كتاب: بعض من أيام المستضعفــ الكتاب كاملا ــين (يوميات معلم)

فريق التحرير

بعض من أيام المستضعفــ الكتاب كاملا ــين (يوميات معلم)

 

رابط الكتاب

انقر هنا

بعض من أيام المستضعفين (يوميات معلم)    يوسف الحلوي

 

 

 

 

ىةةةة

 

 

بعض من أيام المستضعفين

يوميات معلم

يوسف الحلوي

تقديم

كانت رحلة قاسية، لا لأني لا أقدر على التأقلم مع أجواء الاغتراب والبعد عن الأهل، ولا لأني لم آلف شظف العيش، ولا لعلة في الوسط الذي انتقلت إليه، فقد أحببت ذلك الوسط وأحبني أهله، وأحسست دائما أني واحد منهم، لكن أقسى ما عانيته حقا أثناء مزاولتي لمهنة التعليم، هو سوء فهم الأوصياء على قطاع التربية، لمعنى التربية كنت أجتهد رفقة الكثير من الزملاء الذين أكن لهم كل المحبة والتقدير في أداء واجبنا، فيقابل اجتهادنا بالإنذار والتنبيه والتوبيخ…
أبسط بين أيديكم قراء (القلم الأسود) الأحباء قصة جنود بسطاء مجهولين، ولعلي كنت واحدا منهم، ولعلي لا أستحق أن أنسب إليهم، فذاك حكم سيصدره القارئ حين يفرغ من قراءة قصتي.. أحلامهم صغيرة جدا، لكن آلامهم كبيرة ككل بسطاء هذا الوطن…
الاضطهاد

ما أعظم الأمانة الملقاة على عاتق رجال التعليم، إنها تتعدى حدود الشحن المعرفي إلى التربية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ومن ثم صناعة المواطن الصالح ذاك الذي سيبني، أو ربما سيهدم كل شيء…!!
في أحضان مركز تكوين المعلمين والمعلمات بمكناس حيث يفترض تخريج أفواج من المربين، اختلط حابل البحث عن لقمة للعيش بنابل الخضوع للمفعول السحري للوزرة البيضاء… منذ أن وطئت قدماك هذا المكان المقدس يا بني، عليك أن تكون مثالا لرجل التعليم المكافح، وأنعم به من كفاح… صاح أحد المؤطرين… أبنائي، إنها فرصتكم الأخيرة لتنهلوا من منابع اللذة قبل ركوب غمار تجربة النفي القسري، وقال آخر، بناتي أين خطيب الغفلة، هذا الذي سيطرق باب فتاة سيحكم عليها قريبا بالعيش وسط الفيافي والقفار؟! قد يكون الغيب مرا، فاجعلن الحاضر أحلى، وقال غيره: دعي التفكير في البلاء جانبا، فأبواب سيارتي مشرعة، والمرور إلى الفضاء المفعم بشغب الصبية مضمون عبرها، ووسط هذه الأصوات ضاعت تلك الأصوات الهادئة الرزينة التي أيقظت في نفوسنا نداء الضمير الذي غالبا ما يغفو حين يصحو نداء الشهوة العمياء.
كثيرون هم أولئك الذين نسوا نصاعة بياض وزراتهم فلبسوا أوزارا سوداء، خمر ونساء ورقص ماجن، وحلاقة مشوهة، تلكم كانت مظاهر رجولة ضائعة كتب عليها الوأد ولما يكتمل نضجها بعد، أما بنات حواء فقد اخترن ترويض الجسد عوض ترويض الفكر استعدادا للمهمة السامية، شبيهات بالدمى كن، ولكم رثيت لحالهن وعجبت في نفس الوقت مما يختزنه من طاقات جبارة،… يعلم الله وحده كم يقضين من الوقت أمام المرآة لوضع هذا الكم من الأصباغ على وجوههن… زميلتي “ب ” كانت بحرا لا ساحل له في كل ما يمت إلى عالم الزينة بصلة، ماكياج، عطور، ألبسة غير محتشمة، لكل قطعة منها اسم… أووه إنني أغبى من استيعاب كل هذا الكم من الأسماء والرموز، طلب منها المؤطر استظهار سورة الكوثر فتلعثمت… أما “ه” فكانت تراهن على الحصول على أعلى نقطة بين الطلبة، ليس لأنها الأذكى ولا لأنها الأكثر مثابرة، ولكنها كانت تعرف الطريق المؤدي إلى غرف نوم أساتذتها أكثر من الجميع… وقد تنهد يوما صديقي “ج” بعمق، حين أعلن أستاذ علوم التربية أن الطالبة “ه” تستحق التنويه لأنها حصلت على أعلى الدرجات، وقال: ليت أمي ولدتني فتاة جميلة، إذن لكفاني ذلك هم الحفظ والمراجعة…”

تحول المركز لدار راقية للدعارة تدور السيارات الفارهة في فلكه بالليل والنهار.

ومرة، وحين كنت أهم بولوج المركز ليلا استوقفتني فتاة ثملة كانت تترنح في مشيتها وهي تحاول التقدم نحوي… رفعت رأسي إلى اليافطة المثبتة بأعلى مدخل المركز لأتأكد أنني لم أخطئ الهدف، ورمقتها بنظرة متفحصة… كانت تلبس خرقة، كتلك التي كان يستعملها سكان القبائل البدائية لستر عوراتهم، تسمى “ميكروجيب” تغطي بها نصفها الأسفل، وأخرى تضعها على صدرها يطلقون عليها “دومي فونطر” قالت تغالب سكرها: اسسسمع… أنا لا أستطيع إنجاز العرض الذي كلفنا به أستاذ التاريخ… أررر جوك… ضع اسمي إلى جوار اسمك في العـ…رض الذي كتبته… تفرست في وجهها قليلا ثم قلت: هذه أنت أيتها اللئيمة… كنت أعرفها حق المعرفة فقد كانت زميلتي في الفصل،… لا تراعي إنني أشفق عليك ولاشك، لكن ليس إلى الدرجة التي أقرن فيها اسمي باسمك في العرض، سأقوم بعمل آخر سيروقك،… لدي بضعة سراويل وأقمصة بالية سآتيك بها في الغد لستر الأماكن المفضوحة في جسدك… آه نسيت أن أخبرك بأن العرض يتحدث عن فتوحات عمرو بن العاص، لماذا لا تكتبين عرضا من وحي خيالك عن فتوحاتك الــ… وبترت عبارتي ثم انفجرت ضاحكا… أمطرتني اللعينة بوابل من الشتائم، فاجتمعت علينا جوقة لا يستهان بها من الفضوليين، لم أستطع التخلص منها، صادف هذا الحادث، من سوء حظي، حضور أحد المسؤولين بالإدارة في زيارة تفقدية للمركز، فتدخل لفض النزاع، وبعدما سمع مني ومنها، انتصر لها ووبخني بشدة، ثم رمقني في النهاية بنظرة عتاب… مالك ولها؟ لتفعل ما شاءت بنفسها إنها حرة، هل نحاسبك أنت على واحدة من تصرفاتك؟…
انطلقت ألعن وأسب في نفسي، وحانت مني التفاتة للخلف… فوجدت المربي الفاضل يربت بحنان على كتف الفريسة العاري، وأي ضير في ذلك؟ إنه في مقام والدها… شعرت بالمرارة والاضطهاد، لماذا لا يمرون إلى تحرير المرأة إلا على أكتاف الرجال؟ عندما وصلت إلى بيتي أخذت ورقة وقلما وكتبت بأنه آن الآوان كي يدافع الرجال عن حقوقهم دون خجل ولا وجل، وأنه لا ضير في أن يتجول الشبان عراة ما دامت الفتيات يتجولن “بالدومي فونطر” و “الميكروجيب”، فالنساء مأمورات شرعا بستر ما دون الوجه والكفين منذ قرون، وقد أبيح لهن التعري اليوم باسم الحرية إلى القدر الذي يكشفن فيه عن ملابسهن الداخلية، فلا أقل من ألا يلبس الرجال شيئا وهم المأمورون بستر ما بين السرة والركبة تحقيقا لمبدأ المساواة، وقد سقت في إطار حديثي عن حال النساء في زماننا نقلا عن عمر بن الخطاب، حين مرت بجانبه امرأة مضمخة بالطيب، يقول فيه مؤنبا “ارجعي فاغتسلي إنك…” وأردفت بعده متسائلا: لو عاش عمر إلى زماننا فبماذا سيصف نساء “الدومي” و”الميكرو”؟
في الغد قمت بتعليق المقال في المجلة الحائطية المخصصة لطلبة المركز، فكان أن استدعاني مدير الدروس وشتمني بكل العبارات التي وردت على خاطره في تلك اللحظة… تحرض الطلبة على التجول عراة أيها الــ…؟! أ إلى هذا الحد تدنت أخلاقك قلت: ما إلى هذا قصدت… قاطعني بعنف: اصمت، هل ستعلمني معاني الكلمات أيضا؟ قلت: حاشا يا سيدي، إنما أردت انتقاد… قال مهتاجا: ماذا ستنتقد؟ أطرقت برأسي ولم أحر جوابا… فحتما لن يسمعني، إنه لا يريد أن أنغص عليه صفو شهور العسل المديدة التي يقضيها رفقة بناته من طالبات “الدومي” و… مزق المقال الذي نزعه قبل استدعائي، وكوره بعصبية ثم قذفني به وهو يصرخ اخرج من هنا حالا، أنت ممنوع من المجلة الحائطية منذ اليوم، وإذا وسوس لك شيطانك بفعلها مرة أخرى، فمصيرك الطرد…

هذا ما جناه قيس علينا

لا فرق عندي بين عربي وبربري إلا بالتقوى، كنا ندرس جنبا إلى جنب مع إخواننا البرابرة، لا نلتفت إلى اختلاف أعراقنا أو لغتنا، إلى أن حكم علينا بتلقي الدروس عند أحد الأساتذة العنصريين، كان بربريا متعصبا لبربريته، ما يفتأ يوجه الشتائم للعرب، فأصبحت شتائمه لازمة نتوقعها في كل حصة من حصصه، كان يقول بأن العرب غزاة استولوا على المغرب بحد السيف، وأنهم تستروا خلف الدين للسيطرة على العالم، وأنهم لم يعرفوا الحضارة في كل مراحل حياتهم، وأنهم كانوا يغتسلون ببول كلابهم في صحارى جزيرة العرب…
كان ذلك يحز في نفسي كثيرا، فقررت يوما أن أتصدى له، ولجنا القسم كعادتنا واستوى كل واحد منا بمجلسه، فانطلق استاذنا يسب ويلعن، قال بأن بناة الحضارة العربية المزعومة لم يكونوا عربا، فمعظمهم من الدول التي طالها الفتح الإسلامي، وحسبنا أن نذكر الرازي والبيروني وسيبويه، وأن العرب كانوا منشغلين طوال الوقت بالخمر والنساء، لا يردهم عن غيهم وازع من دين أو خلق، أحسست بالدم يغلي في عروقي فانتفضت مدافعا عن عروبتي، ورحت أسرد مآثر أجدادي العرب في مصر، ذكرت الأهرام والأقصر وقلت بأنها مفخرة، ستشهد على عظمة العرب أبد الدهر…
قاطعني أستاذي ورماني بالجهل، فالفراعنة عاشوا أربعين قرنا قبل الميلاد ولا صلة بينهم وبين العرب، وزاد على ذلك بأن تحداني في أن أجد ما يثبت أن العرب كانوا في يوم من أيامهم متمدنين قبل مجيء الإسلام، علا ضحك زملائي العرب والبرابرة من غبائي، وتمنيت لو انشقت الأرض وابتلعتني قبل أن أقف في ذلك الموقف المخزي.
بعدها شحذ الحقد همتي ورحت أنقب في بطون الكتب عما أدعم به موقفي، وأنقذ به ماء وجهي، وتنقلت بين المكتبات أياما وأياما إلى أن عثرت على ضالتي في كتاب لجوستاف لوبون عنوانه “حضارة العرب” أمضيت أسبوعا في تدبر موضوعاته أقرأه وأعيد قراءته، وعثرت على مقالات تتحدث عن أصول البرابرة بالمغرب، فاكتملت لدي عدة المواجهة، وانتظرت حصة ذلك الأستاذ العنصري بشغف كبير.
عندما ولجنا الفصل انتظرته على أحر من الجمر.. دخل فافتتح حصته بهجومه المعتاد، لاقى ذلك استحسانا كبيرا لدى البرابرة رغم أنهم سمعوا تلك العبارات مرات ومرات، وامتعض إخواننا من ذرية عدنان وقطحان دون أن يحركوا ساكنا، كان يرمقني بنظرات مستهزئة، فوقفت بثبات ورباطة جأش وتحدثت طويلا عن الحضارة العربية في اليمن وكيف أن العرب المعينين برعوا في علوم الزراعة والري، وأضافوا فيها إلى من سبقهم ما لم يكن موجودا يومها، وكيف بنوا صرواح آية يعز نظيرها في فن المعمار والبناء، وقد أسعفتني المقالات التي قرأتها عن أصول البربر فأوضحت لأستاذي بأن جدهم على نحو ما ذكرت بعض المصادر التاريخية هو شاب اسمه قيس من جزيرة العرب، غاضب والده فهام على وجهه زمنا واتخذ سبيله في البرية ميمما شطر المغرب، فقالت العرب بربر قيس ومن ثم سمي أحفاده بالبرابرة، وأسعفتني دراسة عن تطابق صفات بعض مخارج الحروف العربية والبربرية، وكذا تطابق بعض الكلمات العربية والبربرية بشكل يستحيل معه القول بأصول مختلفة للغتين، فأفضيت بذلك لأستاذي…
بعدما انتهيت من كلامي استدار نحو مكتبه وأخرج بعض الملفات والأوراق وانطلق في إلقاء محاضرة عن علم النفس التربوي، ولم يعد بعدها لمهاجمة العرب بذلك الكلام القاسي الذي كان يؤذي مشاعرنا، وأحسسنا نحن العرب والبرابرة أننا كنا نخوض في سجالات لا طائل من ورائها، ولتكن نتائج الأبحاث التي تحدثت عن أننا أبناء عمومة ظنية لا قطعية، أو ليست بأحق بالتبني من غيرها؟ هل علينا أن نتحمل اليوم تبعات الخطأ الذي فرق بين قيس ووالده ؟ أما يكفينا أن أجدادنا معا تركوا منابع الذهب الأسود وحطوا رحالهم في بلاد كهذه التي نعيش على أرضها اليوم؟

