التلفزة المغربية ..وصناعة التكلاخ العمومي

فريق التحرير

b (2)

التلفزة المغربية ..وصناعة التكلاخ العمومي

أريدال يوسف

الإعلام العمومي من القطاعات المهمة في أي دولة، ويكتسي دور ريادي وأساسي في إصلاح باقي القطاعات، فهو قناة لتصريف جل المشاريع التي تعرفها الدولة وهو وجه الحكومة تجاه الشعب، ولسان كل الأطياف والفصائل السياسية في المشهد السياسي مهما اختلفت وجهات نظرهم ومشاربهم، والقناة السليمة التي تؤطر الحوار بين الساسة و المنتجة للأفكار، والحاضنة لتشكيل الرأي العام حول القضايا المصيرية للشعب والدولة.

لكن عندما يكون الإعلام في بلد مازالت الديمقراطية فيه عبارة عن كلمة يزين بها الساسة كلامهم وتفوح بعطرها في صالوناتهم المخملية، وتظفي بجمالها قبح برامجهم السياسية، وعلى جوادها يمر الدستور الممنوح كالبرق، وتحت عبائتها تحاك حكومات صورية، وصناديقها تنصب النكرات علية للقوم، فطبيعي أن يكون الإعلام قطاع متهالك ولا يؤذي الرسالة المنوطة به.

في ظل هذا المعطى، فقنوات القطب العمومي المتمثلة في القنوات التلفزية التابعة للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، وقناة دوزيم التابعة لشركة صورياد، وقناة ميدي 1 تي في، ووكالة المغرب العربي للأنباء، ليست استثناء عن القاعدة، نظرا لغياب استراتيجية واضحة في المشهد الإعلامي المغربي. وإذا تصفحنا تاريخ السياسات الإعلامية بالمغرب لابد وأن تلاحظ بالملموس، الهاجس الأمني يحضر باستمرار في تسيير هذا القطاع الحيوي ويبرز جليا من خلال الرجالات الذي كانوا يتحكمون في زمام الإعلام التلفزي الذي يعتبر الأهم في المشهد، فمنذ أواسط الثمانينيات والقطب العمومي يتبع بشكل ضمني وزارة الداخلية من خلال الإشراف عليه من طرف رجالات سلطة وإعلاميون موالون لرجال دولة، ومحمد طريشة الذي عمر طويلا على رأس إدارة الإذاعة والتلفزة المغربية لم يكن سوى رجل سلطة من درجة عامل،وفيصل لعرايشي رجل من رجالات الهمة وكذا سميرة سطايل الشخصية المتنفذة داخل دوزيم ،ومحمد الأيساري وعبد الرحمن عاشور من رجالات السلطة وغيرهم.

هذا التحكم الأمني والإداري قاد الإعلام العمومي إلى التعتيم على الشعب المغربي وتوظيفه سياسيا ، يتجلى هذا من خلال التغييب الكامل للأحداث والتطورات التي تقع في البلد والتي تكون لا تخدم مصالح المخزن، مما حول الإعلام الى بوق لتمرير سياساته، وإلى الإغراق في البرامج والافلام غير ذات فائدة.

يتجلى التعتيم والتوظيف السياسي جليا من خلال الخط التحريري الذي يتبناه الإعلام المغربي ، فالمتتبع للتلفزة المغربية سيلاحظ نوعا من العشوائية في انتقاء الأخبار داخل البلاد وخارجها التي توافق المتحكمين في دواليب الدولة والإعلام،فنوعية الأخبار المقدمة على قنوات القطب العمومي لا تعتمد على الاحترافية والمصداقية ،وما يخضع له من معايير متعارف عليها في أعراف الصحافة، بل يخضع الخبر للتقلبات والظروف السياسية المحيطة والمؤثرة في الواقفين وراء هذه الوسائل ، وقد يقوم بإهمال وتعتيم على أحداث ووقائع مهمة داخل البلد،ويقدم عليها أخبار تتعلق بالفن أو الرياضة أو تتعلق بدول أمريكا اللاتينية أو إفريقيا . وتعطي لأخبار تافهة أو غير مؤكدة حجم إعلامي كبير وحيز زمني وغالبا ما يكون الغرض فيها تصفية حسابات سياسية وإيديولوجية ولنا مثال من الأمس القريب، كيف تم التعامل مع وفاة زعيم جماعة العدل و الإحسان في الإعلام العمومي بإدراج خبر مقتضب لا يعكس مكانة الأستاذ وزخمه الفكري وأعماله الجليلة التي قدمها طوال حياته، وفي النقيض إعطاء حيز زمني أكبر من اللازم لشاب حاز جائزة في “الغناء” استضافة مباشرة ونشرات مصاحبة لهذا الحدث.

