أمريكا ورهان المحافظين الجدد

فريق التحرير

sami

 أمريكا ورهان المحافظين الجدد

سامي السلامي

حينما تربع ممثل الحزب الديمقراطي السيد “باراك أوباما” على عرش البيت الأبيض في 20 يناير 2009  بعد 8 سنوات من سيطرة الجمهوريين، فإن ذلك لم يكن لإحداث ثورة نوعية في مخرجات السياسة الخارجية الأمريكية بقدر ما كان الهدف منه مواصلة تكريس الهيمنة الأمريكية بوسائل وآليات مختلفة عن نظيره الجمهوري “جورج بوش الإبن”.

وعليه فإن “أوباما” ولتثبيت أقدامه في البيت الأبيض ركز على ثلاث نقاط هامة:

 ـ تحسين صورة واشنطن عن طريق سحب الجنود الأمريكيين من أفغانستان والعراق وخفض الموازنة العسكرية، والتركيز على الشقين الاقتصادي والاجتماعي.

ـ تشجيع الديمقراطية وفق النموذج الأمريكي والتدخل العسكري ضد انتهاكات حقوق الإنسان، مع استثمار الشرعية لتحقيق أهداف الإدارة الحالية في إطار الأحلاف.

ـ التقليل من إمكانية حدوث حروب كبيرة تهدد الهيمنة الأمريكية عن طريق توسيع مجالات تدخل الناتو، لتنتقل مهام الأخير من الدفاع المشترك إلى حماية الأمن بكل ما يهدده من مخاطر فضفاضة كالإرهاب والاتجار بالمخدرات والجريمة العابرة للقارات…

لكن يبدو أن الرئيس الأمريكي ارتكب خاطئا فادحا حينما بالغ في التركيز على الشقين الاجتماعي والاقتصادي والسعي للتعاون كوسائل لإدارة المرحلة مغفلا أهداف السياسة الخارجية الأمريكية التي تبقى ثابتة في السيطرة والهيمنة، فمحاولته لـ”ضبط النفس الاستراتيجي” التي اشتهر بها “إيزنهاور” لم تكن في محلها خصوصا وأن هنالك ملفات حارقة تتطلب الواقعية أحيانا كمنهج في تدبيرها كالأزمة الأوكرانية التي مهدت لعودة روسيا كقوة كبرى، التوسع الاقتصادي الصيني، الحالة السورية، الملف النووي الإيراني وداعش…

إن فشل الإدارة الأمريكية في تدبير الملفات السابقة كان له انعكاسات على مستويين، فعلى المستوى الخارجي شهدت علاقة واشنطن بباقي الحلفاء كالاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية و السعودية وباقي دول الخليج توترا شديدا، كون القوة الحامية (أمريكا) لم تعد مستعدة للانتحار قصد الدفاع عن محمييها، بل إنها ذهبت نحو التفاهم مع إيران وتلافي الصدام المباشر مع روسيا والصين والتخفيف من خطابها تجاه كوريا الشمالية سعيا لخلق مناخ جديد وتلافي أي حرب يهدد تصعيدها استمرار أمريكا كوحيد للقرن الواحد والعشرين، خصوصا وأن اقتصادها لم يعد قادرا على تحمل تبعات أي مواجهة غير مدروسة العواقب.

أما على المستوى الداخلي، فإن جميع الانجازات التي حققها أوباما على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي،  لم تشفع له أمام الرأي العام الأمريكي الذي أصبح يستشعر بالخطر تجاه أفول الصورة النمطية لأمريكا المهيمنة والمسيطرة، وهي صورة لصيقة بالثقافة الأمريكية.

***

إن إحاطتنا هذه لم تكون سوى مدخلا يسبق محاولة فهم التحول الخطير الذي شهده الداخل الأمريكي بعد سيطرة الحزب الجمهوري على الكونغرس الأمريكي بمجلسيه خلال انتخابات التجديد النصفية في 4 نونبر الجاري، ما مهد لتعايش بين مؤسسة رئاسة ديمقراطية وسلطة رقابة وتشريع جمهورية، تعايش يمكن أن نصفه بـ”تعايش تنافسي”، لكن يبقى السؤال الأهم هنا، هل أوباما قادر على الحفاظ على الحد الأدنى من مكتسباته؟ وإلى أين تتوجه السياسة الخارجية خلال فترة التعايش وبعدها؟

أولا، لابد من التأكيد على أن سيطرة الجمهوريين على الكونغرس لا تعني من الناحية النظرية تحكمهم في دواليب القرار السياسي الخارجي الأمريكي، فصنع السياسة الخارجية يبقى بدرجة أولى بين يدي السلطة التنفيذية المتمثلة في الرئاسة، إلا أن تلك السيطرة تتيح لهم (أي الجمهوريين) إسقاط تشريعات ومراقبة الموازنة العامة خلال السنتين القادمتين ما سيمثل تضييقا على الإدارة الأمريكية الديمقراطية التي يشكل الشق الاقتصادي والاجتماعي أساس برنامجها الانتخابي.

