعا كاملا استنفذت فيه كل الأعذار أمام أسرة الضحية، قبل أن تسوقه أمه تحت وابل من الصفعات واللكمات بعد أن اكتشفت أن العفريت الصغير لم يكن يتوجه إلى المدرسة، بل كان يختفي قرب شجرة البلوط إلى أن يعود التلاميذ إلى منازلهم، حمدت الله وأثنيت عليه حين استعدت المسروق وحرصت بعدها على مراقبة أحذية الأطفال، واجب ثقيل آخر انضاف إلى سلسلة واجباتي صرت مؤذنا وإماما في غياب الفقيه، بل وصرت مرشدا طبيا يقصدني الناس لأصف لهم الأدوية.. يا أستاذ ، أريد أن أسألك عن أنجع طريقة لتفادي وقوع الحمل، رحت أستعرض كل ما وعاه ذهني أيام الدراسة عن وسائل منع الحمل، ظنا مني أن السائل يبحث عن طريقة مثلى لتنظيم أسرته.

تناهى إلى علمي شهورا بعدها أن السائل تسبب في حمل فتاة يافعة في دوار مجاور، فأحسست ببعض الذنب لأنني أوحيت إليه بطريقة كلامي أن من شأن هذه الوسائل أن تمنع حدوث الحمل مائة بالمائة.. رويدا رويدا، أصبحت لدي مكانة خاصة في الدوار فتسابق الناس على استضافتي في بيوتهم، جلهم كانوا طيبين خلاف سكان “أفراس”فأشعرني ذلك بالأسى، إذ تقمصت دورا يكبرني كثيرا، في قرارة نفسي رغبت أن أكون قدوة صالحة وبذلت جهدا كبيرا في سبيل ذلك، فقد تطوعت لتقديم دروس محو الأمية للكبار، وقدمت ساعات إضافية للتلاميذ، بل وكنت أدعوهم يوم الأحد إلى المدرسة مواجها مشاكل جمة فمرة شتمتني أم أحد الأطفال لأنني أدرس طفلها في وقت تكون فيه في أمس الحاجة إلى مساعدته، حاولت فعل شيء ذي بال ولم أفلح، حالت بيني وبين مطامحي الحواجز فشل مشروع محو الأمية، وأحسست مع توالي الأيام أنني لا أقوم بواجبي تجاه الصبية على الوجه المطلوب، كان علي أن أدرس نصوصا عن البريد والأضواء الثلاثة والمستوصف ومحطة القطار لأطفال لم يغادروا دوارهم يوما، أطفال لم يسمعوا عن الطريق المعبدة، أطفال حين سألتهم عما إذا كانوا قد زاروا المدينة أجابوا جميعا بأن زميلهم “طارق” كان سيزور المدينة حين مرض ولم يفعل، نحيت المقرر جانبا واشتريت قصصا لجحا عملت على تدريسها فصدتني التشريعات الجامدة عن بغيتي وحالت دون تبليغ رسالتي، تلك التشريعات التي يلقيها علينا من فوق أولئك الذين ألفت مؤخراتهم نعومة الكراسي الوثيرة، قلت وأنا أبصق على مذكرة توصلت بها لتوي حول ضرورة تأثيث فضاء المدرسة بالجداريات وإنشاء متحف خاص بكل قسم: ” قدرك أيها المعلم أن تتحمل الإهانات في صمت قبوري، وأن تخدع نفسك قبل خداع الآخرين، سلموك أحجارا وبيضا وعليك أن تلعب بكل ذلك بطريقة البهلوان المحترف.
هو ذا دورك في مسرحية الاستحمار، ولعله أن يكون أقذر الأدوار اطلاقا ولعل نهاية المسرحية أن تكون وشيكة فيكون نصيبك من الازدراء أوفر الأنصبة، كما كان نصبك في استحمار الناس أعظم نصب”.

يتبع…