اليهود والنصارى اقتبسوا نظام الوقف من المسلمين

فريق التحرير

youssef - Copie

اليهود والنصارى اقتبسوا نظام الوقف من المسلمين

يوسف الحلوي

مع أن نصارى الأندلس ويهودها أخذوا نظام التحبيس والوقف عن المسلمين، إلا أنهم حظروا ولاية المسلمين على أوقاف كنائسهم وبيعهم وسائر المعابد، التي يمارسون فيها شعائرهم الدينية، وقد أقر المسلمون أولئك على أوقافهم ولم يتدخلوا البتة في استغلال عائداتها، كما لم يكن من شأنهم أن يتدخلوا في كيفية تدبيرها أو تحديد أوجه صرفها. وقد حفلت كتب النوازل بما يدل على موقف فقهاء المغرب من أوقاف أهل الكتاب، ومن أمثلة ذلك ما جاء في المعيار المعرب من أن ابن سهل سئل عن يهودي حبس على ابنته عقارا وعلى عقبها، فإذا انقرضوا رجع حبسا على مساكين المسلمين، فأجبره صاحب جاه وسلطان على بيع نصف الحبس الموصوف، فكان جواب ابن سهل أن نقض البيع واجب من وجهين: الأول لأن بيع المكره لا يلزم، والثاني لأنه عقار محبس لا يجوز فيه إلا ما يجوز للمسلمين في أحباسهم.
تلك كانت سيرة المغاربة المسلمين مع أبناء الملل الأخرى في زمن غلبتهم وصولتهم، فلما انعكس الحال وصاروا إلى ما صاروا إليه من الضعف، اجتث نصارى الأندلس أوقافهم ودكوا مساجدهم ونصبوا محاكم التفتيش الرهيبة لاستئصال شأفتهم. وبعد الأندلس جاز الفرنسيون إلى عدوة المغرب بعد قرون من الصراع مع الغرب المسيحي، ولما كان مؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1906 م رفض المغرب إدراج مسألة الأحباس في جدول أعمال المؤتمر، لأنها قضية دينية شائكة ليس لمن أسلموا المغرب للحماية الفرنسية حق التداول بشأنها، كما أنه ليس من حق المستعمر أن يخوض فيها. ولكن رفض المغرب كان لا يعدو أن يكون ممانعة بلا معنى، مادامت البلاد برمتها قد وضعت تحت وصاية المستعمر، وما لبث الفرنسيون أن وضعوا الأوقاف نصب أعينهم ليس لما توفره من مداخيل هامة وحسب، بل لأن الوقف نظام يمنح المجتمع من السيادة في تدبير قضاياه ما لا يتماشى مع نزعة الاستعمار الرامية إلى تكريس تبعية المغاربة للوافد الجديد حتى بعد رحيله. وكذلك كان، فقد أجهز الفرنسيون على الأوقاف وعملوا على تفويت أراضيها لأتباعهم، ففي عام 1928 م فقط، اقتطع الاستعمار عشرة آلاف هكتار من أراضي الوقف ومنعوا صرف مداخيل الأوقاف على ما له صلة بالديانة الإسلامية وصرفت عوضا عن ذلك في التبشير وبناء الكنائس، وفي سنة 1933م مثلا، بلغت نفقات الوكالة التبشيرية ما يناهز ربع مليون فرنك فرنسي وخصص ضِعْفُها لبناء الكنائس الكاثوليكية والمعابد البروتستانية، كلها من الميزانية العامة التي تشكل الأوقاف أهم روافدها، ولم يخصص فرنك واحد لصيانة المساجد أو رعاية مصالح المستضعفين المغاربة. وقد عبر أعيان فاس عن تذمرهم مما آلت إليه أوضاع الأوقاف في رسالة بعثوا بها إلى الملك محمد الخامس، كان مما جاء فيها «لا يخفى علمكم ما أصيبت به رعيتكم من الفاقة والإملاق حتى كادت روحها تصل التراق بما انتزع من أراضيها وأملاكها … وهذه إدارة الأحباس تتصرف في جميع الأوقاف الخاصة بالفقراء تصرف المالك في ملكه وهي تعلم علم يقين حاجة الفقراء إلى أوقافهم الموقوفة عليهم في هذا الوقت العصيب».
ولأن المستعمر الفرنسي حين تغلب واشتدت صولته، لم يكن أبدا عادلا حين استأثر بأملاك الوقف وصرفها عن أوجهها المستحقة، ولم يضع نصب عينه تسامح المغاربة مع أبناء الملة المسيحية واليهودية في زمن غلبتهم. فقد أثبت أنه أبعد ما يكون عن نشر القيم وبثها وأن دافعه في القدوم إلى بلادنا هو العدوان واستنزاف الخيرات، وهو غير ملوم في ذلك، لأنه عدو ظهرت عداوته منذ كُنا وكان، ولكن هل يعفى من اللوم اليوم من صار على نهجه إلى حدود الساعة في العبث بمقدرات الأوقاف وسعى في خرابها؟