ألا ساء صباح الدمى

هذا اليوم يختلف عن باقي الأيام، سنلتحق بالمدارس الابتدائية لتطبيق ما تعلمناه من نظريات على مدى سنة كاملة، والحق أننا ما عرفنا مما حصلنا شيئا، فلم أجد سببا واحدا يجعلنا أسرى نظريات “الجشطلت” الألمان أو آراء جماعة “شيكاغو” في ميدان التربية وأوجه الشبه بيننا وبينهم تكاد تنعدم تقريبا في كل شيء…
ولجت مدرسة المهدي بن تومرت القريبة من مركز تكوين المعلمين. وبحثت عن قسم المعلمة “ل” التي تدرس اللغة العربية لتلاميذ القسم الخامس، كان هناك مقعد واحد فارغ في آخر القسم بجوار طفل تبدو على محياه أمارات الكسل والخمول، لدى جلوسي بقربه مد يده إلي مصافحا، وحاصرني بسيل من الأسئلة عن اسمي، وعن المدة التي سأقضيها معهم، ثم أردف بنبرة العارف بخبايا النفوس: سيطيب لك المقام بيننا لسببين، الأول أن المعلمة “ل” قطة جميلة تسر الناظرين، والثاني لأن هذا القسم من أوفر الأقسام حظا في النشاط والدعابة والمرح… وحدجني بنظرة متسائلة قبل أن يكمل حديثه: هل تدري لماذا؟ قلت ضاحكا: لست أدري لذلك سببا، فأنا حديث العهد بقسمكم كما ترى، اقترب مني برأسه، وبصوت أقرب إلى الهمس ألقى إلي بسر المرح العجيب: الكل هنا يتناول المعجون، قلت مندهشا: هل تقصد الخليط المخدر الذي يمزج فيه الكيف بالفواكه الجافة؟ أجاب وهو يخرج لفة من القماش من جيبه ويطلعني على محتواها: هو بعينه يا صديقي، كل التلاميذ هنا يشترون مني على قدر حاجتهم… يا لهول المصيبة، حتى الأقسام الابتدائية لم تسلم من ترويج المخدرات، قلت له مستفسرا، ولكن ما الذي دفعك إلى هذه الأمور الخطيرة؟ قد يتسبب لك هذا في كثير من المشاكل، أجابني بنبرة حزينة: والدي في السجن، ولا أحد يهتم بي، هل تعلم أنني إذا لم أقم بهذا العمل فلن أجد من يشتري لي الدفاتر والأقلام…
صباح الخير يا معلمتي… هتف التلاميذ بشكل جماعي معلنين دخول المعلمة، اتجهت نحو مكتبها تجر رجليها في خيلاء وزهو… لم تكن قطة كما أخبرني صاحبي “الحشاش” بل دمية طلت وجهها بكل الأصباغ التي تيسر لها اقتناؤها، ومن يدري فلربما كانت تنفق نصف راتبها في إصلاح ما أفسده الدهر، رمقتني بنصف نظرة من تحت رموشها، ثم اقتربت مني في خطى وئيدة: أنت الطالب المعلم الذي سيتدرب عندي هذا الأسبوع؟ قلت مبالغا في إظهار الاحترام: نعم يا أستاذة؟
استدارت نحو مكتبها وقالت: قم معي سأعطيك الجذاذات الخاصة بهذا اليوم، سلمتني الجذاذات وانصرفت، كان من المفروض أن تلقي المعلمة الدروس بنفسها، بينما أكتفي أنا بتدوين الملاحظات، لكن الدمية فضلت استغلال فرصة وجودي للذهاب عند زميلتها للتداول بشأن آخر صيحات الموضة، وبشأن تسريحة الممثلة فلانة في المسلسل الفلاني، وللحديث قليلا عن المعلم الذي يملك سيارة ولم يظفر بعد برفيقة دربه.
آه …رمتني بدائها وانسلت… لم أستطع السيطرة على الوضع، فقد طفا مرح الأطفال المخدرين على السطح… آ السي، آ السي… اقتربت من الطفلة التي آذت مسامعي بصراخها… رويدك، ما هذا الضجيج؟ دنت من أذني وقالت متصنعة الرومانسية: هل لديك صديقة؟ إذا أردت أن تتخذني صديقة لك لا مانع لدي، شدهت لجرأتها أولا، ولخوضها في أمور لا يجمل بصبية في سنها أن تخوض فيها ثانيا، قلت متأففا: من أين تعلمت هذا الكلام؟ قالت وهي تغالب ضحكتها: من “ماريا سلستي”، ألا تتابع المسلسلات المكسيكية؟ قلت: لا، يكفيني هذا المسلسل المرعب الذي أتابعه اليوم، اسمعي أنا في مقام والدك… قاطعتني: بل في مقام أمي، ثم انفجرت ضاحكة… تركتها وقلبي يتمزق لوعة على الحال الذي آلت إليه الطفولة في بلادنا، وقبل أن أكمل طريقي إلى السبورة لأبدأ الدرس قفزت طفلة أخرى تجلس في مقدمة الصف المواجه للمكتب على الطاولة، وراحت تتلوى مقلدة شاكيرا فأثارت عاصفة من التصفيقات والصفير في القسم، لم أتمالك نفسي فتوجهت نحوها وهويت على أم رأسها بصفعة أسقطتها أرضا…
ساد صمت ثقيل بين التلاميذ مكنني من إلقاء الدروس في سهولة ويسر، فليذهب التشريع إذا إلى الجحيم، ولتتبعه كل النظريات التي تحظر الضرب، قبل انتهاء الدوام المدرسي وجدت الدمية أمامي تسألني عما إذا كنت قد استفدت قليلا … وأنعم بها من استفادة أن يرى المرء ما رأيت في سويعات قليلة، حين كنت أهم بمغادرة القسم استوقفني “الحشاش” قائلا: إذا لم تكن مشغولا هذا المساء فلنحدد مكانا نلتقي فيه لنذهب إلى السينما، لا تخف، سأدفع ثمن التذاكر، ضحكت كثيرا وأنا أسأله: هل هناك أفلام جيدة هذا المساء؟ قال بخبث: هناك فيلم هندي من بطولة “شروخان” وآخر… وبتر كلامه وهو يغمز بإحدى عينيه، ففهمت أنه يقصد أن الفيلم الثاني خليع… ترى ماذا ستقول جماعة “شيكاغو” في طفل كهذا؟!
في الغد حين عدت لمواصلة التدريب منعتني الدمية من دخول القسم، كان الشرر يتطاير من عينيها وهي تعنفني: هل تعلم أن الصبية التي صفعتها البارحة بنت شرطي؟ ألم تجد غيرها؟ لقد جاء والدها إلى هنا في الصباح، فاحمد الله لأنه لم يجدك، كان يود متابعتك أمام القضاء، قلت مدافعا عن نفسي: ولكنها كانت تقلد شاكيرا، كيف سأتصرف معها؟ قالت بحنق: وما شأنك أنت؟ فلتقلد شاكيرا أو اعتابو، والدها يدفع مبالغ طائلة لتتعلم الرقص في معهد متخصص بحمرية، فكيف تسمح لنفسك بأن تمد يدك عليها؟!… في النهاية طلبت مني الدمية ألا أريها خلقتي طيلة مدة التدريب التي سأقضيها معها، ووعدتني أنها ستتغاضى عن غيابي… غادرتها وغصص الألم تمنعني من ازدراد اللعاب، كنت أعزي نفسي وأنا أجر رجلي بتثاقل نحو البيت بتساؤلات لا طائل من ورائها…
من أين لشرطي بكل هذه الأموال لتسجيل ابنته في معهد للرقص؟ لابد وأنه مرتشي، ثم… ثم… أما كان الأجدر به أن يسجلها في مدرسة للتعليم الحر حيث مستوى الدراسة أرفع شأنا من المدارس المخصصة لمن هب ودب؟ حقا إنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور… وحتى لا يكتشف غيابي، قمت بتدوين ملاحظات، مستوحاة من خيالي، على دروس الدمية، لم تكن فيها أدنى إشارة لابنة الشرطي أو المعجون، ولا حتى لصديقي “الحشاش” الذي لا ينسى…

في البدء كانت المعاناة

ليس من السهل أن تكون معلما، هنالك الخيبة والألم، هنالك المعاناة والتهميش، وإبحار وسط لجج الزمن المتلاطمة، دون أدنى أمل في الرسو بأمان بمرفأ الأحلام التي يخدع المرء نفسه بها ردحا من سنين الطيش والاندفاع…

حملت إحساسي بكوني أصبحت شخصا مسؤولا ذا أهمية بحجم الأمانة الملقاة على عاتقي، واتجهت صوب نيابة التعليم لأتعرف على المدرسة التي سأعين بها، حتما الحظوظ لا تتساوى… هذا قريب فلان، وتلك أوصى بها أحدهم خيرا… ولم يذكرني أحد بخير لدى المسؤولين، فكان نصيبي المنفى، أحدهم قال لي وهو يسمع اسم المدرسة التي عينت بها، هناك بإمكانك أن تعيش حياة الزهاد، فلا تبتئس الشر نسبي والخير كذلك، لم تطربني نكتته، ولحماسي الغبي رحت أردد لازمة الأمانة والمسؤولية بيني وبين نفسي، كفارس مقبل على المعركة بلا خوف ولا وجل، عدت إلى منزلي، حزمت حقائبي وأقبلت على الحياة الجديدة مفعما بالنشاط…

هييييه … افتحي ذراعيك يا “أفراس” هذا فتاك العاشق قادم… ودعت أيام اللهو والعبث، منذ اليوم أصبحت مربيا للأجيال، سأكد وأجتهد، سيتخرج على يدي الطبيب والمهندس والأستاذ والصحافي… وغرقت في أحلام اليقظة، ضربت موعدا مع زميليّ في العمل “م” و “س” لننطلق معا نحو عالمنا الجديد، رحنا نسأل بعد وصولنا إلى مرنيسة التي تقع على بعد ستين كيلومترا في اتجاه الشرق من مدينة تاونات، عن الطريق المؤدية إلى “أفراس”، فوجئنا بأن العديد ممن نسألهم لم يسمعوا قط بهذا الدوار، وأخيرا أشار علينا أحدهم بسلوك طريق زراعي يبتدأ حيث تنتهي حدود جماعة مرنيسة الحضرية وينتهي حيث ينتهي العالم على حد تعبير “س” …
وبدأت رحلة العذاب، الطريق جبلي وعر، والأمتعة ثقيلة جدا، كنا نتوقف بين الفينة والأخرى لنسب ونشتم كالمجانين ثم نواصل المسير، أين أنت يا بياجي؟ ويا واطسون؟ أين أنت يا مكارنكو؟ اللعنة عليكم جميعا وعلى نظرياتكم التي سقتنا كأس العذاب حتى ثمالته، لم يتحدث أحد منكم عن وسيلة تقلنا نحو المدرسة قبل الحديث عن التربية.

بعد مسيرة ساعتين أو يزيد على الأقدام وصلنا إلى شاطئ الخيبة، تحلق الأطفال حولنا وأحدثوا ضجة بتعليقاتهم على هيئتنا… انظروا الى المعلمين الجدد، ها قد وصلوا… صب “س” جام غضبه عليهم، أيها الكلاب، هذا ما لديكم؟ وصلنا…!! ألا تعرفون كم قطعنا من الطريق؟ ألقينا بصخرة “سيزيف” عن ظهورنا داخل قسم خرب، واستلقينا على الأمتعة لنأخذ قسطا من الراحة، فراح “م” يغني بصوت شجي… يا مي لا تبكيش هذا هو مكتابي…، لمحت جرذا ضخما يغازل مغارة في السقف فقمت بفزع ورحت أستظهر ما قرأته عن خطورة الجرذان وعن نقلها لأمراض خطيرة و…
قاطعني “ج”، أحد المعلمين القدامى، الذي اقتحم القسم ليرحب بنا، إنها لا تؤذي المعلمين على كل حال، ستتعايش معها مع مرور الوقت، ثم ابتسم بخبث وأردف، ومع أصناف أخرى من الكائنات لم تخطر على بالك من قبل، بدا كحكيم بيننا وهو يلقننا ما يجب علينا فعله لنعيش بهذا المكان النائي… لنجلب الماء علينا قطع مسافة تزيد عن ساعة يوميا، وجدنا صعوبة كبيرة في التأقلم مع الحياة الجديدة، الكهرباء لا وجود له والخبز كذلك، “س” تكيف بسرعة مع هذه التغيرات اشترى الكثير من القنينات المائية… كان يسلمها للأطفال ليجلبوا الماء من العين، أصبح واجب جلب الماء أهم من حل تمارين الرياضيات، سمعته يوبخ بعض التلاميذ لأنهم نسوا إحضار الخبز أو تناسوا ذلك على الأرجح، إنني لا أضيع أحدا، كل الذين يلتزمون بواجباتهم أسجل أسماءهم، سيحصلون على نقط جيدة، أما أنت أيها الحمار وذاك الجحش الجالس بجوارك فانتظرا السنة المقبلة لتنجحا…
ذات ليلة نفذ طعامنا، فرحنا نلتهم بقايا الخبز الفاسد التي علتها الفطريات فاستحال لونها أخضرا، ألقينا بها في وقت سابق، لكنها مع الجوع بدت لذيذة…
توالت المشاكل بعدها دورة المياه معطلة، ليس هناك مجاري للتصريف، كان علينا فعل شيء، قلت لصديقيّ بلهجة ساخرة بعد معاينة المشكل… علينا إجراء عملية قيصرية فكونا على استعداد، تطوعت لإدخال يدي في ثقب المرحاض لجذب العوالق التي منعت تدفق الماء نحو الأسفل، وبحنكة الممرضين المتمرسين أحضر كل من “س” و “م” أكياسا بلاستيكية لفا بها يدي ووضعا منديلا على أنفي وفمي، وسلماني عودا كمشرط الجراح، بدأت العملية… كنت ألقي بالقاذورات في أحد الأكياس متأففا، الصبر طيب… لكن هذه الروائح غير طيبة بتاتا، بعد برهة تبادلنا نظرات ذات مغزى وهتفنا بسرور… نجحت العملية… ألقينا بالفضلات بعيدا وعدنا لنحتفل بإنجازنا الباهر، فقمنا بتهييء شاي بالنعناع رحنا نحتسيه بنشوة بالغة قطعها علينا صوت نقرات على الباب الخارجي للبيت، الذي تعارفنا على تسميته بالفيلا، دخل “ج” وحين استقر بمقعده قدمت له الشاي مرحبا، فتساءل عما إذا كنت قد أحضرت النعناع من الحوض المجاور للبيت قلت: بلى، فاعتذر عن تناول الشاي، نظرت إليه مستغربا: ماذا هناك؟ قال وهو يغالب ضحكته بصعوبة: إن الكلاب تتبول على هذا الحوض باستمرار، لذلك فالنعناع فيه من النوع الممتاز…
آآ … آآه، إليك عني يا أفراس، فقد استحال العشق بغضا، وعلى القلب تمطى ألف جرح منك، ومن العين تدلت ألف دمعة.