ثانيا، إن تدبير مرحلة التعايش يقتضي من كلا  الطرفين الخفض من سقف مطالبهما، لكن سيطرة تيار المحافظين الجدد على الحزب الجمهوري تدعونا للقول أن إدارة أوباما أمام محك حقيقي، بل إنها أمام حتمية التنازل وإشراك نفس التيار في صنع السياسة الخارجية عن طريق لجنة السياسة الخارجية بالكونغرس إن هي أرادت تجنب أي صدام يؤثر على مكتسباتها في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

وبالعودة لتيار المحافظين الجدد، فهو تيار فكري سيطر لسنوات على توجهات السياسة الخارجية الأمريكية بدءا من “مشروع القرن الأمريكي الجديد” الذي تقدم به “فرانشيسك فوكوياما” و “ديك تشيني” و “دونالد رامسفيلد” وآخرون سنة 1997، هذا المشروع الذي يعتبر أن على أمريكا الاستعداد قدر الإمكان لمواجهة الأخطار، وعسكرة سياستها الخارجية والتدخل العسكري المباشر للحفاظ على مصالحها القومية وأهدافها الإستراتيجية في شتى مناطق العالم، وكذا التعامل مع القانون الدولي كوسيلة وليس كغاية، فالنسبة لنفس التيار “أمريكا أولا” وأن القيادة وحدها غير كافية. هي أفكار ترجمت على أرض الواقع عن طريق الحروب الوقائية ـ اللامشروعة ـ التي تبنتها إدارة “بوش الابن” لغزو أفغانستان واحتلال العراق والتهديد بغزو دول أخرى أدرجتها ضمن محور الشر كسوريا وإيران وكوريا الشمالية، وهي عقيدة خلقت نوعا من الفوضى وانعدام الثقة بين الحلفاء قبل الأعداء.

المفكر الأمريكي “فرانشيسك فوكوياما” أو فيلسوف تيار المحافظين الجدد كان له رأي آخر سنة 2006 في كتاب له بعنوان ” أمريكا في مفترق الطرق.. الديمقراطية والقوة وميراث المحافظين الجدد ” حيث تحدث عن ضعف السياسة الأمريكية بشقيها النظري والعملي، وأن الاستخدام المفرط للقوة بالانغماس في العسكرة سيكون أحد أسباب سقوط أمريكا في انقلاب واضح على فكر المحافظين الجدد، كما لو أن فوكوياما يتقاطع مع بول كيندي في كتابه “صعود وسقوط القوى العظمى” باعتبار أن أسباب انهيار الإمبراطوريات هو امتدادها الامبريالي وأن أمريكا لم تحسب جيدا هذا الجانب.

***

إن انقلاب فوكوياما على نفس التيار السابق الذكر لا يعني موت هذا الأخير كونه لا يرتبط بأشخاص بقدر ارتباطه بأفكار لها داعميها ومريدها كـ “ديك تشيني” و “بول وولفويتز″ و “دونالد رامسفيلد” و “جيب بوش”، وهي أفكار بدأت ترى النور من جديد بعد رضوخ أوباما أربعة أيام عقب الانتخابات النصفية حيث قرر في السابع من نونبر الجاري إرسال 1500 عسكري إضافي إلى العراق بحجة تدريب القوات الحكومية والكردية على محاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” ومساعدتها في التخطيط للعمليات، وهو من كان يرفض قبل أيام رفضا تاما ومطلقا التدخل خارج إطار الضربات الجوية المحدودة الأهداف، تلاه إعلان وزير الدفاع الأمريكي “تشاك هاغل” في 14 من الشهر الجاري إلى ضرورة تطوير الترسانة النووية الأمريكية والرفع من الموازنة المخصصة لها.

الرضوخ الأخير من أوباما لتيار المحافظين الجدد يحيلنا إلى تحول خطير في وسائل الإدارة الأمريكية والتي أصبحت تتلون بفكر هذا التيار، ما سيؤثر على العديد من مخرجات السياسة الخارجية خلال السنتين القادمتين وخصوصا تجاه أوراسيا  التي يصفها جون ماكيندر بـ “قلب الكرة الأرضية”، وكذا في طريقة تدبيرها وإدارتها للملف النووي الإيراني الذي سيمثل نقطة انفجار حرب عالمية ثالثة في حال لجوء الرئيس أوباما للقوة في تدبيره له بخضوعه للتيار السابق الذكر وهو أمر مستبعد.

هذا ويذهب العديد من المحللين السياسيين للتأكيد على أن مرشح الحزب الجمهوري المرتقب في الانتخابات الرئاسية القادمة “جيب بوش” أكثر حظا للظفر بكرسي الرئاسة على مرشحة الديمقراطيين المحتملة “هيلاري كلينتون”، ما سيمهد لهيمنة العسكرة من جديد على السياسة الخارجية الأمريكية.

لكن تصاعد قوة كل من روسيا الاتحادية والصين ولجوئهما لتعزيز مواجهتهما لأمريكا في إطار الأحلاف تحت كنف منظمتي شنغهاي وبريكس، تجعل من محاولة تكرار المحافظين الجدد لنفس السياسات التي طبقوها خلال إدارة جورج بوش الإبن خطأ إستراتيجيا فادحا، فإدراك حجم المواجهة وطبيعة التناقضات القائمة يحيلنا إلى خطورة الاستمرار في إلغاء مصالح موسكو وبكين ومحاولة احتوائهما والتي ستحول الحرب الباردة الحالية إلى أخرى ساخنة، فهل يذهب المحافظون الجدد بأمريكا نحو حرب عالمية؟

لسنا غافلين لمعطى الردع النووي الذي يجعل من أي حرب عالمية ثالثة مستحيلة، لكننا نرى أن الحديث في المستحيل كما يرى الاستراتيجي الأمريكي “بول براكن” في كتابه “العصر النووي الثاني” هو من دفع أمريكا لتعديل عقيدتها وإتباعها لعقيدة كيسينجر في حال قيام ضربة نووية أولى والاستعداد للرد، فبالنسبة لبراكن أزمات الشرق الأوسط وأي تصعيد فيها وخصوصا تجاه إيران تهدد بقيام حرب نووية فما بالكم بحرب عالمية ثالثة بمعناها التقليدي وسط مناخ من التوتر والتناقضات لم يشهده العالم منذ أزمة الصواريخ الكوبية.

المصدر: www.raialyoum.com