كتاب: بعض من أيام المستضعفــ 14 ــين (يوميات معلم)

فريق التحرير

ىةةةة

بعض من أيام المستضعفــ 14 ــين (يوميات معلم)

مع الحمقى

فضاء المدرسة بالبادية لا حرمة له، ولعلنا وجدنا في هذا الأمر بعض العزاء عن عزلتنا الإجبارية، فكثيرا ما كنا نجد أنفسنا وجها لوجه أمام أحمق أو معتوه، نتلهى بالحديث إليه عن مآسينا، وننسى لبعض الوقت أننا معلمون نرزح تحت عبئ واجب التربية الثقيل.

تناهت إلى مسامعي ضحكات الصبية المكتومة بينما كنت أكتب على السبورة نص الإملاء، لم يكن من عادتي أن أمنعهم من الضحك، فلم آبه لضجيجهم، فجأة انفجروا ضاحكين محدثين صخبا عارما بتعليقاتهم، التفت إليهم بغضب: هل تظنون أنفسكم في المسرح؟ كانت أصابعهم تشير إلى باب القسم حيث وقف “عمر البوهالي”  بسحنته المخيفة المتسخة، تقدم مني بخطى ثابتة وطلب مني أن أسمح له بتدريس الأطفال لبعض الوقت، أعجبني الاقتراح، كانت فرصة مواتية لأرتاح قليلا، قدمت له قطعة طباشير وشجعته بابتسامة مني كي يبدأ، وانتحيت جانبا أتفرج على هذه المهزلة المعبرة، أخذ يتكلم بحدة موجها خطابه للأطفال: أنتم تخشون حرف الراء كثيرا، لكنه سهل للغاية، انظروا كيف يكتب، وخط حرف الراء على السبورة وناولني الطباشير ثم رجاني ألا أضرب التلاميذ وطلب مني قطعة خبز، فغادرت القسم نحو المسجد المحاذي للمدرسة وأحضرت له طلبه فوجدته منسجما مع الأطفال كانوا يضحكون ملء أفواههم أخذ مني الخبز وودعني شاكرا، واعدا إياي بالعودة… قلت لنفسي ليت أولئك الذين أرهقوا مسامعي بالحديث عن الأهمية التي توليها الوزارة الوصية للطفل القروي في اجتماعاتهم التافهة، يلتقون “بالبوهالي” ليدركوا أنه أفضل من يمكنه تنفيذ مناهجهم الخرقاء، لم يمض على التقائي “بعمر” سوى أسبوع واحد، لأفاجأ أثناء ولوجي للقسم ذات صباح بوجود رجل أنيق في الخمسينات من عمره، يرتدي جلبابا وطربوشا وطنيا يجلس على المقعد المخصص لي، سلمت عليه وقبل أن أسأله عن سبب دخوله إلى القسم، دخل أحد سكان الدوار وجذبني نحو الخارج حيث أفهمني أن الشيخ خريج جامعة القرويين، وأنه أصيب بمرض نفسي منعه من السيطرة على سلوكه، والحق أن الشيخ كان ذا حظ وافر من العلم وقد استمتعت بالحديث معه، فقد انتقل بي من الحديث عن التاريخ الأموي والعباسي، إلى الحديث عن الشعر ثم عرج إلى الحديث عن مدارس الفقه وعن نشأة علم الأصول… ودون سابق إنذار طلب من أحد التلاميذ أن يناوله كتاب القراءة، وأخذ يتصفحه بروية قبل أن يتوقف عند نص بعنوان ” القط المتهور” وأخذ يتلوه جهرا، كان النص يتحدث عن جماعة من الأرانب في حوارها مع قط فار من أمه، وقد أثار ذلك امتعاض الشيخ فصرخ مستاء: لعنة الله على هذه الوزارة الكذابة، كيف يدرسون للأطفال أن الحيوانات تتكلم؟ ثم هل يعقل أن تكون للأرانب جماعة، فليتحدثوا عن جماعة “أفراس” أو “تمضيت” ثم أغلق الكتاب بعصبية وخاطبني بنوع من الجفاء: أنا ابن المنطقة، أنا أولى بالتدريس منك هنا وأكثر منك علما لم أعقب على حديثه، فلربما كان مصيبا، إذ لم أستطع التأقلم مع أجواء العمل الجامدة رغم توالي السنين، ولا وجه للمقارنة بين معرفتي الضحلة ومعارفه الواسعة.

لم أكن الوحيد الذي عاش قصصا مسلية مع الحمقى، فذات مرة فوجئت زميلة لي بوجود رجل في آخر القسم، وهو يتصفح دفترا ضخما، ولأنها حديثة عهد بالتدريس في مدرستنا، ظنته مفتشا فارتبكت لأنها لا تتوفر على الوثائق اللازمة، من توزيع شهري وجذاذات وغيرها، أمضت لحظات حرجة قبل أن تكتشف أن الأمر تعلق بمعلم فقد عقله، أغرقت في الضحك قبل أن تتملكها عاطفة من الشفقة تجاه المسكين الذي يظل مصيره قدرا محتملا لجميع من سار في دربنا الشائك.

وتظل أطرف واقعة مع رفاقنا الحمقى تلك التي عشتها ذات مساء حين كنت أهم بركوب دراجتي وإذا بفتاة في الثلاثينات من عمرها توقفني ، كانت تنظر إلي نظرات مريبة، أدركت للتو أنها غير عادية، حاولت أن تمسك بي من يدي فأربكتني، قلت لها محاولا التملص من إلحاحها، أن هناك زميلا لي يبحث عن زوجة ولن يجد أفضل منك، كان صاحبي قد تأخر عني لبعض الوقت، وما إن رأيته متجها نحونا متهاديا في مشيته حتى أومأت إليها أنه الهدف المنشود، تركتني واندفعت نحوه في مرح طفولي، وهي تسأله بحروف متقطعة متى ستتزوجني؟ أفلت منها واتجه بسرعة نحو دراجته، وحين كان يهم بالابتعاد عنها أمسكت بمؤخرة معطفه، فتدحرج على الأرض محاكيا حركات البهلوان، كدت أستلقي على قفاي من شدة الضحك، بينما راح “روميو” ينفض الغبار وهو يشتمني بكل ما أوتي من قوة، ظلت “جولييت” تتردد أسبوعا كاملا على المدرسة، ذاق فيها “روميو” الأمرين قبل أن تختفي تماما لتتركنا مرة أخرى للرتابة والملل وغبار الطباشير..

يتبع…