دواليب الفراغ
الفراغ ألد أعداء الإنسان، والطبيعة ترفضه، ومن سوء حظنا أن الفراغ الذي عشناه في “أفراس” ملئ عن آخره بالتفاهات، الكلام نفسه يتكرر يوميا، والحكايات ذاتها لا تتغير، ولئن كان الإبداع في شق منه ينبني على إعادة تشكيل المكتسبات في قوالب جديدة، فقد كانت إبداعاتنا لا تخرج عن نطاق إعادة بناء الثرثرة واللغو.
كانت علاقتنا بالسكان متشنجة بعض الشيء، يطبعها نوع من الجفاء المتبادل… وقد نسجت حولنا الحكايات الكاذبة للنيل من سمعتنا، فقيل أننا نقضي الليل رفقة المعلمات اللواتي كن يقطن ببيت أمام “فيلتنا” مباشرة، كل ذلك كان مجانبا للصواب فمنذ الوهلة الأولى للقائنا بالمعلمات، نشبت بيننا حرب خفية سببها محاولتهن للاستحواذ على استعمال الزمن الأمثل لدى المعلمين، والذي تكون فيه عشية السبت وصبيحة الاثنين فارغتين، اقترحت أن نجري القرعة فثرن في وجهي قائلات بأنهن فتيات وأن علي احترامهن… بداخلي رددت ساخرا… إيه أين النضال من أجل المساواة مع الرجل؟ أم أن المساواة تقتصر على الحقوق دون الواجبات؟
رضخت في نهاية المطاف بسبب إلحاح المدير وباقي الزملاء، ولم أكره قاسم أمين في حياتي قط كما كرهته يومها، فيما بعد توترت العلاقات بيننا إلى الدرجة التي كنا نتحاشى فيها الطرق التي يسلكنها حتى لا يلقي بعضنا التحية على البعض الآخر، ثم ساءت الأمور فلم نعد نقضي صباحا واحدا دون مشاكل ولا أدري كيف ادعى السكان المغفلون أننا نقضي الليل بكامله في هناء معهن؟
المعلم “ج” أخبرني أنه سمع أن سكان الدوار تراهنوا على أننا لا نفوت ليلة دون أن نقصد بيت المعلمات للسمر ولقضاء بعض الأوقات الجميلة، وأنهم انتدبوا من أجل التأكد من هذا الأمر شابين لمراقبتنا، وفي الليل عندما خرجت لقضاء حاجتي بدورة المياه المتواجدة بجوار الفيلا، وجدت الشابين يتوسطان الطريق المؤدي إلى منزل المعلمات، لم يكتحلا بنوم تلك الليلة طبعا، فأنعم به من جد وكد في سبيل تقويم ما اعوج من أخلاق المعلمين، نصحنا “ج” بأن من مصلحتنا تأكيد هذه الشائعات لأن ذلك من شأنه أن يبعث الطمأنينة في نفوس السكان على بناتهم، كما حكى لنا قصة المعلم الذي قضى سنوات طويلة بهذه القرية كيف انتهى به الحال إلى الإصابة بعاهة مستديمة بعد أن أصابه أحد السكان بفأس في رأسه لأنه تحدث إلى الفتيات حين كان يجلب الماء من العين، هذه القصة ملأت نفوسنا خوفا ورهبة، خاصة وأن الفتيات كن سباقات إلى جذب أطراف الحديث معنا كلما قصدنا العين، ولم يكن حديثا خارجا عن حدود اللياقة والأدب على كل حال، فهذه تسأل عن أخيها التلميذ وتلك تلتمس العذر لبنت أختها كي لا تبعثها إلى المدرسة في الغد، لكن قصة العاهة المستديمة جعلتنا نعدل عن الجواب عن أي سؤال توجهه لنا أنثى كيفما كان نوعه.
كنا نتجاهل كلامهن مخافة أن نقضي بقية أيام حياتنا متنقلين على كراسي متحركة، وذات مساء عندما عاد زميلنا “م” من بيت والديه بعدما غاب عن المدرسة لمدة يومين، وجدنا في حالة غير عادية، كان ذلك مما تفتقت عنه أذهاننا المبدعة، إذ اتفقنا على ترويعه بأي ثمن، استفسرنا المسكين عن سبب عصبيتنا فكان الرد أن المفتش زار المدرسة وحين اكتشف غيابه أقسم بأغلظ الأيمان أن حسابه معه سيكون عسيرا، راح “م” يسب ويلعن اليوم الذي فكر فيه في ترك المدرسة، واحتقن وجهه وهو يتساءل: ألا يمكن أن أكتب رسالة للمفتش أخبره فيها أنني على استعداد لتعويض التلاميذ عن الأيام التي تغيبت فيها؟ قلت مستاءا: أهذا ما يهمك؟ لن تبقى على قيد الحياة إلى اليوم الذي تكتب فيه هذه الرسالة، رد مذهولا: ولماذا؟ قلت: قصدنا العين البارحة كعادتنا لجلب الماء، وقد تجمهر السكان هنالك وتوعدوا بقتلنا، وتظاهرت بالهلع وأنا أردف: إنني خائف من أن يقصدوا البيت الآن للاعتداء علينا، قام في عنف هذه المرة وهو يقول: لنجمع أغراضنا ولنغادر الآن، تدخل “س” لثنيه عن عزمه قائلا: “لقد حل الظلام الآن، وسيسهل عليهم حتما اقتناصنا في هذا الليل الدامس، صرخ “م” وقد فقد الأمل في النجاة: ماذا أفعل الآن؟ المفتش سينتقم مني، وهؤلاء إن غادرنا البيت سيقتلوننا، وإن بقينا هنا فلا بد وأنهم الآن في طريقهم إلينا، هل كتب علينا أن نموت كما تموت الكلاب؟ أسعفته بحل يساعده على الموت كآدمي: سنكتب رسالة ندون فيها أسماء الأشخاص الذين قاموا بتهديدنا حتى لا تضيع دماؤنا سدى، فلتكتب حالا… سأملي عليك الأسماء… خطك جميل، وستكون قراءته سهلة على من يعثر على الرسالة.
أخذ ورقة وقلما وراح يكتب دون أن أملي عليه شيئا، نظرت إلى الورقة وسألته: لم أمل عليك شيئا بعد، ماذا تكتب؟ قال بنبرة من يستظهر نصا مقدسا: من الواجب احترام التراتبية الإدارية… كان يدون في رأس الصفحة اسم وزير التربية الوطنية ونائبه ومدير المدرسة.. لم نتمالك أنفسنا فانفجرنا ضاحكين… غريب أمرك أيها المعلم، إنك لا تهمل احترام رؤسائك حتى وأنت تواجه الموت، ترى كيف ترسخ في ذهنك أنهم مقدسون إلى هذا الحد؟ أعلم يقينا أنه لا يسعك انتقادهم ولا رفض أوامرهم، لأنك أداة للتنفيذ وكفى، ولكن أن تقيم وزنا لهذه الأشياء في اللحظة التي ترى النهاية ماثلة أمام ناظريك، فذاك يشي بأنك تعيش فراغا داخليا رهيبا عدا الفراغ الخارجي الذي فرض عليك.

شغب بريء يذيب جليد الملل

لم أنظر يوما إلى البادية نظرة شاعر منبهر بجمال الطبيعة الكامن في خرير مياهها وغناء عصافيرها، وحللها المتغيرة من فصل لآخر، فأستمد من كل ذلك مادة شعري، وأستلهم من موسيقى الطبيعة موسيقاي التي أسكبها على فني فيزداد نضارة ويتدفق في شرايينه نسغ الحياة، ولا نظرت إليها نظرة الفيلسوف الباحث عن الحكمة، فأنصرف عن جمودها إلى صمتها المحفز للتأمل واستكناه حقيقة الوجود، ولا نظرت إليها نظرة العالم الذي يجري التجربة تلو الأخرى عساه يضع يده على قانون لتفسير ظواهر الحياة العجيبة، فينسيني زخم الظواهر قساوة حياة البدو، وإنما نظرت إليها نظرة ملاح أضناه الإبحار، فراح يجدف على غير هدى باحثا عن يابسة تنهي عذابه، فخاب أمله إذ رسا بجزيرة لا أثر فيها لما يأنس الناس به عادة.
هكذا قضيت زهرة شبابي في البادية لا يسليني شيء عن جمودها القاتل، وهدوئها الممل، بيد أنني ما لبثت أن تكيفت مع دنياي الجديدة وإن كنت في أعماقي لا أحبها ، وما هو إلا أن أمضيت شهورا خلتها سنوات عديدة حتى أبدعت لنفسي أسلوبا غريبا في التسلية، فبالليل أتفرج في مخيلتي على كل المواقف الطريفة في حياتي فأضحك ملء فيّ ، كنت أنفق الليالي ذوات العدد في سمر فردي، وبالنهار أستمتع بشغب الصبية أيما استمتاع، كان ملح الحياة بالنسبة لي.
أذكر يوما أنني ضبطت أحد الصبية يسرق الطباشير، فأصر على أنه لم يفعل شيئا واجهته بأنني أمسكته متلبسا بالجرم المشهود، ففغر فاه، ولم يحر جوابا، كان أبلها وقد تذكرت أنني سألته من قبل عن اسمه فنسيه وبعد جهد جهيد ذكر لي اسم زميله في الطاولة، قلت لنفسي إنه أغبى من أن يسرق لوحده، وبعد أن سألت زملاءه في القسم، دلوني على الرأس المدبر، جني صغير طالما اشتكى والده من شغبه، فمرة ضبطه يذبح الفراخ الصغيرة ويدفنها، وأخرى وجده يحمل قادوما يكسر به سيقان الفول المزروع بجوار البيت ويعيد غرسه في التربة، فلا تمضي أيام حتى تصفر أوراقه، وداخل القسم كان يسرق أقلام التلاميذ.
أذكر أيضا ذلك الصبي “عثمان” الذي لا يضع محفظته التي تفوقه حجما عن ظهره مخافة أن يسرقه أحدهم، يرتدي سريدة سوداء وسريلا رماديا وحذاءا رياضيا صيفا وشتاءا كلما طلبت منه إنجاز واجب ما، خط خطوطا متشابكة ودوائر متداخلة فإذا سألته أجاب والبسمة لا تفارقه “أرسم طفلة”… ذات مساء طلبت من التلاميذ سؤال أمهاتهم عن إمكانية بيع الخبز لي فتدخل “عثمان” ليسعفني بالحل: آ السي إذا أردت سأبيعك خبزي التي أحصل عليها من المطعم بدرهم، ثمنها في السوق يصل إلى درهم ونصف، وإذا شئت بعتك حصتي من السردين أيضا، ضحكت كثيرا لعفويته.
لم أحتج بعدها لشراء الخبز من “عثمان” فقد أمطرني السكان بالخبز ضنا بسمعتهم أن يلحقها عار بيع الخبز لضيف ثقيل فرضته عليهم ظروف خارجة عن إرادته وإرادتهم، وغير “عثمان” درس عندي “مراد” كان مختلفا عن باقي الأطفال وقد أوصاني والده به وقال بأنه لا يرغب في أكثر من تكسير حالة العزلة التي يضربها هذا الصبي حول نفسه وقد تركته لعزلته زمنا، لم يكن يتجاوب مع محاولاتي المتكررة لإنطاقه إلى أن جاء اليوم الذي ثرت فيه في وجه: إما أن تكتب الجملة المثبتة على السبورة وإما أن تنال عقابا قاسيا، وإذا به يصرخ مستنكرا: آ السي هذا الضرب لا يصلح إلا للبقر، كاد يغمى علي من الضحك، بينما راح “مراد” يبحث عن مخرج من أزمته فقال” آ السي دعني أطابق أصابعي مع أصابعك، إذا كانت أصابعك تكبر أصابعي فلا تضربني، وبحركة مفاجئة أخذ قلما ودون الجملة بخط جميل، صار فيما بعد أكثر التلاميذ نبوغا فسميته “أينشتاين” تفوق على كل أقرانه ولم يعد طفلا منعزلا فقد فاجأني مرة بجمع زمرة من التلاميذ في الساحة وبتقليده لمشيتي وطريقة كلامي.

أما “فريدة” الرائعة فكانت تعبث بكل شيء، ولم تكن مسجلة ضمن قائمة الأطفال المتمدرسين لكنها كانت دائمة الحضور، لا تقيم وزنا لنظام، ولا تخيفها عصا المعلم تجرني من ملابسي مرة وتبعثر وثائقي أخرى.

شغب هؤلاء وغيرهم أذاب جزءا من جليد الملل الذي جمد حياتي، ولكم غبطتهم على براءتهم وتحررهم من كل مسؤولية ولكم تمنيت لو أستطيع إخراج الشغب الكامن بداخلي دون أن تنهال علي عصى المسؤولين الكبار وكرابيجهم، لكنه حلم دون تحققه ولوج الجمل في سم الخياط، وأمل دون معانقته أن أغمض عيني وأفتحها وقد صرت في بلد غير هذا البلد، بلد يعيش فيه الكلب في نعيم لا يحلم به الملايين من بني جلدتي.

يوم الطيب… ويوم الطين

يحكى أن المعتمد بن عباد خاصم زوجه أم الربيع وهما في منفاهما بأغمات، وقد احتد الخلاف بينهما فثارت أم الربيع في وجهه قائلة: لم أر في حياتي معك يوم هناء واحد، فحزن المعتمد وذكرها بذكرى عزيزة عليهما قائلا: ولا يوم الطين يا أم الربيع؟ ويوم الطين يوم مشهود تاقت فيه أم الربيع لمحاكاة بائعة اللبن في مشيتها حافية وصياحها، حين كانت تطل عليها من شرفات القصر، وقد حقق المعتمد أمنيتها بأن وضع لها وحلا من الطيب في باحة القصر، وأمر خدمه فرشوا عليها ماء الذهب بينما حملت قربة ذهبية وراحت تذرع الباحة جيئة وذهابا مقلدة البائعة…
يذكر المنعمون في لحظات الشقاء اليسيرة التي تمر في حياتهم تلك الأيام التي كانوا يكرعون فيها في نمير الهناء الصافي، فيتزودون منها بما يكفي من الإصرار لمواصلة المسير، أما نحن فلحظات الهناء في حياتنا قليلة، ولا يصفو لنا من ذلك القليل إلا النزر اليسير، إذ يشوبه مرور خواطر تكدر صفونا عن أحزاننا الماضية، فلا نسعد بذلك إلا كما يسعد العطشان، إذ يعترض سبيله نبع عذب يبل منه ريقه ببضع قطرات، هكذا كنت أفكر وأنا أسترجع أحداث ذلك اليوم المشؤوم الذي قضيته في أفراس… نفذ طعامنا بعد أسبوع من العواصف الهوجاء التي ضربت حصارا شديدا على المنطقة برمتها، كان من الصعب أن نغادر البيت لأبسط الشؤون، بله أن نذهب إلى المدرسة التي صارت قفرا يبابا… يومها انفرجت أسارير السماء عن أشعة ذهبية لامس بريقها شغاف قلوبنا، فأحيى الأمل فيها من جديد بعد أن شارف على الموت… أيام العاصفة كانت قاسية، امتلأت فيها نفوسنا رهبة وتراقص مصير وجودنا على ظهر الأرض مع الرياح ذات اليمين وذات الشمال، كنا نعد الثواني ببطء ونحن ننتظر النهاية،… فسقوط البيت أمر وارد، تحدثنا عن آبائنا وأمهاتنا وإخواننا، وعن أحلامنا الواسعة، أصغينا بكل جوارحنا للعاصفة تنهش منها ومن أملنا في الاستمرار، وحين تجلت الشمس عروسا في كبد السماء ومعها انتعشت أمانينا في البقاء المحفوف بالمهانة، فكرنا بسذاجة طفولية في انتداب اثنين منا لجلب الطعام من مرنيسة التي تبعد عنا بحوالي عشر كيلومترات، وقد وقع الاختيار علي وعلى “م” ذي البنية الضعيفة، ارتدينا معاطفنا وحملنا بعض الحقائب وانطلقنا…
لم نواجه صعوبات في رحلة الذهاب، وعلى مشارف مرنيسة، اكفهر الجو مجددا فأسرعنا الخطى واحتمينا من المطر الغزير بأحد المقاهي… طال بنا المكوث في المقهى دون أن يلوح في الأفق أي بصيص من الأمل في تغير الجو، فقفلنا راجعين بعدما وضعنا المشتريات في الحقائب وحملناها على ظهورنا.

قمنا بتغيير الطريق اختصارا للمسافة، ولم يكن ذاك الخيار صائبا، فالطريق مليء بالأوحال والمطر الغزير يحجب الرؤية، وظهورنا تنوء بما نحمله من الطعام… الأوحال تزيد من صعوبة السير، كانت أرجلنا تغوص في الوحل إلى منتصف الساق، وبذلنا جهدا خرافيا للتقدم نحو أفراس في عقبة كؤود ارتسمت أمام أنظارنا شبيهة بمسيرة حياتنا الشاقة المتعثرة، أدركنا الظلام ولما نبلغ منتصف الطريق بعد، خارت قوانا… كنت أشجع “م” على السير، كان يتوقف بين الفينة والأخرى ليصرخ بأعلى صوته أن لعنة الله على اليوم الذي فكر فيه أن يصبح معلما، فيضيع صراخه في العتمة كما ضاع مصيرنا في خضم المجهول، وفي لحظة يأس قاتلة صب زميلي جام غضبه على المسؤولين، وما كنت أظنه يصل هذا الحد من الشجاعة لو لا أن رأى الهلاك بأم عينيه، لم نشعر إلا ومجموعة من الكلاب الضالة تحيط بنا إحاطة السوار بالمعصم، ضاقت بنا الأرض بما رحبت، زميلي “م” أصيب بالهستيريا فألقى بحقيبته أرضا، وحاول الفرار، أمسكته من ذراعه بصعوبة وأفهمته أن الكلاب ستتعقبه…
رحنا نقذفها بالحجارة والوحل وبكل ما تلتقطه أيادينا من الأرض، بعد أن تجاوزناها وضع “م” حقيبته على الأرض، وكان الإجهاد قد بلغ منه مبلغا عظيما، اضطررت لحملها بدلا عنه… كان يساعدني بين الفينة والأخرى كلما أحس من نفسه قدرة على ذلك، عندما اقتربنا من البيت زلت قدمي، وهويت في منحدر سحيق كاد أن يوردني موارد الهلاك لولا أن تمسكت بجذع شجرة من أشجار التين المتناثرة هنا وهناك، وبمساعدة “م” استعدت توازني وواصلت المشي…حين وصلنا إلى البيت كان الماء قد غزا أرجاءه، وأرضيته تلطخت عن آخرها بالأوحال التي جرفتها مياه الأمطار من التلة المجاورة.

