كتاب: بعض من أيام المستضعفــ 17 ــين (يوميات معلم)

فريق التحرير

ىةةةة

بعض من أيام المستضعفــ 17 ــين (يوميات معلم)

لحظة نضال

طرقات خفيفة على الباب.. كانت الساعة تشير إلى حوالي التاسعة ليلا، وهو الوقت المفضل لدي للمطالعة، كنت وحيدا، لا أجد متعة تعدل متعة الإبحار في دنيا الكتاب، أنسى فيها عالمي، وأنفصل عن دنياي فلا يبقى هنالك أثر لغبار الطباشير وضجيج الصبية وشبح المفتش المخيف، أعادني صوت الطرقات إلى الواقع، فقمت متثاقلا لأفتح الباب.. من عساه يأتيني في هذا الوقت من الليل؟ مرنيسة تنام في تمام الساعة السابعة، فمن ذا الذي تجرأ على هتك عذرية ليلها؟ فتحت الباب فهالني أن أجد واحدا من مسؤولي النقابة وهو يتأبط شرا…

كومة كبيرة من الأوراق والملصقات، لاشك وأنها تتحدث عن أمجاد نقابتنا العتيدة، بعد تبادل عبارات المجاملة المعتادة دعوته للدخول.. تفضل، لقد جئت في وقتك.. لم يكن قد أتى في وقته بالفعل، ولكنها عبارات بليدة تغافلنا وتنساب من بين شفاهنا رغما عن إرادتنا، ولا نحس بأثرها الوخيم إلا عند سماعها.. اعتذر بلباقة، فحمدت الله وأثنيت عليه… لكنه عاد ليجهز على تفاؤلي الساذج… أنا في حاجة إليك الليلة سنقوم بتوزيع بعض البيانات على رجال التعليم بالمنطقة، فغدا كما تعلم اليوم الأول للإضراب الوطني عن العمل، ويجب أن نستعد بشكل كاف لهذه المعركة، ستنظم نقابتنا وقفة أمام مبنى نيابة وزارة التربية الوطنية، ومسيرة ستجوب شوارع مدينة تاونات، وعلينا أن نبدأ التعبئة منذ الآن.

خيمت علي سحابة من الحزن من جديد.. لن أنعم الليلة بقراءة “معذبو الأرض”، أمامي مهمة أخطر… استخدمنا الدراجة في التنقل بين منازل المعلمين والأساتذة، وبعد ساعات من العمل النقابي الدؤوب أوصلت صاحبي إلى بيته وقفلت راجعا، لم ينس أن يؤكد بأنه سيوقظني في الصباح الباكر لنذهب معا إلى تاونات…

حين وصلت إلى البيت كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، نزعت حذائي وانغمست في الفراش، وفي الصباح وقبل أن أتناول طعام الإفطار، كان صاحبي النقابي أمام باب منزلي، غادرنا عبر سيارة للنقل السري إلى تاونات رفقة قطيع صغير من الخراف، وأمام مبنى النيابة وجدنا جموعا غفيرة من المناضلين في انتظارنا، فما كان منا إلا أن انخرطنا مع الحشود في ترديد الشعارات، ويبدو أن ذلك لم يرق أحد المسؤولين بالنيابة، فاقترب منا قائلا:لستم غير زمرة من الحمير، من تحسبون أنفسكم؟

ثارت ثائرة المناضلين الذين تحلقوا حول المسؤول المبجل، وأخذوا يرددون الشعارات، ثم راحوا يتداولون بشأن الرد المناسب على اعتدائه، قال أحد المعلمين وهو يغلي من شدة الغضب، ليضربه كل واحد منا بركلة جزاء وفاقا على وصفه لنا بأننا حمير، وسيتفرق حينها دمه بين القبائل، لا يمكن أن نعاقب جميعا من أجله، لم ترق الفكرة معظم الحاضرين، وإن كان هناك ثلة من المعلمين، ممن تنطق قسمات وجوههم بالغبن، قد حبذوا هذا الخيار، في نهاية المطاف تدخل أحد كوادر النقابة وهدأ الجموع، ووعد بأنه سيدخل من فوره إلى النائب لتسوية المشكل ولإجبار المعتدي على الاعتذار…

حين خرج النائب علينا، دخل في مشادة مع أحد المعلمين ممن كانوا يعتلون سور النيابة، وعندما نزل قام بركله، فاجتاحت المناضلين عاصفة من الضحك وتعالت التعليقات الساخرة: الفقيه الذي نرتجي بركته ولج المسجد ببلغته.. هذا ما كان ينقصنا.. ألا يكفي أننا نجلد على مدار السنة… انفضت الوقفة الاحتجاجية، لم يعتذر المسؤول ولا رئيسه، لملم المعلمون قهرهم، وجراح كرامتهم وغادروا المكان وهم يشتمون في سرهم النائب والنقابة على حد سواء، أما أنا فقد كنت واثقا من أن أجمل شيء في هذا الإضراب، هو استراحتنا من هموم القسم.

يتبع…