كتاب: بعض من أيام المستضعفــ 18 ــين (يوميات معلم)

فريق التحرير

ىةةةة

بعض من أيام المستضعفــ 18 ــين (يوميات معلم)

يوم تحسيسي لفائدة الطفل

لأول مرة منذ إقامتي بمرنيسة أسمع عن نشاط ثقافي.. كانت المبادرة من وحي خيال أحد شباب المنطقة المثقفين، وقد بذل جهدا خرافيا لإنجاحها، وبما أن النشاط اتخذ صيغة يوم تحسيسي لفائدة أطفال البادية، فقد وجد المعلمون أنفسهم ملزمين بإنجاحه،عهد إلي بتدريب تلامذتي على أداء مسرحية غنائية موضوعها معاناة الطفل الفلسطيني، لتزامن النشاط مع بداية العدوان الإسرائيلي على مخيمات “جنين”.

دعي لحضور الحفل الذي أقيم على ضفاف الوادي الذي يخترق المخفية، ممثلون عن السلطة المحلية، وممثلون عن الإدارات العمومية بمرنيسة، بالإضافة إلى عناصر من أسرة التعليم، أقيمت خيمة كبيرة لاستقبال الحضور الكريم، ووقف الأطفال مصطفين منذ السابعة صباحا في انتظار انطلاق الأنشطة، كان المدعوون يصلون تباعا إلى الخيمة فتعمد اللجنة المنظمة لليوم التحسيسي إلى استقبالهم والتصفيق عليهم وكأنهم قد أتوا بالمعجزات، وصرخات أفرادها تخترق الأجواء: اجتماع طارئ للجنة المنظمة.. اجتماع طارئ.. وخاصة إذا كان القادم من العيار الثقيل، مثل القائد أو خليفته، عند الزوال كان نصاب المدعوين قد اكتمل، وأرجل الأطفال قد تورمت من طول الوقوف، فأعطيت إشارة الانطلاق للصبية، ولأن الحر كان شديدا فقد شعر الأطفال بالإجهاد أثناء أدائهم لبعض الألعاب الرياضية.

صب عليهم “ب” جام غضبه: أهذه هي الرياضة التي علمتكم إياها؟ ألا تأكلون الخبز؟.. ضاع تعبي سدى.. فضحت أمام الناس،.. ثم جاء بعدها دور المسرحية التي دربتهم عليها، فكان الأداء باهتا، بسبب غياب الميكروفونات، إذ كانت أصواتهم تذهب أدراج الرياح..

كنت أضحك بكل جوارحي، رغم أن القضية التي تعالجها المسرحية تبعث على الأسى والحزن، لكنني لم ألتفت لكل ذلك فقد شغلت بحركات الأطفال المرتبكة ومحاولاتهم اليائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. فمراد مثلا تناسى أنه أمام الجمهور وصرخ في وجه زميله: أيها الحمار، لقد أخطأت، ثم لقنه ما يجب عليه فعله، وأمسك عماد رأسه مولولا: سيقتلنا المعلم، لقد قضينا أسبوعين كاملين في التدريب على هذه الأدوار..

حين انتهوا من عملهم اقتربت منهم وصفقت عليهم بحرارة، فتحلقوا حولي ضاحكين، أفهمتهم أنهم أصيبوا بإرهاق شديد بسبب المدة التي وقوفها تحت الشمس، وبسبب ممارستهم لألعاب مجهدة.

بعد انتهاء الأنشطة ألقى رئيس اللجنة المنظمة كلمة أشاد فيها بجهود السلطات المحلية في إنجاح “اليوم التحسيسي”، كما أشاد بدعم الجمعيات المسيسة التي قدمت الجوائز للأطفال، وفي الختام دعينا إلى وليمة عامرة بما لذ وطاب، وانصرف الأطفال إلى منازلهم، حين عدت أدراجي إلى منزلي ندمت كثيرا على مشاركتي في هذا العمل اللئيم الذي مورست فيه ألوان من التعذيب في حق أطفال البادية، لم أرجع من كل ما شاهدت في ذلك اليوم بفائدة تذكر سوى أنني ملأت بطني بالأطعمة الشهية، وفهمت بأن لا شيء في بلادنا يراد به وجه الله، فالانتخابات حاضرة في كل حركة وسكنة في مثل هذه الفلتات التي لا تتكرر دائما، أما الأطفال فقد قضوا يوما كاملا من العذاب ذاقوا فيه مرارة الجوع والعطش والخوف واكتووا بلهيب الشمس، فحق لهم ألا ينسوا فضل ذلك اليوم التحسيسي، في سائر أيام حياتهم، في تنبيههم إلى كونهم أداة للفرجة ككل الصغار في يد الكبار يعبثون بها كيفما شاءت أهواؤهم.

يتبع…