هل رأى الدهر سكارى مثلنا؟

صرخات الصبية تتناهى إلى مسامعي، حادة تصم الآذان … ترى ما الذي يحدث في قسم “س” خرجت مسرعا، فوجدت “س” يحمل عصا مكنسة في يده ويلوح بها ذات اليمين وذات الشمال، حيثما اتفق والصغار يفرون من بين يديه مذعورين، كان ثملا ورائحة الخمر تفوح منه على بعد أمتار عديدة، أمسكت به من ذراعيه وجذبته إلى الخلف، وأنا أصرخ في وجهه: ماذا تفعل أيها المجنون؟ فرد علي والعبارات تتدافع من فمه في غير نظام: لقد طلبت منهم البارحة أن يأتوني باللوز فلم أظفر منهم بغير حفنة واحدة، الكلاب ،.. و.. وأوصيتهم بجلب الزيت فلم يفعلوا، من أين سآكل أنا وزوجتي؟ لقد تلاشى راتبي بفعل القروض.. كان مدمنا على الخمر وشعاره في الحياة: ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر < > ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر…
يقترض ليشرب… يمقت مهنته إلى أبعد الحدود… ولوعا كان بحل الكلمات المتقاطعة، يصرخ بين الفينة والأخرى، حين كنا نسكن معا، بحروف متقطعة تشي بسكره.. حيـ .. ـو.. ا.. ن.. بر.. مائي، فنقدم الاقتراح تلو الآخر، دون فائدة لا .. لا.. لا، ثم يردف بنبرة حاسمة : إنه المعلم، صار لديه قاموس من المرادفات لكلمة المعلم، فهو ذبابة “التسي تسي” والعاشب، وأفعى البيض وأشعب ومادر، لم أجد من بينها وصفا واحدا مشرفا للأسف… قلت له مهدئا: ليس في مصلحتك أن تتصرف هكذا، ستجر على نفسك متاعب إضافية، أنت في غنى عنها، نظر إلي باستعطاف: خذني إلى بيتي أرجوك، حملته إلى بيته بصعوبة، وعلى عتبة منزله وجدت زوجته جالسة القرفصاء وعيناها محمرتان من شدة البكاء، أومأت إليها برأسي، فأفسحت الطريق، وأدخلته ثم وضعته على أحد الأسرة وقفلت راجعا..
كان البيت يعج بالفوضى وآثار المعارك الطاحنة تلوح من جنباته، على باب المنزل استوقفتني زوجته وشكرتني وهي مطرقة برأسها من شدة الخجل، لم أستطع النطق ببنت شفة، فقد كان الموقف محرجا، حاولت مواساتها فلم تسعفني العبارات، فغادرت والأسى يلفني من رأسي إلى أخمص قدمي، فقد كان “س” صديقي الحميم قبل أن يختار سلوك هذا السبيل، تقاسمنا الحلو والمر عندما كنا طلبة وفي مستهل حياتنا المهنية، لم أكد أبتعد عن البيت إلا بخطوات يسيرة حتى سمعت زعيقه يملأ الفضاء يتبعه صوت ارتطام الصحون والكؤوس بالأرض والجدران.. كان شخصا طموحا وقد أحس بكثير من الغبن حين أرغم على العمل في ميدان التدريس، حصل على نقط جد مشرفة في دراسته الثانوية تؤهله لولوج كلية الطب أو المدرسة العسكرية، فلم يفكر في الأولى لأنه يتيم الأب ولا مال لديه لتغطية النفقات التي تتطلبها الدراسة بالكلية، كما لم يفلح في ولوج الثانية لأنه ينحدر من أسرة لم ينبغ فيها غيره فلا عم ولا خال ولا أخ ليتوسط له في ارتقاء المراقي الصعبة.
كان راضيا في البداية بنصيبه من الدنيا، وما هو إلا أن عرك بؤس التعليم، حتى انتفض ساخطا على كل شيء، وجد السلوى في القنينة يفزع إليها من حين لآخر، يفضي إليها بمكنونات صدره فما تزيده إلا هما على همومه المتراكمة، أحس بنقص رهيب يلازمه فصار متسلطا، كاد أن يقتل أحد التلاميذ يوما لأنه خاطبه دون أن يفتتح بلازمة “السي”، ثرت في وجهه حينها قائلا: لست سيدا ولن تكون كذلك، أنا وأنت من رعاع القوم، ملهاة تشغل الناس عن أحزانهم، نحن الجديد في حياتهم البالية، يكسرون مللهم بنا، فيعيشون من خلال صراعهم معنا وهم الصراع مع السادة، ويحسون في انتصارهم علينا إحساس المواطن الذي يملك أمر نفسه، إنهم يربون الناس على المواطنة ونحن “كوباي” التجارب الوطنية، انظر إليهم يصرخون في وجهك وهم يطلقون بين الفينة والأخرى، عبارة “الحق” و”القانون” .. هل باستطاعتهم التفوه بها في وجه دركي أو فرد من القوات المساعدة، لا تخدع نفسك أنت عاشب وأفعى بيض وكفى.
مع توالي الأيام ساءت أخلاق صاحبي أكثر فأصبح عينا للمدير علينا، يخبره بكل صغيرة وكبيرة ، فصار المدير يدير شؤون المؤسسة بهاتفه النقال فقط دون أن يكلف نفسه عناء الحضور، حتى إذا اقتضى الحال أن يوقع بعض الوثائق طلب منا ملاقاته يوم السوق الأسبوعي في أحد المقاهي، وأجاد صاحبي القديم صنعة التملق فحصل على أعلى النقط بيننا أثناء زيارة المفتش، أصبح ممقوتا لدى الجميع، لكنني احتفظت له ببعض الود، ود تعود جذوره لأيام الدراسة، وإن كان طيف الفتى الطموح قد تلاشى ليحل محله شبح شاب اكتهل في ريعان شبابه.

نفثــــة مصـــدور

بعد وصوله مباشرة إلى المدرسة، أرسل المدير الحارس للمناداة علي وعلى “س” و”م”، أيقظنا من النوم… المدير يدعوكم، إنه ينتظركم في الإدارة… بسرعة أرجوكم، ارتدينا ثيابنا، ونحن نفكر في سبب هذا الاستدعاء المباغت، أتراه قد علم بأننا غادرنا المدرسة عشية السبت الماضي؟ الأخبار هنا تتناقل بسرعة غريبة، خاصة تلك التي نكون أبطالها، استقبلنا المدير مبتسما على غير عادته، تفضلوا أرجوكم… بعد أن أخذنا أماكننا متحلقين حول مكتبه، توجهنا بأبصارنا نحوه مستطلعين سبب دعوته..
أحم.. احمم.. كما تعلمون مجموعتنا المدرسية تضم الكثير من الفروع، وحتى لا أطيل عليكم، فالفرعية المتواجدة “بالمخفية” في حاجة إلى معلم، قلت: كم عدد التلاميذ بهذه الفرعية؟ أجاب : عددهم لا يتجاوز الخمسين والقسم الذي قلنا أنه في حاجة إلى معلم لا يتجاوز عدد التلاميذ فيه التسعة، قلت معقبا: كما ترى كل واحد منا يدرس ما يفوق أربعين تلميذا، إذن من المستحيل أن يترك أحدنا قسمه ليلتحق بالمخفية، قال متضاحكا: لا شيء مستحيل في مهنتنا، ستختارون واحدا من بينكم للذهاب إلى هنالك.
كان من الصعب على أي واحد منا أن يترك ” أفراس” لا لسواد عيونها، ولكننا كنا قد ألفنا الحياة بها ووطنا أنفسنا على التعايش مع ظروفها القاسية، لهذا قلت محتجا”: أنا لن أذهب إلى هناك نظر المدير إلي بغضب: هل تظن نفسك في ضيعة والدك؟ لم أتمالك نفسي فقلت له: لست في ضيعة والدي ولا في ضيعة والدك، تطور النقاش بيننا إلى سباب متبادل وتدخل المعلمان لتهدئتنا، فأقسم المدير بأغلظ الأيمان ألا يبعث إلى المخفية غيري، وقد علمت فيما بعد أن الممثل الجماعي الذي ينوب عن سكان دائرة المخفية من نفس الحزب الذي ينتمي إليه مديري، فكان تنقيلي إليها نوعا من الولاء الحزبي الذي لا يمت إلى التربية والتعليم بصلة..
وفور تنقيلي انتابني انقباض غريب، شعور يحسه كل من أقدم على أمر جديد لم يسبر أغواره، أنيطت إلي مهمة تدريس القسم الأول الابتدائي، ولم يكن هناك قسم أصلا، وقد اقترح بعض السكان أن أتخذ من المسجد مكانا للتدريس لأن المسجد لا يؤمه المصلون سوى يوم الجمعة – والذي صار عطلة رسمية للتلاميذ- دخل الناس في مشاحنات حادة حول مدى شرعية التدريس بالمسجد، فكانت الدراسة تتوقف أسابيع بأكملها قبل أن تستأنف من جديد صاح أحدهم: لقد سمعت من فقيه أوزاي أن التدريس بالمسجد حرام لأن الأطفال حتما سيتبولون فيه… يا سيدي وهل فقيه أوزاي هذا أفقه من مالك والشافعي وغيرهما ممن اتخذ المسجد مكانا لإلقاء الدروس؟

تدخل شاب من المساندين لتحويل المسجد إلى مدرسة ، كل الذين يعارضون هذه الفكرة ليس لديهم أبناء في سن التمدرس، غدا سيكبر أبناؤهم، وسيضيق بهم القسم الوحيد الموجود في الدوار كما ضاق بغيرهم اليوم، في النهاية قرر قرار المعارضة على السماح بالتدريس في المسجد، خاصة بعد أن أخبرهم ممثلهم بالجماعة بأن زيارته لنائب وزير التربية الوطنية لم تسفر عن شيء يذكر، وأنه لم يزد على أن قال “احمدوا الله لأن المسجد تحول لديكم إلى مدرسة” ، وأنه في صباه اتخذ المسجد رفقة أترابه مكانا للعب الورق.
اشترط الناس أن تظل أحذية التلاميذ خارج القسم، وأن أعمل على إخراج الطاولات كل جمعة، كان الأمر شاقا بالنسبة إلي وبالنسبة للأطفال كذلك، فأحذيتهم تصاب بالبلل حين تتهاطل الأمطار، وقد يحدث في بعض الأحيان أن تتشابه عليهم الأحذية فينشب العراك بينهم إلى أن أتدخل متوعدا بالعقاب فيهدؤون..
آسي… كريم سرق حذائي الجديد، لقد جلبه لي والدي من فرنسا… يا لهول الكارثة ، إنه حذاء ثمين كيف أواجه أسرته؟ …اندفعت إلى الخارج باحثا عن كريم العفريت الذي اختفى عن الأنظار أسبوعا كاملا استنفذت فيه كل الأعذار أمام أسرة الضحية، قبل أن تسوقه أمه تحت وابل من الصفعات واللكمات بعد أن اكتشفت أن العفريت الصغير لم يكن يتوجه إلى المدرسة، بل كان يختفي قرب شجرة البلوط إلى أن يعود التلاميذ إلى منازلهم، حمدت الله وأثنيت عليه حين استعدت المسروق وحرصت بعدها على مراقبة أحذية الأطفال، واجب ثقيل آخر انضاف إلى سلسلة واجباتي صرت مؤذنا وإماما في غياب الفقيه، بل وصرت مرشدا طبيا يقصدني الناس لأصف لهم الأدوية.. يا أستاذ ، أريد أن أسألك عن أنجع طريقة لتفادي وقوع الحمل، رحت أستعرض كل ما وعاه ذهني أيام الدراسة عن وسائل منع الحمل، ظنا مني أن السائل يبحث عن طريقة مثلى لتنظيم أسرته.
تناهى إلى علمي شهورا بعدها أن السائل تسبب في حمل فتاة يافعة في دوار مجاور، فأحسست ببعض الذنب لأنني أوحيت إليه بطريقة كلامي أن من شأن هذه الوسائل أن تمنع حدوث الحمل مائة بالمائة.. رويدا رويدا، أصبحت لدي مكانة خاصة في الدوار فتسابق الناس على استضافتي في بيوتهم، جلهم كانوا طيبين خلاف سكان “أفراس” فأشعرني ذلك بالأسى، إذ تقمصت دورا يكبرني كثيرا، في قرارة نفسي رغبت أن أكون قدوة صالحة وبذلت جهدا كبيرا في سبيل ذلك، فقد تطوعت لتقديم دروس محو الأمية للكبار، وقدمت ساعات إضافية للتلاميذ، بل وكنت أدعوهم يوم الأحد إلى المدرسة مواجها مشاكل جمة فمرة شتمتني أم أحد الأطفال لأنني أدرس طفلها في وقت تكون فيه في أمس الحاجة إلى مساعدته، حاولت فعل شيء ذي بال ولم أفلح، حالت بيني وبين مطامحي الحواجز فشل مشروع محو الأمية، وأحسست مع توالي الأيام أنني لا أقوم بواجبي تجاه الصبية على الوجه المطلوب، كان علي أن أدرس نصوصا عن البريد والأضواء الثلاثة والمستوصف ومحطة القطار لأطفال لم يغادروا دوارهم يوما، أطفال لم يسمعوا عن الطريق المعبدة، أطفال حين سألتهم عما إذا كانوا قد زاروا المدينة أجابوا جميعا بأن زميلهم “طارق” كان سيزور المدينة حين مرض ولم يفعل، نحيت المقرر جانبا واشتريت قصصا لجحا عملت على تدريسها فصدتني التشريعات الجامدة عن بغيتي وحالت دون تبليغ رسالتي، تلك التشريعات التي يلقيها علينا من فوق أولئك الذين ألفت مؤخراتهم نعومة الكراسي الوثيرة، قلت وأنا أبصق على مذكرة توصلت بها لتوي حول ضرورة تأثيث فضاء المدرسة بالجداريات وإنشاء متحف خاص بكل قسم: ” قدرك أيها المعلم أن تتحمل الإهانات في صمت قبوري، وأن تخدع نفسك قبل خداع الآخرين، سلموك أحجارا وبيضا وعليك أن تلعب بكل ذلك بطريقة البهلوان المحترف.
هو ذا دورك في مسرحية الاستحمار، ولعله أن يكون أقذر الأدوار اطلاقا ولعل نهاية المسرحية أن تكون وشيكة فيكون نصيبك من الازدراء أوفر الأنصبة، كما كان نصبك في استحمار الناس أعظم نصب”.

في صحبة “دون كيشوت” المخفية

كنت أسكن في المخفية بادئ الأمر في بيت ملحق بالمسجد، وقد قضيت به ما يقارب السنة، فكان أن توطدت العلاقة بيني وبين فقيه المسجد “ع” رغم اختلاف طباعنا، ثم صار فيما بعد يعتمد علي في الأذان وإمامة الناس للصلاة، واكتفى بالخبطة يوم الجمعة، لم يكن يحلو له الذهاب إلى وليمة أو حفل بدوني، وهكذا كنا نجلس الساعات ذوات العدد في حديث لا ينتهي عن همومنا وآمالنا المحبطة .
كان المسجد محجا لعابري السبيل وفقهاء الدواوير المجاورة، يقصدونه للاحتماء به من المطر أو لقضاء الليل، فيدعوني الفقيه “ع” للسمر، ولكم سمعنا من الطرائف والغرائب في تلك الأسمار، فهذا فقيه التغليسية لا يصلي إلا يوم الجمعة، ويقضي بقية الأسبوع في تدخين الحشيش لينسى غربته، وذاك فقيه “أوزاي” يخبرنا بأنه أصبح ساحرا رغما عن أنفه، تأتيه النساء بما لذ وطاب من الأطعمة والهدايا الثمينة، ليساعدهن على السيطرة على أزواج مخادعين، أو لييسر ارتباطهن بفتيان أحلامهن، لم يكن يفقه في أمور السحر شيئا، فكان يتمتم أمامهن بعبارات مبهمة ويحرك يديه حركات غريبة ثم يعمد إلى بعض الأعشاب فيقدمها إليهن لحل معضلاتهن، ولأن النفوس ميالة إلى تصديق الأكاذيب فقد طبقت شهرة هذا الفقيه الآفاق وذاع بين الناس أن بركته تجمد المياه الجارية..
أما طرائف صاحبي “ع” فكانت أعجبها جميعا، فقد وجدته مرة منخرطا في رقص محموم على نغمات أغنية منبعثة من “راديو” عتيق لم يكن يفارقه، قلت له ضاحكا: أراك في أسعد أوقاتك، أجاب دون أن يتوقف عن الرقص: ساعة لربك وساعة لقلبك يا بني، غير أن سويعات القلب لم تكن تنتهي عند فقيهنا إذ فوجئت به ذات مرة وهو يغازل إحدى الفتيات غزلا ماجنا عندما جلبت له الطعام، وحين نبهته إلى أن هذا الأمر لا يليق به قال: ما زلت صغيرا ولا تجارب لديك في الحياة، لتعلم يا بني أنني جبت دواوير عديدة، ولم أعامل معاملة حسنة في غير تلك الدواوير التي أعرف الوصول إلى قلوب النساء فيها، النساء هن سعد الغرباء، ألا ترى أن النساء يأتينني في أبهى حلة، بينما يتحلق الرجال في الدكان للعب الورق وتدخين الحشيش وقتل الوقت في الأحاديث الفارغة؟ قلت: ولكن هذا لا يعني أنهم موافقون على ما يحدث، أجابني ممتعضا: نظام الحياة هكذا، إنهن يقضين أوقاتا طويلة في العمل الشاق ولا سبيل ليرفهن عن أنفسهن بغير هذه الطريقة.. نظام الحياة هنا يتطلب هذه الأشياء، تعلم ألا تقف أمام الطواحين في دورانها السريع لأنها قد تطحنك، ثم انصرف ضاحكا، قلت لنفسي، لا رغبة لدي في مصارعة الطواحين. لست “دون كيشوت” زماني، لتفعلوا ما شئتم، سأكتفي بالتفرج…

