إفلاس السياسة

فريق التحرير

youssef

إفلاس السياسة

يوسف الحلوي

إذا كانت السياسة هي فن الممكن أو فن الحفاظ على الكرسي كما عرفها ميكافيلي، فلا شك أنها ستنتج حكاما مستبدين يمتزج لديهم مفهوم الذات بمفهوم الدولة. وإذا كانت السياسة كما تعرفها المعارضة هي مجموع المطالب المادية التي يسعى المواطنون لانتزاعها من السلطة الحاكمة، فإنها ستفضي إلى قيام مجتمعات مدار سعيها واجتهادها على تحقيق المكاسب الذاتية، والحاكم المستبد لا يختلف كثيرا عن الشعوب التي حصرت تطلعاتها في تحقيق المنفعة كلاهما أبعد القيم عن دائرة اهتمامه.

لقد أطلق ألكسيس كاريل صرخة مدوية تسائل ضمير الغرب منذ عقود “ماذا لو كسب الإنسان العالم وخسر نفسه ؟ “وحري بنا نحن الذين لم نبلغ رقي الغرب المادي ولم نتخلص من استبداد الحاكم أن نعيد طرح السؤال نفسه، إن تقييم التجارب السياسية عموما عندنا عادة ما ينصب على الجوانب المادية فقط (طرق، تبليط ،كهرباء…)، ومرد ذلك إلى أن برامج الأحزاب نفسها تتمحور حول نفس الجوانب، وعادة ما تحتل أهمية قصوى في الحملات الانتخابية، وهذا ما أفرغ العمل السياسي من حمولته النبيلة، وأضر بالسياسة أكثر مما ساهم في تطويرها ليس في المغرب فقط، بل في كل بلاد العالم.

ولنتساءل ولنسائل رجال السياسة، ماذا لو بنينا دولة قوية (بمواصفات حديثة) لإنسان منحط مفرغ من القيم والمحتوى الإنساني؟؟ فالأصل في العمل السياسي أن يركز على الإنسان قبل البنيان، مصيبة المغرب منذ الاستقلال تكمن في كونه عجز عن إنتاج المواطن الصالح.

في سبعينيات القرن الماضي كان المستشار “عبد المجيد بنجلون” قد رفع تقريرا مفصلا للحسن الثاني يشرح فيه أسباب التدهور السياسي والاجتماعي والاقتصادي و… وكانت خلاصة التقرير أن الفراغ القيمي الذي أحاط بالعمل السياسي من كل جوانبه سيأتي على الأخضر واليابس، وحتى نربط هذا الحديث بواقعنا نحن، أعتقد والله أعلم أن اهتمامات السياسيين (الذين يمارسون السياسة النافعة لا الانتخابات)يجب أن تنصرف إلى تعزيز حضور المجتمع المدني في كل المستويات، وإلى إشراك المغاربة في حل المعضلات التي تلم بهم، وإلى خلق اللحمة المطلوبة بين كل الفاعلين الغيورين على وطنهم للنهوض بما تعجز الدولة عنه، فمثلا قد تتوقف الدولة عن تنظيف الشوارع (لأسباب مادية) ولكن سواعد المئات من الشباب لن تعجز عن ذلك إذا توفرت الإرادة،وقد تعجز الدولة عن توفير أماكن للترفيه، لكن سواعد الشباب قادرة على غرس الأشجار وتحويل المغرب إلى جنة، وقد تعجز الدولة عن الرقي بالتعليم لكن خلق أجواء للتأطير والتكوين، فالثقافيين كفيل بسد الخصاص الذي تتركه المدرسة في تكوين طلبة العلم وقس على ذلك في كل المجالات،لهذا فإن الهدف الأسمى الذي علينا تحقيقه هو بناء الإنسان،وقد نجح أجدادنا في سالف العهود في بناء الإنسان.

نقل المنوني أن إيراد الأوقاف عادل إيراد بيت مال المسلمين في العهد المريني، وكفى بهذا المثال دلالة على أن الأصل في عظمة الدولة هو الإنسان فماذا أغنت أسوار روما وجيوشها الجرارة وقصورها وأموالها عنها عندما انهارت أخلاق ساكنتها؟
لقد أفلست السياسة بمعناها الميكافلي وبمعناها البراغماتي المتمركز حول المصلحة، وآن للسياسة بمعناها الأخلاقي أن تنتعش وأن تزيح هذا الركام الفاسد من الممارسات الخاطئة، التي حولت النخب إلى أنصاف آلهة يعتقدون أن الشمس لا تشرق إلا ابتهاجا بوجودهم الذي يشبه العدم، وحولت الشعب إلى قطيع من الحملان التي لا تملك لنفسها إلا الثغاء في الرضى والغضب، ولا تفهم للحياة معنى خارج دائرة الاقتيات على الأعشاب.