هذا مجرد مثال بسيط للتوظيف السياسي والإيديولوجي ولتوجيه أنظار المشاهدين إلى قضايا تافهة، فتنتفي بذلك المصداقية و الموضوعية من النشرات الإخبارية لإعلامنا العمومي على مستوى باقي البرامج ،فإذا كانت الرسالة الإعلامية حاملة لوظائف تربوية وتثقيفية و ترفيهية واجتماعية ،تسعى لبلورتها في جدولة الأعمال على القنوات وتكون في مستوى طموح المشاهد ، فالقطب العمومي لا يمتلك أية رؤية من هذا الجانب ،ويظهرهذا جليا من خلال إغراق التلفزة المغربية ببرامج غنائية و موسيقية و مسابقات في هذا المجال تأخذ حيز زمني يستمر لعدة أسابيع وما يتطلب من إشهارات وبرايمات كل أسبوع ويوميات تأخد حصة الأسد في أوقات الذروة، وأفلام و مسلسلات أجنبية من كل الدول (التركية، الكورية، المكسيكية، المصرية، السورية، اللبنانية) التافهة والدبلجة المقرفة المثيرة للتقزز، ومع ما تحمل هذه الأفلام والمسلسلات من ثقافات ومشاهد لا تمت لتقاليدنا وأعرافنا بصلة، وتمرير مشاهد خليعة وأفكار إلى الناشئة خطيرة جدا، والتي تجعلنا ندق ناقوس الخطر الذي يهدد أسرنا من فرض للثقافة الميوعة و العري والاستهتار بالقيم الدينية والمجتمعية .

وحتى البرامج الإجتماعية والحوارية والشبابية في الإعلام العمومي لم تكن استثناء من القاعدة، ولعل المتتبعين في السنوات الأخيرة يلاحظوا توجه شركات الإنتاج إلى برامج أصبحت تأخد من معاناة الشعب المغربي مادة إعلامية لبرامجهم في ضرب واضح للرسالة الإعلامية النبيلة، وبدأت تتوالد برامج كثيرة من هذا القبيل وتشتغل في الإتجار في أعراض الناس من نزاعات زوجية وعائلية ومواضيع أخرى من رحم معاناة الشعب وهي محصلة لعقود من الإستبداد والقهر والأمية المفروضة على المغاربة، ويفسر تحول شركات الإنتاج المغربية إلى مثل هذه البرامج نظرا إلى التكلفة القليلة التي تتطلبها وتستهوي المشاهدين للفرجة بحكم الأمية .

في الأخير، يظهر من هذا كله أنه لايمكن للقطب العمومي التطور والإزدهار بدون أن تكون إرادة سياسية حقيقية لتجاوز هده العوائق، بإصلاح عميق يكون بدايته، حوار وطني يجمع جميع الساسة وفضلاء البلد للخروج بمشروع مجتمعي يجيب على جميع إشكالات البلد وليس المشهد الإعلامي فقط وإنما في جميع المجالات، والإصلاحات الجزئية لكل قطاع ومن أطراف منفردة لايمكن أن يوصل إلى نتيجة، وبتكاثف الجهود و بلورة ميثاق وطني يخرجنا من الإصلاحات الشكلية الصورية الى الإصلاح البنيوي العميق والرقي بالبلد إلى الأحسن.