وليت صاحبي كان مقتنعا بكل ما يقول، فما هو إلا أن سمع بعزم الناس على زراعة الكيف حتى انبرى فارسا لا يشق له غبار لمصارعة طواحين الفقر، فاكترى قطعة أرضية لهذا الغرض، وما هو إلى أن رأى الغنى على مرمى حجر منه حتى خصص كل الساعات لقبله ونسي ساعات ربه، فلم يعد يأتي إلى المسجد يوم الجمعة… انشغل بالدنيا عن الدين، ولكم هي فاتنة دنيانا حين تبسم في وجوهنا فنشغف بها ونحلم بوصالها، وقد عاش “ع” أمدا غير يسير هائما في تلك الفتنة الأخاذة التي تسرق الألباب، لم يفق من سباته إلا عندما جاءه مقدم الدوار باستدعاء يطلب فيه قائد المنطقة منه أن يوافيه عاجلا بمكتبه، ولم يفصح المقدم عن سبب الاستدعاء إلا بعد حصوله على مائة درهم بالتمام والكمال، ارتجف “ع” لدى علمه بان السلطة قد تناهى إلى علمها أن أحلامه قد جاوزت الخطوط الحمراء، فاستشارني في ملمته.. أشرت عليه باقتلاع الكيف وتعويضه بالبطاطس للتمويه في حال ما إذا أرسلت السلطات لجنة لمعاينة الأراضي المزروعة بالقنب الهندي ظل “ع” لأسابيع عديدة يردد على مسامعي أنه كان قاب قوسين أو أدنى من الثروة لولا الوشاة ، فكنت أرد عليه بأن الطواحين قد صيرته لحما مفروما وأن عليه أن يذعن فنظام الحياة يقضي بالسعادة حينا وبالشقاء أحيانا…

دراجة أكاكي أكيفتش

أيها المعلم البائس كفاك من زمانك القاسي ذلك الحظ اليسير من الدراهم تنفقها فيما تستر به عورتك، وتقيم به أودك، وحسبك من السعادة ألا تمد يدك إلى الناس أعطوك أو منعوك، وقد صرت اليوم رمزا للبخل في خيال السفهاء، ينسجون حولك الأحاجي والمستملحات، فهل علم هؤلاء أنه مع منتصف كل شهر يدق ناقوس المجاعة في مطبخك ويحاصرك الدائنون فتضيق بك المقاهي والطرقات…
لا أدري لماذا رددت بيني وبين نفسي، حين قررت الاستقرار بمركز مرنيسة الذي يبعد عن مدرسة المخفية حيث أدرس بحوالي ست كيلومترات، أنني سأقتفي خطى البائس أكاكي أكيفتش؟ رددتها دون وعي مني بادئ الأمر، ثم رحت أمعن النظر في سيرته، نعم ما أشبهني به، كنت معجبا بشخصيته وصموده وصبره، لكن شتان بين أن تقرأ عن المأساة وأن تعيشها، بطل قصة “المعطف” للروائي الروسي “غوغول” لم يجد مفرا من شراء معطف جديد، بعد أن حبل معطفه القديم بالرقع، حتى ما عاد يستحمل مغازلة الإبرة، ومعانقة الخيط، نصحه خياط خبير بأن عليه أن يتنازل عن فكرة إصلاحه من جديد، فراح يخطط لأمد غير يسير في الكيفية التي سيقتصد بها في نفقاته للإقدام على هذا الأمر الجلل، كان موظفا بسيطا مثلي، ولم تكن لديه أحلام واسعة أو آمال كبيرة، ولم تتعد أمانيه حدود الحصول على ضروريات الحياة، عانى الأمرين ولزمن طويل في سبيل توفير مبلغ يكفيه لشراء معطف يقيه قر البرد، تخلى عن كثير من اللمسات التي اعتبرها كمالية في معطفه الحلم، وحرم نفسه من الطعام أياما، اقترض من أصحابه وتحمل سخريتهم اللاذعة في صبر، وحين آن أوان اقتطاف ثمرة جهده المضني امتدت إليه يد آثمة في أحد الأزقة المظلمة لتسرق حلمه، فمات بعدها غما وحسرة.
كذلك كنت حين فكرت في شراء دراجة نارية تقلني من المدرسة إلى البيت، أنفقت جهدا مضنيا لجمع مبلغ ألفي درهم لشراء دراجة اكتشفت فيما بعد أنها لا تفي بالغرض خصوصا في رحلة الذهاب المليئة بالعقبات، علاوة على أنها بدون أوراق، ابتاعها مني زميل لي في العمل مقابل دراجة عادية ومبلغ ثمانمائة درهم لم أتوصل بها كاملة، والحق أقول فقد كانت لعنة تخلصت منها، فلدى بيعها انكسرت دعامتها الأمامية المتصلة بالمقود فكاد ذلك أن يودي بحياة زميلي المسكين، بعدها توالت الأعطاب عليها فأنفق صاحبنا في إصلاحها ما يعادل ثمن دراجة جديدة، أما أنا فباقتراح من والدي ومساعدة منه، قمت بشراء دراجة جديدة بالتقسيط وكان المبلغ المقتطع من راتبي الهزيل يؤلمني كثيرا، إذ ينضاف إلى واجب الكراء وواجبات أخرى أرغمتني على طلب المساعدة من الوالد بين الفينة والأخرى، كنت أصرخ في أعماقي أن قبح الله مهنة تجعل محترفيها عبئا على ذويهم.. محنة الدراجة لم تتوقف عند هذا الحد سميتها “القاتلة” فمرة التوت السلسلة على أشعة العجلة الخلفية وطوحت بي في مكان مقفر، أصبت إصابات طفيفة لم تثنني عن التفاخر بسرعتها وقوتها مما حذا بي إلى إرداف أحد الزملاء ذات يوم بعد تعطل دراجته فكان أن سقط أمام عجلات إحدى السيارات، زميلي هذا لم يستوعب أن “القاتلة” قد تضع حدا لمشواره المهني فاقترح علي مرة أن أمسك بيده بينما يمسك هو باليد الأخرى مقود دراجته العادية، أمسكت به ورحنا نقطع العقبة تلو الأخرى، وحين كنت أنعرج يمينا في أحد المنعطفات شرد ذهني في الطعام الذي سأعده بعد أوبتي فقد مللت من أكل المطاعم الوسخ، لم أفق إلا على صرخة حادة أطلقها زميلي وهو يهوي بدراجته في الجرف الممتد على جانب الطريق، أصيب بجروح في مختلف أنحاء جسمه، ففجر ذلك بداخلي عاصفة من الضحك لم أبد به حفاظا على مشاعر المصاب في الغد لم يقلع عن غيه، طلب مني أن أربط مقود دراجته إلى دراجتي بواسطة كوفية، وأثناء هبوطنا في أحد المنحدرات قررت التخفيض من السرعة تلافيا لكارثة البارحة، فاصطدمت دراجته بالعجلة الخلفية لدراجتي ملقية به أرضا، هذه المرة وبنبرة مستسلمة قال: إذا لم تقتلني هذه الدراجة فسيكتب الله لي عمرا طويلا.
ربما كنت وإياه أوفر حظا من أكاكي أكيفتش فلم نرضخ لنزوات “القاتلة” المدمرة في الوقت الذي راح فيه هو شهيدا للمعطف الجديد، لكننا أبدا لم نختلف عنه في المعاناة مع التهميش والحرمان، ترجلت عن “القاتلة” وولجت بيتي وأنا أخاطب نفسي بما يعجز لساني عن النطق به… ما ظنك بأمة تحتقر معلميها وترميهم بأقذع النعوت؟ وما ظنك بدولة تنفق في مهرجانات هز البطون أضعاف ما تنفقه في تعبيد الطرق نحو عوالم العلم والمعرفة؟ وما ظنك بمعلم يمقت اليوم الذي اختار أن يكون فيه معلما؟

أولاد الذوات وأولاد الذين…

حدثني مدير منافق عن نائب لوزير التربية الوطنية لا يقل عنه نفاقا عن وزير ملأ الدنيا صخبا عن إصلاح منظومة التعليم ببلادنا، وعن تساوي الفرص بين المواطنين في النهل من ينابيع العلم والمعرفة أنه قال: “إننا ما فتئنا نقدم الدليل تلو الدليل على رغبتنا الأكيدة في مزاحمة الأمم المتقدمة على الريادة، حسبكم أن تعلموا أننا قمنا بتعميم استخدام أحدث صيحات تكنولوجيا الإعلاميات في مؤسساتنا التعليمية، والتقارير الموجودة بين يدي تفيد أن تجاوب الفئات المستهدفة مع هذه التقنيات الحديثة يفوق نسبة 99.99% بكثير”.

وقد أثارني هذا الكلام فاستفتيت أهل العلم بأحاديث الوزراء في صحته، فعلمت منهم أن الحديث موضوع لا يحتج به لأن في إسناده منافقون ورواة مردوا على الكذب، سيتبوؤون مقاعدهم من مزابل التاريخ يوما، وعلاوة على اختلال الإسناد مكنني امتهان حرفة التعليم من الوقوف على اختلال متن الحديث أيضا.

كنت أنظر إلى الصبية المساكين والمخاط يتدلى من أنوفهم، وهم يرتدون ثيابا رثة، كأنما استعاروها من أبطال رواية البؤساء، بعضهم لم يكن ينتعل شيئا في رجليه، والبعض الآخر كان ينتعل أحذية ممزقة تبرز أصابعه من ثقوبها فأخالني حيال أبناء قبيلة من قبائل الطوارق الذين قطنوا الصحراء الكبرى فلم ينعموا بثمار المدنية اليانعة، ولم يخضعوا لدولة تنظم شؤونهم، إلا أنني أذكر مركز الدرك القريب فأعود إلى رشدي.

أين تلامذتي المتسخين الشاحبي الوجوه من هؤلاء الذين تقلهم السيارات الفارهة إلى مدارسهم ووجوههم تنضح بالبشر والسرور؟ أين تلامذتي الذين لا يجدون مالا ليقتنوا قطع الطباشير من أولاد الذوات الذين يصرف على تعليمهم أضعاف أضعاف مرتبي ومرتبات زملائي في المجموعة المدرسية كلها؟ قسمات وجوههم جميعا كأنما استلهمت من غيب المستقبل، هكذا قلت لنفسي وأنا أردد لازمة حفظتها منذ الولادة “ابن الفلاح سيكون فلاحا وابن الوزير سيصبح وزيرا”.
وقفت بباب قسمي ذات صباح في انتظار فلاحي المستقبل، فطال بي الوقوف، كانت تمطر بقوة والريح تعبث بكل شيء، ومعنى ذلك في البادية أن الأطفال سيتخلفون عن حصص الدرس، وهذا ما حدث، أيام عدة مرت قبل أن تلوح من بعيد أشباح أطفال يدبون نحو القسم كحلزونات لا تظهر إلا بعد انتهاء العاصفة، وصلوا فرادى في أوقات متباعدة بمقدار ساعة من الزمن، بعضهم كان نصف مبلل، والبعض الآخر يحمل أكياسا بلاستيكية عوض محافظ الكتب، وقد حشيت خبزا ومربى، كانوا يرتجفون من شدة البرد، أخبروني أنهم قطعوا النهر ليصلوا إلى المدرسة فابتلت ثيابهم، لم يحضروا مستلزمات الدراسة اليسيرة التي نجحوا في اقتنائها بعد مشقة خوفا عليها من البلل، ضاعت مجهوداتي سدى وأنا أحاول تلقينهم النشيد… هيا: مدرستي الحلوة، مدرستي الحلوة… جفونهم مثقلة بالنعاس، تطلعوا إلي ببراءة منتظرين الخلاص الذي لا يأتي… رشيد الذي لم يحضر محفظته منذ أن جرفها النهر اتخذ من القسم غرفة للنوم يأوي إليها بعد أن ينال منه التعب عقب مسافة طويلة صارت حظه اليومي من العذاب في هذه الدنيا… ما إن يصل حتى يسلم رأسه للطاولة ليغيب عن وجوده الذي يشبه العدم، تواطأت معه على هذا الحل المؤقت لمأساته، وبين الفينة والأخرى كنت أوقظه عساه يلتقط شيئا مما يروج حوله، صبيحتها حاولت إيقاظه وكان متعودا على ألا يستيقظ إلا في الموعد الذي نقدم فيه العدس في تلك الأيام التي تزامنت مع فترة استفادة الأطفال من المطعم المدرسي، وهي فترة لا تتجاوز خمسين يوما موزعة على شهور السنة، قام مذعورا وصرخ… آ السي هل أكلوا العدس…؟
وقبل أن أجيب أجهش بالبكاء… أدركت أن الصبية غير مستعدين لسماع أي شيء، فغادرتهم وأنا أغالب دموعي نحو غرفة الفقيه، قمت بتحضير شاي ساخن بالنعناع رغم أنني لا أتقنه، وأحضرت كيسا من الحلوى من بيتي، ووضعت كل ذلك في صينية صففت فوقها بعض الكؤوس، وحين عدت اشرأبت أعناق الصغار نحو الصينية… ولاحت على وجوههم أمارات السرور وهم يحتسون كؤوس الشاي بتلذذ ويأكلون الحلوى بشراهة، كانت فرصة سانحة كي يخرجوا قطع الخبز من أكياسهم… ساد جو من المرح في القسم وهمهمات حمد ورضى، ولم يكن مرحهم يشبه في شيء مرح أولاد الذوات لأنهم من أبناء الذين…

معلم مهمل

السيد المفتش حين شعر بالملل من مشاهدة البرامج التي تقدمها التلفزة فكر في تكسير روتين أيامه.. وجدته جالسا على الكرسي المخصص لي واضعا رجله اليمنى على اليسرى، وفور ولوجي إلى القسم نظر إلى ساعته باستياء، كنت قد تأخرت لما يزيد عن نصف ساعة، بسبب ثقب في إطار العجلة الأمامية لدراجتي والذي تطلب إصلاحه بعض الوقت… قام ببسط مجموعة من الأوراق والسجلات على المكتب، وطلب مني أن أناوله الجذاذات الخاصة بتحضير الدروس، لم أكن أتوفر على أية واحدة منها، طوى سجلاته ولملم أوراقه، ونظر إلي والشرر يتطاير من عينيه: أود الحديث إليك لبعض الوقت، طلبت من التلاميذ الانصراف وأنا أتوقع شرا من هذه المواجهة، فلطالما بعث لي التحذير تلو التحذير مع مدير المدرسة، كنت أتمنى ألا يحصل هذا الاصطدام، فأنا في بداية مشواري المهني، والطريق طويل، كنت كالمتدرب على السياقة، وكم يصعب على من أمسك المقود بيده لأول مرة أن يواجه شاحنة من الحجم الكبير.

افتتح هجومه بكلمات لم تكن تبشر بخير:
أرى أنك كثير الإهمال،… إذا كانت البداية على هذا النحو فلأنتظر الخاتمة ..قلت: لا أفهم ماذا تقصد بالضبط؟
رد محتدا: أنت تفهم جيدا، أولا حضرت إلى القسم متأخرا، وثانيا أراك بلباس لا يحسن بمن يزاول مهنة التعليم أن يرتديه، ثم… ثم أين وزرتك؟ وما يزيد الطين بلة أنك لا تتوفر على جذاذة واحدة.

