كتاب: بعض من أيام المستضعفيــ 11 ــين (يوميات معلم)

فريق التحرير

ىةةةة

بعض من أيام المستضعفيــ 11 ــين (يوميات معلم)

دراجة أكاكي أكيفتش

أيها المعلم البائس كفاك من زمانك القاسي ذلك الحظ اليسير من الدراهم تنفقها فيما تستر به عورتك، وتقيم به أودك، وحسبك من السعادة ألا تمد يدك إلى الناس أعطوك أو منعوك، وقد صرت اليوم رمزا للبخل في خيال السفهاء، ينسجون حولك الأحاجي والمستملحات، فهل علم هؤلاء أنه مع منتصف كل شهر يدق ناقوس المجاعة في مطبخك ويحاصرك الدائنون فتضيق بك المقاهي والطرقات…

لا أدري لماذا رددت بيني وبين نفسي، حين قررت الاستقرار بمركز مرنيسة الذي يبعد عن مدرسة المخفية حيث أدرس بحوالي ست كيلومترات، أنني سأقتفي خطى البائس أكاكي أكيفتش؟ رددتها دون وعي مني بادئ الأمر، ثم رحت أمعن النظر في سيرته، نعم ما أشبهني به، كنت معجبا بشخصيته وصموده وصبره، لكن شتان بين أن تقرأ عن المأساة وأن تعيشها، بطل قصة “المعطف” للروائي الروسي “غوغول” لم يجد مفرا من شراء معطف جديد، بعد أن حبل معطفه القديم بالرقع، حتى ما عاد يستحمل مغازلة الإبرة، ومعانقة الخيط، نصحه خياط خبير بأن عليه أن يتنازل عن فكرة إصلاحه من جديد، فراح يخطط لأمد غير يسير في الكيفية التي سيقتصد بها في نفقاته للإقدام على هذا الأمر الجلل، كان موظفا بسيطا مثلي، ولم تكن لديه أحلام واسعة أو آمال كبيرة، ولم تتعد أمانيه حدود الحصول على ضروريات الحياة، عانى الأمرين ولزمن طويل في سبيل توفير مبلغ يكفيه لشراء معطف يقيه قر البرد، تخلى عن كثير من اللمسات التي اعتبرها كمالية في معطفه الحلم، وحرم نفسه من الطعام أياما، اقترض من أصحابه وتحمل سخريتهم اللاذعة في صبر، وحين آن أوان اقتطاف ثمرة جهده المضني امتدت إليه يد آثمة في أحد الأزقة المظلمة لتسرق حلمه، فمات بعدها غما وحسرة.

كذلك كنت حين فكرت في شراء دراجة نارية تقلني من المدرسة إلى البيت، أنفقت جهدا مضنيا لجمع مبلغ ألفي درهم لشراء دراجة اكتشفت فيما بعد أنها لا تفي بالغرض خصوصا في رحلة الذهاب المليئة بالعقبات، علاوة على أنها بدون أوراق، ابتاعها مني زميل لي في العمل مقابل دراجة عادية ومبلغ ثمانمائة درهم لم أتوصل بها كاملة، والحق أقول فقد كانت لعنة تخلصت منها، فلدى بيعها انكسرت دعامتها الأمامية المتصلة بالمقود فكاد ذلك أن يودي بحياة زميلي المسكين، بعدها توالت الأعطاب عليها فأنفق صاحبنا في إصلاحها ما يعادل ثمن دراجة جديدة، أما أنا فباقتراح من والدي ومساعدة منه، قمت بشراء دراجة جديدة بالتقسيط وكان المبلغ المقتطع من راتبي الهزيل يؤلمني كثيرا، إذ ينضاف إلى واجب الكراء وواجبات أخرى أرغمتني على طلب المساعدة من الوالد بين الفينة والأخرى، كنت أصرخ في أعماقي أن قبح الله مهنة تجعل محترفيها عبئا على ذويهم.. محنة الدراجة لم تتوقف عند هذا الحد سميتها “القاتلة” فمرة التوت السلسلة على أشعة العجلة الخلفية وطوحت بي في مكان مقفر، أصبت إصابات طفيفة لم تثنني عن التفاخر بسرعتها وقوتها مما حذا بي إلى إرداف أحد الزملاء ذات يوم بعد تعطل دراجته فكان أن سقط أمام عجلات إحدى السيارات، زميلي هذا لم يستوعب أن “القاتلة” قد تضع حدا لمشواره المهني فاقترح علي مرة أن أمسك بيده بينما يمسك هو باليد الأخرى مقود دراجته العادية، أمسكت به ورحنا نقطع العقبة تلو الأخرى، وحين كنت أنعرج يمينا في أحد المنعطفات شرد ذهني في الطعام الذي سأعده بعد أوبتي فقد مللت من أكل المطاعم الوسخ، لم أفق إلا على صرخة حادة أطلقها زميلي وهو يهوي بدراجته في الجرف الممتد على جانب الطريق، أصيب بجروح في مختلف أنحاء جسمه، ففجر ذلك بداخلي عاصفة من الضحك لم أبد به حفاظا على مشاعر المصاب في الغد لم يقلع عن غيه، طلب مني أن أربط مقود دراجته إلى دراجتي بواسطة كوفية، وأثناء هبوطنا في أحد المنحدرات قررت التخفيض من السرعة تلافيا لكارثة البارحة، فاصطدمت دراجته بالعجلة الخلفية لدراجتي ملقية به أرضا، هذه المرة وبنبرة مستسلمة قال: إذا لم تقتلني هذه الدراجة فسيكتب الله لي عمرا طويلا.

ربما كنت وإياه أوفر حظا من أكاكي أكيفتش فلم نرضخ لنزوات “القاتلة” المدمرة في الوقت الذي راح فيه هو شهيدا للمعطف الجديد، لكننا أبدا لم نختلف عنه في المعاناة مع التهميش والحرمان، ترجلت عن “القاتلة” وولجت بيتي وأنا أخاطب نفسي بما يعجز لساني عن النطق به… ما ظنك بأمة تحتقر معلميها وترميهم بأقذع النعوت؟ وما ظنك بدولة تنفق في مهرجانات هز البطون أضعاف ما تنفقه في تعبيد الطرق نحو عوالم العلم والمعرفة؟ وما ظنك بمعلم يمقت اليوم الذي اختار أن يكون فيه معلما؟

يتبع…