كنت أنتظر فرصة كهذه لأنفس عن الغيظ الذي تراكم بداخلي مذ أمسكت بالطباشير ووقفت أمام السبورة معلما،
ثرت في وجهه متحدثا عن آلامي ومعاناتي، وعن إمكانيات الأسر المتواضعة التي تحول دون اقتناء المستلزمات الدراسية، ثم سألته: وأي منهاج هذا الذي تنتظر مني تطبيقه؟ أذاك الذي فصل على مقاس تلاميذ الرباط؟ أجابني بوقاحة يندر وجودها في غير علب ما بعد منتصف الليل: أنا هنا لتطبيق مناهج الوزارة وكفى، ومن أجل هذه المهمة أتقاضى مرتبي، لا حاجة بي لسماع كلامك هذا.. فلتذهب أنت ووزارتك للجحيم.. وبانفعال شديد عقبت على حديثه المستفز: إنني أربأ بنفسي عن أن أكون أداة طيعة في يدك وفي يد وزارتك، افعل ما بدا لك، وإذا اقتضى الأمر، سأترك هذه المهنة، كنت قد حزمت أمري وفكرت مليا في بيع النعناع والمعدنوس..
خرج الطاووس مزهوا بخطابه المتعالي، وراح يجر رجليه في تثاقل، وكأنما اشتد عليه أن يترك أرض المعركة قبل أن يجهز علي تماما.. بعدها تلقيت إنذارا من السيد نائب وزير التربية الوطنية المبجل فيه إشارات قاسية لإهمالي لم يراع أحد منهم معاناتي في سبيل أداء رسالتي، كل تلك الآلام التي كابدتها لم تكن تعني لديهم شيئا.. الورقة التي توصلت بها تختزل كل عذابي في كلمتين “معلم مهمل”، أصبت بالاكتئاب بعدها، لم أستسغ تلك الإهانة فقد رموني في اليم مكبلا وقالوا: إياك، إياك من البلل، أنا الحلقة الضعيفة في السلسلة فليصبوا علي غضبهم، وحتما لا قيمة لاحتجاجي وصراخي،.. بعدها لم يتوقف المفتش عن تهديدي، وقد ناصره المدير في حربه علي، لا أحد يود الوقوف في صف الضعيف… ورويدا ، رويدا، بدأت جذوة حماسي لمهنة التعليم تخبو، إلى أن انطفأت ذات يوم ، وإلى الأبد…

مع الحمقى

فضاء المدرسة بالبادية لا حرمة له، ولعلنا وجدنا في هذا الأمر بعض العزاء عن عزلتنا الإجبارية، فكثيرا ما كنا نجد أنفسنا وجها لوجه أمام أحمق أو معتوه، نتلهى بالحديث إليه عن مآسينا، وننسى لبعض الوقت أننا معلمون نرزح تحت عبئ واجب التربية الثقيل.

تناهت إلى مسامعي ضحكات الصبية المكتومة بينما كنت أكتب على السبورة نص الإملاء، لم يكن من عادتي أن أمنعهم من الضحك، فلم آبه لضجيجهم، فجأة انفجروا ضاحكين محدثين صخبا عارما بتعليقاتهم، التفت إليهم بغضب: هل تظنون أنفسكم في المسرح؟ كانت أصابعهم تشير إلى باب القسم حيث وقف “عمر البوهالي” بسحنته المخيفة المتسخة، تقدم مني بخطى ثابتة وطلب مني أن أسمح له بتدريس الأطفال لبعض الوقت، أعجبني الاقتراح، كانت فرصة مواتية لأرتاح قليلا، قدمت له قطعة طباشير وشجعته بابتسامة مني كي يبدأ، وانتحيت جانبا أتفرج على هذه المهزلة المعبرة، أخذ يتكلم بحدة موجها خطابه للأطفال: أنتم تخشون حرف الراء كثيرا، لكنه سهل للغاية، انظروا كيف يكتب، وخط حرف الراء على السبورة وناولني الطباشير ثم رجاني ألا أضرب التلاميذ وطلب مني قطعة خبز، فغادرت القسم نحو المسجد المحاذي للمدرسة وأحضرت له طلبه فوجدته منسجما مع الأطفال كانوا يضحكون ملء أفواههم أخذ مني الخبز وودعني شاكرا، واعدا إياي بالعودة… قلت لنفسي ليت أولئك الذين أرهقوا مسامعي بالحديث عن الأهمية التي توليها الوزارة الوصية للطفل القروي في اجتماعاتهم التافهة، يلتقون “بالبوهالي” ليدركوا أنه أفضل من يمكنه تنفيذ مناهجهم الخرقاء، لم يمض على التقائي “بعمر” سوى أسبوع واحد، لأفاجأ أثناء ولوجي للقسم ذات صباح بوجود رجل أنيق في الخمسينات من عمره، يرتدي جلبابا وطربوشا وطنيا يجلس على المقعد المخصص لي، سلمت عليه وقبل أن أسأله عن سبب دخوله إلى القسم، دخل أحد سكان الدوار وجذبني نحو الخارج حيث أفهمني أن الشيخ خريج جامعة القرويين، وأنه أصيب بمرض نفسي منعه من السيطرة على سلوكه، والحق أن الشيخ كان ذا حظ وافر من العلم وقد استمتعت بالحديث معه، فقد انتقل بي من الحديث عن التاريخ الأموي والعباسي، إلى الحديث عن الشعر ثم عرج إلى الحديث عن مدارس الفقه وعن نشأة علم الأصول… ودون سابق إنذار طلب من أحد التلاميذ أن يناوله كتاب القراءة، وأخذ يتصفحه بروية قبل أن يتوقف عند نص بعنوان ” القط المتهور” وأخذ يتلوه جهرا، كان النص يتحدث عن جماعة من الأرانب في حوارها مع قط فار من أمه، وقد أثار ذلك امتعاض الشيخ فصرخ مستاء: لعنة الله على هذه الوزارة الكذابة، كيف يدرسون للأطفال أن الحيوانات تتكلم؟ ثم هل يعقل أن تكون للأرانب جماعة، فليتحدثوا عن جماعة “أفراس” أو “تمضيت” ثم أغلق الكتاب بعصبية وخاطبني بنوع من الجفاء: أنا ابن المنطقة، أنا أولى بالتدريس منك هنا وأكثر منك علما لم أعقب على حديثه، فلربما كان مصيبا، إذ لم أستطع التأقلم مع أجواء العمل الجامدة رغم توالي السنين، ولا وجه للمقارنة بين معرفتي الضحلة ومعارفه الواسعة.

لم أكن الوحيد الذي عاش قصصا مسلية مع الحمقى، فذات مرة فوجئت زميلة لي بوجود رجل في آخر القسم، وهو يتصفح دفترا ضخما، ولأنها حديثة عهد بالتدريس في مدرستنا، ظنته مفتشا فارتبكت لأنها لا تتوفر على الوثائق اللازمة، من توزيع شهري وجذاذات وغيرها، أمضت لحظات حرجة قبل أن تكتشف أن الأمر تعلق بمعلم فقد عقله، أغرقت في الضحك قبل أن تتملكها عاطفة من الشفقة تجاه المسكين الذي يظل مصيره قدرا محتملا لجميع من سار في دربنا الشائك.

وتظل أطرف واقعة مع رفاقنا الحمقى تلك التي عشتها ذات مساء حين كنت أهم بركوب دراجتي وإذا بفتاة في الثلاثينات من عمرها توقفني ، كانت تنظر إلي نظرات مريبة، أدركت للتو أنها غير عادية، حاولت أن تمسك بي من يدي فأربكتني، قلت لها محاولا التملص من إلحاحها، أن هناك زميلا لي يبحث عن زوجة ولن يجد أفضل منك، كان صاحبي قد تأخر عني لبعض الوقت، وما إن رأيته متجها نحونا متهاديا في مشيته حتى أومأت إليها أنه الهدف المنشود، تركتني واندفعت نحوه في مرح طفولي، وهي تسأله بحروف متقطعة متى ستتزوجني؟ أفلت منها واتجه بسرعة نحو دراجته، وحين كان يهم بالابتعاد عنها أمسكت بمؤخرة معطفه، فتدحرج على الأرض محاكيا حركات البهلوان، كدت أستلقي على قفاي من شدة الضحك، بينما راح “روميو” ينفض الغبار وهو يشتمني بكل ما أوتي من قوة، ظلت “جولييت” تتردد أسبوعا كاملا على المدرسة، ذاق فيها “روميو” الأمرين قبل أن تختفي تماما لتتركنا مرة أخرى للرتابة والملل وغبار الطباشير..

يا سادة من يأكل العصا ليس كمن يعدها!!

“التغليسية ” موغلة في البعد، إنها “فزاعة” المعلمين ، كنت أنظر إليها شامخة تناطح السحاب، تتباهى بالرهبة التي تثيرها في نفوسنا، تسخر من أحزاننا، على قمتها ينتصب قسم وحيد يضم خمس مستويات يتناوب عليها معلمان، وبها قضى أحد المعلمين نحبه فصارت ذكراه قصة من قصص الرعب التي نتداولها في ليالي سمرنا، تبعد “التغليسية” عن مركز مرنيسة الحضري بحوالي ثلاثين كيلومترا يقطعها المعذبون في الأرض مشيا علي الأقدام، وحين يحالفهم الحظ يقطعونها جنبا إلى جنب مع الحمير و الأبقار والمواشي في سيارات الشحن..
هددني المدير مرة بنقلي إلى “التغليسية” لأنني مهمل حسب زعمه، فارتعدت أوصالي، في قرارة نفسي، كنت أفضل ترك العمل على الذهاب إليها، طوال أسبوع بكامله عقب حديثي مع المدير لم يغمض لي جفن، كنت أجتر في خيالي أحاديث المعلمين عنها، وأنتظر صبيحة كل يوم أن يصدر قرار ما بنقلي إلى هناك.

كنت أعجب كيف استطاع اثنان من زملائنا الصمود في وجه الظروف القاسية على قمة “التغليسية” التي لا تختلف في شيء عن قمة البؤس، معلم ومعلمة في بداية عقدهما الثالث الأول درس وثابر واجتهد حتى اعوجت قناته وشابت شواته وسقطت أسنانه وحين حصل على دبلوم الدراسات العليا في علم الاجتماع وقع بمحض إرادته على وثيقة نفيه، والثانية أدركتها العنوسة في طلب العلم ولم تدركها رحمة الدولة التي طوحت بها نحو الثلث الخالي مقابل ألف وخمسمائة درهم كل شهر قد لا تكفيها في شراء الضمادات والأودية لعلاج التقرحات والكدمات الناشئة عن صراعها الدائم مع الطريق الوعر.
بين “التغليسية” وبين أقرب تجمع يضم آدميين ساعة زمن مشيا على الأقدام، ليس هناك علامات كيلومترية لقياس المسافات التي درج الناس على التعبير عنها بالمدد الزمنية، أقرب منبع للماء يبعد عن القسم بنصف ساعة، وفي الليل تصير “التغليسية” قبلة للذئاب والخنازير والزواحف.

تسكن المعلمة بالبيت الملحق بالمدرسة، ويتخذ المعلم من القسم غرفة للنوم والطبخ ولقضاء مآرب أخرى، كنت قد خبرت عن كثب صعوبات التدريس في القسم المشترك لأنني درست القسم الثالث والرابع والخامس والسادس، غير أن مأساتي كانت أخف من مأساة زميلاي في “التغليسية”، فهما يتناوبان على تلقين اللغة العربية والفرنسية لخمس مستويات في حين كنت ألقن العربية فقط، كنت أعود إلى منزلي عقب كل حصة منهك القوى، فهذه تلميذة لا تنجز واجباتها الدراسية لأن والدها ينهرها ولا يسمح لها بتضييع قارورة الغاز ليلا، وذاك يقطع ساعة كل يوم ليصل إلى المدرسة، وحين يعود يجد نفسه مجبرا على النوم استعدادا لعذاب يوم جديد، كل هذا لا يعني شيئا في قاموس المعاناة إذا ما قورن بواقع “التغليسية” الذي يقض مضجعي..
شاءت الصدف أن ألتقي بمعلمي “التغليسية” ذات يوم، فأفضيا إلي بأوجاعهما، كانا يتناوبان على الفرار نحو منزليهما تناوبهما على العمل، وقد انحدرت الدموع من عيون المعلمة وهي تحكي عن تعرضها لمحاولة اغتصاب، وعن تحرش الناس بها في حلها وترحالها، أما المعلم فقد كان بيته محجا لمهربي الحشيش، يتزودون منه بالخبز والطعام، ويزودونه بحاجياته من المخدر الذي يجعله هائما في عوالم السعادة الزائفة، ولعلها أنفع لمنكوب مثله من مرارة الحقيقة…

تلك هي “التغليسية” التي يريد المدير معاقبتي بها، ورغم أنه لم ينفذ تهديده فقد ظلت ماثلة أمام ناظري، تطاردني في الحلم واليقظة، كنت أرى وجودها وصمة عار في جبين أمة مضى على استقلالها نصف قرن، ولست أدرك لهذا الوجود سببا غير المجازفة بحياة معلمين بائسين ألقى بهما الفقر في أحضان مهنة لعينة، وغير تعريض العشرات من الأطفال للهلاك، فطريقها محفوفة بالمخاطر التي لا يعيرها أصحاب الأختام والعبارات المطاطة اهتماما، ولكم دعوت الله أن يسلط عليها زلزالا أو كسفا من السماء في أيام العطلة، ولكم تضرعت إليه أن ينزل عقابه بهؤلاء الذين أخرجوا قسم “التغليسية” إلى حيز الوجود، أولئك الحثالى الذين لم يعرفوا عن عالمنا شيئا غير ما تتناقله الأوراق ولم تغبر أقدامهم يوما ينقع المسالك المؤدية إلى “التغليسية” …

فكرت في هذا كثيرا ثم وجدتني أردد بشكل تلقائي حكمة ذلك الحمار المتمرد الذي قضى سيده بأن يعاقب بالجلد، في زمن غابر كانت تتكلم فيه الحيوانات، وحين تجاوز الجلاد عدد الضربات المقررة في منطوق الحكم نهق بأعلى صوته: “يا سادة من يأكل العصا ليس كمن يعدها.”

 

وسام من درجة حمار صبور

أذكر أن ذلك اللقاء التربوي الذي انعقد ذات خميس كان النقطة التي أفاضت الكأس بيني وبين مفتش اللغة العربية، دخل القسم الذي حولناه إلى قاعة للاجتماعات بمدرسة كعب بن زهير، وتلفت يمنة ويسرة قبل أن يشير إلى أحد المعلمين إشارة مهينة يأمره من خلالها بمسح السبورة، جلس قبالة جمهور المعلمين الذين تقاطروا زرافات ووحدانا من الجبال المجاورة لمرنيسة، وافتتح حديثه بالهجوم عليهم… لاحظت أنكم لا تؤدون واجباتكم كما ينبغي وهذا التسيب لا يروقني… كل الدفاتر التي اطلعت عليها خلال زياراتي المتكررة للأقسام توحي بأنكم لا تفعلون شيئا إنني أحذركم…

لم يكن لكلامه أدنى علاقة بالتربية والتعليم… ذكرني في حديثه بتحذير “بوش “وسلفه “كلينتون” للعراق… انتظرت أن يرد عليه أحد المعلمين دون جدوى… وفي الطاولة المقابلة لمكتب المفتش لمحت معلمين يهزان رأسيهما بعد كل كلمة يقولها كما يجدر بتلميذين نجيبين… سميتهما فيما بعد عباد المفتش… طال انتظاري ولم يتكلم أحد.. أخذت الكلمة ونبهت المفتش إلى أنه بالغ في الهجوم على جثث فارقت الحياة منذ أن انتقلت إلى آخرة التعليم، وأبديت بعض الملاحظات حول صعوبة تطبيق المنهاج التربوي الذي صممه مهندسو الرباط في بوادي مرنيسة…
لم يرق حديثي معظم المعلمين فهبوا يذودون عن المفتش وعن التراب الذي تطؤه أقدامه، ونصبوا أنفسهم مدافعين عن كرامة وزارة التربية الوطنية التي أسأت إليها بكلامي الفارغ، فأكبرت شجاعتهم… أيام قليلة بعد الاجتماع تناهى إلى مسامعنا أن المفتش يشن حملة شرسة على المعلمين… وأنه يتعمد إهانتهم أثناء زيارته لهم… عقدنا اجتماعا طارئا في بيت أحد الزملاء وقر قرارنا على الرد على المفتش المتطاول الذي أساء إلى أسرة التعليم بالمنطقة كتبنا عريضة نحتج فيها على سلوك المفتش العدواني والمهين ورحنا نجمع التوقيعات متنقلين بين جبال مرنيسة وتلالها… لا أدري كيف وصل الخبر إلى المفتش فأرسل إلي مدير المجموعة التي أنتمي إليها، عشيتها كنت أهم بركوب دراجتي للتوجه إلى المدرسة، فاستوقفني متصنعا الضحك… رويدك منذ مدة طويلة لا نراك…
فاجأتني نبرته لكنني حافظت على هدوئي وأنا أجيبه بأن مشاغلي كثيرة فلا تتهيأ لي لذلك فرص لقاء زملائي في العمل، قال لن نجد إذا أفضل من هذه الفرصة، أجبت متذمرا كما تعلم هذا وقت عمل لا يمكن أن أتأخر عن القسم، اقترب مني كمن سيلقي إلي بسر خطير وقال بصوت يشبه الهمس، السيد المفتش ينتظرك بمقهى الفردوس، قلت في سري ما دام قد دخل إلى الفردوس فسيحولها إلى جحيم، تصرفت وكأنني لم أسمع شيئا… حييت المدير، وامتطيت دراجتي محاولا الانطلاق، أمسك بي المدير من ذراعي وألقى يمين الطلاق على زوجته إن لم أصحبه إلى المفتش، رضخت على مضض، وتوجهت إلى مقهى الفردوس حيث وجدت المفتش في انتظاري.
ما إن وصلت حتى وقف للترحيب بي… لم أفهم شيئا مما يدور حولي… تفضل آسي يوسف.. لا يعني أن نحمل أفكارا مختلفة أننا أعداء… الاختلاف رحمة… قاطعه المدير قائلا نعم… نعم ولولا الاختلاف ما كان التطور… لم أعد أسمع شيئا من كلامهما… سألني المفتش إن كنت أريد أن أشرب شيئا فلم أجب فكرر الطلب مرات ومرات إلى أن انتبهت إلى أنه يخاطبني فأجبته بالنفي، لكنه أصر وأقسم بأغلظ الأيمان أن أشرب شيئا ما… وأمر النادل بأن يحضر لي عصير برتقال…
ساد بيننا صمت ثقيل قبل أن يتدخل المدير ليبدد حيرتي… السي يوسف سمعنا بأن هناك مجموعة من المعلمين تعتزم التقدم بشكاية ضد السيد المفتش لدى نيابة وزارة التربية الوطنية، على العموم هذه الحركات لا تجدي نفعا لن تجر على أصحابها غير الويلات، قلت بهدوء.. والمطلوب مني الآن… كان المفتش لحظتها واجما وكأنما أوكل مهمة التفاوض القذر للمدير الذي كان من الصنف المستعد لبيع كل شيء في سبيل مصالحه… رد المدير والكلمات تندلق من بين شفتيه محدثة فحيحا كفحيح الثعبان… نعلم أنك شاب طيب وأنك لا يمكن بحال أن تكون ضمن هذه الزمرة من المتآمرين.
أقسم بالله العظيم أن المفتش كان يثني عليك قبل مجيئك… وقد اقترح علي أن يزورك وأن يمنحك أعلى النقط وسيمكنك ذلك لا محالة من الانتقال إلى أي مدرسة شئت داخل الإقليم… قلت متأففا لم أفهم قصدك بعد، ويبدو أن المفتش قد ضجر حينها من مقدمات المدير التي لا تنتهي فتدخل موضحا، نريد منك أن تقنعهم بأن عملهم هذا لا طائل من ورائه، أو على الأقل قل لنا من هم متزعمو هذه الحركة وسنعمل نحن على إقناعهم بالتراجع عن هذه المواجهة الخاسرة…
أراد الكلب تحويلي إلى معول لهدم نضال زملائي من أجل حقهم المشروع في المعاملة التي تليق بهم كمربين للأجيال… قلت لنفسي كلا وألف كلا لن ألعب هذا الدور القذر، نهضت بسرعة والكلمات تندفع من فمي محدثة صخبا هائلا لفت إلينا انتباه رواد المقهى… أنا أول الموقعين على هذه العريضة… وكلنا مصممون على مواجهتك حتى النهاية… كنت البادئ والبادئ أظلم، فلتحصد نتيجة إهاناتك المتكررة لنا…
تركت الطاولة بعد أن أديت ثمن العصير وشيعني المفتش بنظرات مندهشة إلى أن غادرت المقهى… من ضمن مئات المعلمين لم يقتنع غير خمسة عشر معلم بالتوقيع على العريضة .. قمنا بتسليمها لأحد مسؤولي النقابة، وانتظرنا نتائج نضالنا لمدة شهر كامل بين الجبال الشاهقة على أحر من الجمر ولم تتأخر النتائج، حصل المحتجون على إنذارات شديدة اللهجة من نائب وزيرة التربية الوطنية بإقليم تاونات، وتمكنت نقابتنا لا أطال الله في عمرها من إلحاق زوجة أحد مسؤوليها بمدرسة في قلب مدينة تاونات، وكان قد استعصى عليها ذلك زمنا إلى أن ساومت النائب بجهدنا ومعاناتنا وحصل أولئك الذين رفضوا التوقيع على العريضة على وسام من درجة حمار صبور سيزين صدورهم أبد الدهر .

 

لحظة نضال

طرقات خفيفة على الباب.. كانت الساعة تشير إلى حوالي التاسعة ليلا، وهو الوقت المفضل لدي للمطالعة، كنت وحيدا، لا أجد متعة تعدل متعة الإبحار في دنيا الكتاب، أنسى فيها عالمي، وأنفصل عن دنياي فلا يبقى هنالك أثر لغبار الطباشير وضجيج الصبية وشبح المفتش المخيف، أعادني صوت الطرقات إلى الواقع، فقمت متثاقلا لأفتح الباب.. من عساه يأتيني في هذا الوقت من الليل؟ مرنيسة تنام في تمام الساعة السابعة، فمن ذا الذي تجرأ على هتك عذرية ليلها؟ فتحت الباب فهالني أن أجد واحدا من مسؤولي النقابة وهو يتأبط شرا…
كومة كبيرة من الأوراق والملصقات، لاشك وأنها تتحدث عن أمجاد نقابتنا العتيدة، بعد تبادل عبارات المجاملة المعتادة دعوته للدخول.. تفضل، لقد جئت في وقتك.. لم يكن قد أتى في وقته بالفعل، ولكنها عبارات بليدة تغافلنا وتنساب من بين شفاهنا رغما عن إرادتنا، ولا نحس بأثرها الوخيم إلا عند سماعها.. اعتذر بلباقة، فحمدت الله وأثنيت عليه… لكنه عاد ليجهز على تفاؤلي الساذج… أنا في حاجة إليك الليلة سنقوم بتوزيع بعض البيانات على رجال التعليم بالمنطقة، فغدا كما تعلم اليوم الأول للإضراب الوطني عن العمل، ويجب أن نستعد بشكل كاف لهذه المعركة، ستنظم نقابتنا وقفة أمام مبنى نيابة وزارة التربية الوطنية، ومسيرة ستجوب شوارع مدينة تاونات، وعلينا أن نبدأ التعبئة منذ الآن.
خيمت علي سحابة من الحزن من جديد.. لن أنعم الليلة بقراءة “معذبو الأرض”، أمامي مهمة أخطر… استخدمنا الدراجة في التنقل بين منازل المعلمين والأساتذة، وبعد ساعات من العمل النقابي الدؤوب أوصلت صاحبي إلى بيته وقفلت راجعا، لم ينس أن يؤكد بأنه سيوقظني في الصباح الباكر لنذهب معا إلى تاونات…
حين وصلت إلى البيت كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، نزعت حذائي وانغمست في الفراش، وفي الصباح وقبل أن أتناول طعام الإفطار، كان صاحبي النقابي أمام باب منزلي، غادرنا عبر سيارة للنقل السري إلى تاونات رفقة قطيع صغير من الخراف، وأمام مبنى النيابة وجدنا جموعا غفيرة من المناضلين في انتظارنا، فما كان منا إلا أن انخرطنا مع الحشود في ترديد الشعارات، ويبدو أن ذلك لم يرق أحد المسؤولين بالنيابة، فاقترب منا قائلا: لستم غير زمرة من الحمير، من تحسبون أنفسكم؟
ثارت ثائرة المناضلين الذين تحلقوا حول المسؤول المبجل، وأخذوا يرددون الشعارات، ثم راحوا يتداولون بشأن الرد المناسب على اعتدائه، قال أحد المعلمين وهو يغلي من شدة الغضب، ليضربه كل واحد منا بركلة جزاء وفاقا على وصفه لنا بأننا حمير، وسيتفرق حينها دمه بين القبائل، لا يمكن أن نعاقب جميعا من أجله، لم ترق الفكرة معظم الحاضرين، وإن كان هناك ثلة من المعلمين، ممن تنطق قسمات وجوههم بالغبن، قد حبذوا هذا الخيار، في نهاية المطاف تدخل أحد كوادر النقابة وهدأ الجموع، ووعد بأنه سيدخل من فوره إلى النائب لتسوية المشكل ولإجبار المعتدي على الاعتذار…
حين خرج النائب علينا، دخل في مشادة مع أحد المعلمين ممن كانوا يعتلون سور النيابة، وعندما نزل قام بركله، فاجتاحت المناضلين عاصفة من الضحك وتعالت التعليقات الساخرة: الفقيه الذي نرتجي بركته ولج المسجد ببلغته.. هذا ما كان ينقصنا.. ألا يكفي أننا نجلد على مدار السنة… انفضت الوقفة الاحتجاجية، لم يعتذر المسؤول ولا رئيسه، لملم المعلمون قهرهم، وجراح كرامتهم وغادروا المكان وهم يشتمون في سرهم النائب والنقابة على حد سواء، أما أنا فقد كنت واثقا من أن أجمل شيء في هذا الإضراب، هو استراحتنا من هموم القسم.

يوم تحسيسي لفائدة الطفل

لأول مرة منذ إقامتي بمرنيسة أسمع عن نشاط ثقافي.. كانت المبادرة من وحي خيال أحد شباب المنطقة المثقفين، وقد بذل جهدا خرافيا لإنجاحها، وبما أن النشاط اتخذ صيغة يوم تحسيسي لفائدة أطفال البادية، فقد وجد المعلمون أنفسهم ملزمين بإنجاحه، عهد إلي بتدريب تلامذتي على أداء مسرحية غنائية موضوعها معاناة الطفل الفلسطيني، لتزامن النشاط مع بداية العدوان الإسرائيلي على مخيمات “جنين”.
دعي لحضور الحفل الذي أقيم على ضفاف الوادي الذي يخترق المخفية، ممثلون عن السلطة المحلية، وممثلون عن الإدارات العمومية بمرنيسة، بالإضافة إلى عناصر من أسرة التعليم، أقيمت خيمة كبيرة لاستقبال الحضور الكريم، ووقف الأطفال مصطفين منذ السابعة صباحا في انتظار انطلاق الأنشطة، كان المدعوون يصلون تباعا إلى الخيمة فتعمد اللجنة المنظمة لليوم التحسيسي إلى استقبالهم والتصفيق عليهم وكأنهم قد أتوا بالمعجزات، وصرخات أفرادها تخترق الأجواء: اجتماع طارئ للجنة المنظمة.. اجتماع طارئ.. وخاصة إذا كان القادم من العيار الثقيل، مثل القائد أو خليفته، عند الزوال كان نصاب المدعوين قد اكتمل، وأرجل الأطفال قد تورمت من طول الوقوف، فأعطيت إشارة الانطلاق للصبية، ولأن الحر كان شديدا فقد شعر الأطفال بالإجهاد أثناء أدائهم لبعض الألعاب الرياضية.
صب عليهم “ب” جام غضبه: أهذه هي الرياضة التي علمتكم إياها؟ ألا تأكلون الخبز؟.. ضاع تعبي سدى.. فضحت أمام الناس،.. ثم جاء بعدها دور المسرحية التي دربتهم عليها، فكان الأداء باهتا، بسبب غياب الميكروفونات، إذ كانت أصواتهم تذهب أدراج الرياح..
كنت أضحك بكل جوارحي، رغم أن القضية التي تعالجها المسرحية تبعث على الأسى والحزن، لكنني لم ألتفت لكل ذلك فقد شغلت بحركات الأطفال المرتبكة ومحاولاتهم اليائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.. فمراد مثلا تناسى أنه أمام الجمهور وصرخ في وجه زميله: أيها الحمار، لقد أخطأت، ثم لقنه ما يجب عليه فعله، وأمسك عماد رأسه مولولا: سيقتلنا المعلم، لقد قضينا أسبوعين كاملين في التدريب على هذه الأدوار..
حين انتهوا من عملهم اقتربت منهم وصفقت عليهم بحرارة، فتحلقوا حولي ضاحكين، أفهمتهم أنهم أصيبوا بإرهاق شديد بسبب المدة التي وقوفها تحت الشمس، وبسبب ممارستهم لألعاب مجهدة.
بعد انتهاء الأنشطة ألقى رئيس اللجنة المنظمة كلمة أشاد فيها بجهود السلطات المحلية في إنجاح “اليوم التحسيسي”، كما أشاد بدعم الجمعيات المسيسة التي قدمت الجوائز للأطفال، وفي الختام دعينا إلى وليمة عامرة بما لذ وطاب، وانصرف الأطفال إلى منازلهم، حين عدت أدراجي إلى منزلي ندمت كثيرا على مشاركتي في هذا العمل اللئيم الذي مورست فيه ألوان من التعذيب في حق أطفال البادية، لم أرجع من كل ما شاهدت في ذلك اليوم بفائدة تذكر سوى أنني ملأت بطني بالأطعمة الشهية، وفهمت بأن لا شيء في بلادنا يراد به وجه الله، فالانتخابات حاضرة في كل حركة وسكنة في مثل هذه الفلتات التي لا تتكرر دائما، أما الأطفال فقد قضوا يوما كاملا من العذاب ذاقوا فيه مرارة الجوع والعطش والخوف واكتووا بلهيب الشمس، فحق لهم ألا ينسوا فضل ذلك اليوم التحسيسي، في سائر أيام حياتهم، في تنبيههم إلى كونهم أداة للفرجة ككل الصغار في يد الكبار يعبثون بها كيفما شاءت أهواؤهم.

على درب الشهادة

تراكم الإحباطات جعلني أفكر في ترك العمل، لكنني ووجهت بمعارضة قوية من طرف كل من يعرفني، والأسباب التي بنوا عليها مواقفهم هي ذاتها لا تتغير، فسوق الشغل راكد، ولا مجال للاختيار بين حرفة وأخرى، ثم إن مهنة التعليم من أشرف المهن، غير أن هذه المقولة ما كانت لتطرب مسامعي أنا الذي خبر المهنة عن كثب، واستيقن أنها عاهرة خؤون، تقسو على المتدلهين في غرامها، وتقبل على كل من أدار ظهره لعريها، قلت في لحظة من لحظات الخلوة مع نفسي، لأقتفي خطى أصحابي، لست من الحنكليسات لأسبح ضد التيار، وكذلك كان…

قصدت طبيبا من معارفي، فأجابني إجابة عارف بخبايا الإدارات في بلادنا، لن تجد بغيتك عندي، أنت تعلم بإمكانهم أن يجروا لك فحصا مضادا، وإذا كنت سليما سينكشف أمرنا، نصيحتي لك أن تذهب إلى الدكتور “ج” إنه اختصاصي في الأمراض النفسية، وهو بالمناسبة أقرب إلى الجنون منه إلى العقل، لا يتورع عن ارتكاب الآثام والخطايا، يكفيك أن تسلمه ثلاثمائة درهم لتحظى بشهر عسل يعيد إليك نشاطك وحيويتك، زودني الطبيب برسالة توصية سلمتها بدوري للدكتور “ج” كان مباشرا في حديثه إلي: إذا أردت أنا مستعد كي أسلمك شهادة تثبت عجزك لمدة سنة كاملة، ولكن من الحكمة أن تتدرج في التظاهر بالمرض.
وهكذا غرقت في العسل شهرا كاملا لم ينغصه علي سوى اتصال المدير بين الفينة والأخرى وحديثه عن احتجاج سكان الدوار وعزمهم على تقديم شكاية للمسؤولين، وفي النهاية اقترح علي أن يمنحني يومي عطلة كل أسبوع مقابل التحاقي بالعمل، قلت لنفسي فلتذهب الوزارة والمدير والدوار حيث ذهب فرعون وعاد وثمود، ثم أجبته: إنني مريض، لك أن تتبع في حقي كل الإجراءات القانونية.

غيابي عن المجموعة المدرسية خلق بعض المشاكل، فليس هناك من يعوضني، وهكذا بحث المدير عن أي طريقة تعيدني إلى الجحيم، وتفتق ذهنه المنزوي في مكان ما من رأسه الأصلع عن فكرة جهنمية ساعده المفتش في إضفاء طابع المشروعية عليها، فامتنع عن تسلم الشهادة الطبية مني في متم الشهر، وكنت قد حصلت عليها من الدكتور “ج” حسب الاتفاق الذي أبرمناه، والذي يقضي بحصولي على شهادة نهاية كل شهر مقابل مائتين وخمسين درهما، بخصم خمسين درهما عن أول تعامل بيننا، بعد أن صرت زبونا قارا لديه، المدير اللعين ادعى أن النائب الإقليمي قد أوصاهم بعدم قبول شواهد طبية من المعلمين بعد أن تهاطلت عليه بالمئات، وألا يقبلوا إلا بتلك المحصل عليها من مستشفيات عمومية.
وجدتني في مأزق حرج، أوصاني أحد المعلمين بالقيام ببعض الحركات الجنونية، لإجبار المدير على تسلم الشهادة، قال: لم لا تدخل إلى الإدارة ثائرا، وتنزوي في أحد أركانها لتتبول، إذا أحدثت بعض الضجيج وبعثرت الأوراق فإن ذلك كفيل بأن يحمل المدير على تصديقك، حين ولجت الإدارة لم أستطع التبول لأنني لم أكن مستعدا لذلك بشكل جيد، أحدثت بعض الضجيج، لم يكن كافيا لتحقيق الغرض..
هكذا وجدت نفسي أتنقل بين الأطباء من جديد، وفي النهاية قصدت مستشفى “ابن الحسن” بمدينة فاس، لكنني لم أختر الوجهة الصحيحة حين التجأت إلى طبيب أجنبي فاسمعني محاضرة طويلة عن المسؤولية وعن واجبنا تجاه أمتنا، كان يشع حماسا وهو يخاطبني والكلمات تندفع من فمه محدثة هديرا، كهدير البركان.
أنتم الشباب أمل هذه الأمة، وعليكم المعول في إخراجها من عنق الزجاجة التي أحكم إغلاقها مع تراكم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يقصدني العشرات من أسرة التعليم، لو سايرتهم فيما يرمون إليه، فسيكون لي دور قذر في حرمان الآلاف من الأطفال من حقهم في اكتساب المعرفة، قلت :يا سيدي إن كانت الأمة في عنق الزجاجة فأنا أتنفس تحت الماء، إني أغرق.. أغرق ..
عدلت عن فكرة إقناعه، فقد كان صلبا كالصخر، ولجأت إلى طبيب من صنع محلي، لم يجد حرجا في سؤالي عما إذ كنت مريضا بالفعل، أم أحاول التهرب من مسؤولياتي، قلت :بل الثانية يا سيدي، أجاب على الفور: إذن أنت تكذب على الدولة، وستتقاضى مرتبا دون أن تؤدي أي عمل مقابله، لأكذب أنا أيضا، ناولني ثلاثمائة درهم مقابل كل شهر، أجبته: يا سيدي مائتان وخمسون درهما كافية، أنت محيط ولاشك بظروفنا القاسية، بعد أخذ ورد سلمني الشهادة، وحين سلمتها للمدير أسقط في يده، كان القانون هذه المرة في صفي.

فوا عجبا كيف ألام على اجتهادي في ظروف تستنكف البهائم من العيش فيها!! وكيف أنعم بالراحة حين أتقاعس عن أداء واجبي، دون أن يجرؤ مخلوق على لومي وأعجب من ذلك أن يتغير خطاب المدير معي كلما طلبني في الهاتف، صار يتحدث باحترام وأدب مضيفا لقب “السي” إلى اسمي ، لكن ذلك لم يثنني عن عزمي في المضي قدما في إتمام إجراءات الطلاق من مهنة المصائب.

 

بطل في الظل

على قمم جبال مرنيسة الشاهقة التي تناطح السحاب علوا وذل الفقر دنوا، يعيش رجال سطروا بعزمهم أروع البطولات على جبين التاريخ، وأرغموا بثباتهم المستعمر على العودة من حيث أتى، لفهم النسيان وآثروا الصمت ذهابا بكرامتهم أن تمتهن في زمن يتهافت فيه الناس على بطائق المقاومة.. عمي “أحمد” واحد من هؤلاء، لم أحس بمصاب الأمة فيه إلا عندما افتقدت كلماته الحكيمة حين رجعت من منزل والدي بعد العطلة، فقد مات دون أن يكتب عنه التاريخ حرفا واحدا، عرفته في الأيام الأولى لالتحاقي بمدرسة “المخفية” وتوطدت بيننا أواصر الصداقة فيما بعد، يدعوني لبيته بين الفينة والأخرى فنتجاذب أطراف الحديث…
حين وثق بي أطلعني على الكثير من أسراره، عاش الرجل حياة حافلة بالمصاعب والمآسي، قاتل على أكثر من جبهة، وتجرع ذل الأسر لسنوات، وفي أواخر أيام حياته أسر لي بأنه لم يعش قط غبنا كالذي عاشه على أرض وطنه بعد تحريره.

في مستهل شبابه كان عمي احمد “مجندا” في صفوف الجيش الفرنسي، وبفطرته أدرك أن في ذلك خيانة عظيمة لأمته، فقرر القيام بعمليات فدائية فردية، كان يغادر الثكنة ليلا لاغتيال المستعمرين، وذات ليلة اشتبك مع زمرة من المحتلين بمفرده في ملهى ليلي، قوته الجسدية الخارقة كانت تثير الرعب، فقد تكمن من قتل أحدهم بلكمة واحدة، فاستخدموا الرصاص لإيقافه، أصيب في كتفه بعيار ناري، فتحامل على نفسه وقاومهم إلى أن تمكن من الفرار، بعد ساعات من الركض وجد نفسه أمام أحد الكهوف، فاختبأ فيه ريثما يخف عنه الطلب، إلا أن أعداءه استعملوا كلبا مدربا في اقتفاء أثره، فاهتدوا إلى مكانه، حين ولج الكلب الكهف عليه، تحسسه عمي أحمد بيده إلى أن أمسك بالطوق المحيط برقبته فجذبه بعنف ووجه له لكمة قوية حطمت أسنانه.
تعالى نباح الكلب على نحو غير طبعي، ممزقا سكون الليل، فأطلق الجنود الرصاص بشكل عشوائي من رشاشاتهم، واستخدموا مكبرا للصوت ليطلبوا منه تسليم نفسه، وفعلا استسلم عمي “أحمد” ليبدأ رحلة جديدة في أقبية التعذيب انتهت بالحكم عليه بالإعدام، وقد أكبر أعداؤه شجاعته فضنوا بعنقه على حبل المشنقة، وخيروه بين الالتحاق بصفوف القوات الفرنسية في حربها ضد النازيين وبين مواجهة الموت على نحو ما ذكر لي..
يروي عمي أحمد بأسى كبير حكاية قتاله للنازيين، لم يكن يقاتل هذه المرة دفاعا عن وطنه، ولكنه فعل ذلك حفاظا على حياته وكفى، الفرنسيون دفعوا به نحو الخطوط الأمامية للمواجهة فكان أن وقع في الأسر، حيث قضى سنوات مريرة في معسكرات الاعتقال الألماني، حين أفرج عنه في إحدى اتفاقيات تبادل الأسرى عاد إلى وطنه ولما يتحرر بعد، برصيد هائل من الأوسمة التي تشهد على أنه رجل من طينة نادرة، لم يستسغ الأسد الهصور البقاء مكتوف الأيدي، فانخرط في صفوف جيش التحرير، قاتل إلى جانب أسماء خلدها التاريخ كالمسعيدي والصنهاجي وغيرهما، وأخبرني أنه كان ينقل الطعام للمقاومين عبر مسالك لا تقوى البهائم على السير فيها.
وبعد حصول المغرب على استقلاله آثر العزلة ، كان يبكي وهو يرى أبطال معركة التحرير يصفون تباعا بأيدي أناس لم تنزف من دمائهم قطرة واحدة في مقاومة الاحتلال، قال لي ذات ليلة.. الكثير من أبناء الخونة الذين درسوا في فرنسا تقلدوا مناصب عليا بعد الاستقلال، والكثير من الأشخاص الذين وصفهم التاريخ بأنهم أبطال التحرير كانوا في حقيقة الأمر من أشد الناس معارضة لحركتنا، وحين كنا نطلب منهم إمدادنا بالمال كانوا يرفضون، كانوا يتاجرون بدماء الشهداء في المحافل والمؤتمرات السرية والعلنية ويستغلون الضغط الذي مارسناه على المحتل بجهادنا لتحقيق مكاسب ذاتية، أعرفهم واحدا واحد..
عمي احمد كان وثيقة تاريخية لا تقدر بثمن، أدركت من سماعي لقصته أن هناك تاريخا مزيفا يحتاج إلى المراجعة والمعالجة، لم أكتب إفادته التاريخية القيمة كما طلب مني وقد ندمت على تفريطي في ذلك فيما بعد، لكنني اقتنعت بوجهة نظره بخصوص التهميش الذي تعيشه مرنيسة التي تغص بأمثاله، وغيرها من قلاع المقاومة التاريخية، ففي تلك النظرة ما يغني عن ذكر الكثير من التفاصيل، قال عمي أحمد ” إنه تهميش مقصود “.

 

لدغة عقرب

على الباب وقف “ع” يحثني على الإسراع في ارتداء حذائي للالتحاق بالمدعوين لوليمة أقامها احتفاء برجوع أخيه من الديار المقدسة، ولأنني لم أكن أعرف بيته انتعلت بلغة حتى لا أضيع الوقت… أحكمت إقفال باب بيتي، وانطلقنا صوب منزله، قضينا ليلة ممتعة مع زمرة من شباب الدوار…
أثناء عودتي رافقني “أ” لأن طريقه تمر أمام باب المسجد، وما كدنا نبتعد عن عتبة باب صديقنا “ع” بخطوات حتى وجدته يخاطبني بصوت أقرب إلى الهمس: هذه المنطقة مليئة بالعقارب السامة فانظر أين تضع قدمك، أجبته ضاحكا: أخوف ما أخاف عليك أن تلدغك إحدى أفاعي الكوبرا المرنيسية، ستقضي عليك لا محالة، أتدري؟ منذ أسبوع لا يعرف النوم طريقا إلى عيوني، لقد اكتشفت وجود أفعى ضخمة في بيتي، اتخذت من الشقوق مسكنا لها… كلما سمعت خشخشة بالليل ظننتها هي، لقد أتت اللعينة على كل الفئران المتواجدة بالمسجد، مضت أيام طويلة لم أر فيها فأرا واحدا، على الأقل كانت الفئران تؤنس وحدتي…
انفجر “أ” ضاحكا، بينما أحسست بما يشبه المسمار يخترق قدمي فبترت ضحكي وصرخت متألما، اقترب مني “أ” متسائلا ، ثم راح يفتش بالقرب مني، كنت أمسك برجلي من شدة الألم، اكتشف “أ” أن الأمر يتعلق بلدغة عقرب من النوع الخطير، كان السم يسري في جسدي بسرعة، مخلفا آلاما فظيعة تتنامى مع توالي الدقائق، استندت على كتف “أ” في مواصلة المسير إذ لم أعد أقوى على وضع قدمي على الأرض، وبالبيت قمت بربط رجلي بقطعة قماش لأوقف سريان السم في باقي الأعضاء، لم تكن هناك وسيلة تقتلني نحو المستشفى لتلقي العلاج، فكان لزاما علي أن أقطع ما يقارب ست كيلومترات راجلا، صارت الحركة بالنسبة إلي عذابا أليما، كنت أغلي من شدة الغيظ كغليان المرجل، وكل ذرة مني تصرخ: أيها الوزراء، يا دولة الحق والقانون، هل تعلمون كم حاملا تموت في هذه الدواوير قبل أن تصل إلى المستشفى لتضع حملها؟ وكم طفلا يفارق الحياة بسبب لدغة عقرب أو أفعى؟ يكفيكم أن تحصوا ما تراكم لديكم من أموال طيلة الفترة التي انشغلتم فيها بجنيها عن هموم الناس.. أما أنا وغيري من الطفيليات فدوننا بحر العذاب فلنخضه..
وصلت إلى المستشفى متعبا.. وقد ادعى الممرض أن المستشفى لا تتوفر على الأمصال المضادة لسم العقارب، وأقسم على ذلك بأغلظ الأيمان، حين ناولته عشرين درهما، تذكر أن هناك قارورة نسيها في مكان ما، وكان ذلك من حسن حظي، فور حقني بالمصل فقدت وعيي، فرأيتني أهيم في عالم من الأشباح المخيفة.. كان ذلك من أثر السم والإجهاد.
استرجعت وعيي بمساعدة “أ” والممرض واضطرت لقضاء الليل بمنزل أحد الأصدقاء ، ومع إطلالة الشمس عدت إدراجي إلى منزل والدي حيث سهرت أمي على تمريضي أسبوعا كاملا شحب فيه لوني وفقدت كيلوغرامات عديدة من وزني…

 

نبوءة عراف

في صباي شاءت الأقدار أن ألتقي عرافا ممن يطلقون على أنفسهم “أولاد سيدي رحال”، كانت قناعتي، ولا زالت، راسخة بأنهم كاذبون، فلا يخبر بغيب المستقبل غير علام الغيوب، لم أطلب من العراف شيئا، لكنه اقترب مني دونا عن زملائي في اللعب وأمسك بيدي قائلا: يا بني ستجمع مالا وفيرا وستضيعه، إنني أرى في عينيك بريقا لا أخطئ معناه، وخرجت الكلمات من فمه مفعمة بالأسى وهو يردف: “لن تفلح في حياتك أبدا..”
بعد مضي سنوات طويلة، تذكرت نبوءة العراف أثناء إقامتي بالبيت الملحق بالمسجد ذات ليلة نابغة مديدة، فأطلقت ضحكة حزينة ارتجت لها جنبات البيت، أين المال أيها الخنزير لأضيعه؟ لا أملك غير عمري الآن أنفق أيامه في كفاح يدمي القلب من أجل لقمة خبز يابسة، ولربما صدقـت -وأنت الكذوب- في أنني لم أفلح في وضع رجلي على المسار السليم نحو السعادة حين اخترت أن أكون معلما.
كانت لدي رغبة جامحة في أن أتابع دراستي في فرنسا، وككل الأحلام التي لا تتحقق ظلت فرنسا الجميلة تداعب خيالي فقررت أن أتخذ التدريس مطية للهجرة نحو برج إيفل، كنت فتى لا أقيم وزنا للعقبات، وكان زادي من التجارب يسيرا فلم يسعفني في تكهن المصاعب التي ستواجهني…

توالت السنوات ولم أغادر نحو جنة الأحلام، شذبت الأيام اندفاعي… فما عدت أومن بالنهاية السعيدة في قصص الحياة، وقد ألفت القبح في كل ما يحيط بي فتلاشى في ذهني سحر فرنسا، وما هو إلا أن جربت أن أكون مسؤولا عن نفسي وعن القرارات التي أتخذها حتى ضقت ذرعا بالقبح والجمال، فما عدت أحفل بواقع أو يستهويني الجري وراء خيال، لم تلح في الأفق أدنى بارقة للأمل لتبدد الألم الذي أصبح دستورا أستمد منه رفقة زملائي ضوابط حركاتنا وسكناتنا، فقررت تعديل هذا الدستور ووضع حد لتلك المعاناة، تركت الأطفال الذين أحببتهم وقضيت معهم شطرا من عمري، وودعت جبال مرنيسة ومسالكها الوعرة غير آسف عليها، فكان فشلا جديدا ينضاف إلى خيباتي العديدة إنه قدر المستضعفين في هذه البلاد… ألا يفلحوا في قطع مسار حياتهم الشاق دون أن يتعثروا مرات ومرات…