سقوط آخر أوراق شجرة الربيع العربي

يوسف بخوتة

vvvv

سقوط آخر أوراق شجرة الربيع العربي

يوسف بخوثة

نطق القاضي براءة.. رفعت الجلسة، وجلس الشعب العربي مشدوها أمام مشهد مريب ومرعب في تاريخ ثورة مزعومة، ثورة 25 يناير، حيث أطيح بالرئيس المصري حسني مبارك الذي عمر في كرسيه ثلاثة عقود متواصلة وكان ينوي توريثه لنجله جمال، نطق القاضي براءة من تهم كان قد حكم بها سابقا بالمؤبد، تهم تتعلق بالقتل والخيانة والفساد وأمور أخرى، قتل متظاهرين عزل أيام (الثورة المجيدة)، وبيع الغاز المصري لإسرائيل بأثمنة تفضيلية، تهم حكم بها من قبل، وحين قام ما قام في مصر سنة 2013 وأطيح برئيس منتخب شرعا من طرف الشعب، بعد انقلاب عسكري قاده وزيره في الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي والذي أصبح رئيسا لمصر بعد أكبر مذبحة عرفتها الدولة المصرية، إذ أباد في أربع ساعات ما يزيد عن أربعة آلاف شخص أعزل في ما يعرف بفض اعتصام رابعة العدوية، الذي كان يعتصم به الإخوان المسلمين بعد الإطاحة وسجن الرئيس المنتخب محمد مرسي، ومن بعد ذلك حكم على الأخرين بالإعدام في أغرب حكم عرفه التاريخ، حيث حكمت محاكم مصر على أزيد من ألف شخص بالإعدام على دفعتين بتهم متعددة، حكم أثار حفيظة المجتمع الدولي الحربائي المواقف فيما يخص الشأن المصري والعربي بصفة عامة.

كل هذا كان يمهد بأن تنطق المحكمة ببراءة الرئيس المخلوع حسني مبارك، كيف لا وهي من نطقت بحكم الإعدام على ألف شخص؟ إن تبرئة مبارك ونجليه وحاشيته، هو إلتفاف على الثورة – إن كانت هناك ثورة حقا- وعودة العهد السابق بكل تلاوينه، فلا نعجب إن رأينا غدا مبارك أو إبنه رئيسا لمصر بتصويت من الشعب، فالشعب هو من فوض للسيسي بأن يقتل الناس في رابعة العدوية، والشعب من اختار السيسي رئيسا لمصر.

إن أدراجي للشأن المصري في مقدمة مقال ليس إعتباطيا، بل كان معتمدا لما تمثله مصر من دور في المحور العربي الذي عرف انتفاضات في الأربع سنوات الأخيرة، سماها البعض بثورة، إن مصر هي محور العالم العربي، ولها تأثر على السياسة الدولية في هذه البقعة، وإن ما وقع في مصر سيؤثر على الدول الأخرى التي عرفت انتفاضات انتهت بالإطاحة بالرؤساء، فمن تونس إلى مصر إلى ليبيا ومرورا باليمن وسوريا، كل هذه الشعوب عرفت في سنة 2014 إلتفاف واضح على ما حققتها أيام ثورتها، إذا استثنينا سوريا التي تعتبر النقطة العويصة في هذا الحراك العربي، والتي منها بدأت مسألة العودة إلى الخلف من أجل الأمن والأمان.

فتونس أطاحت ببن علي في يناير 2011 وعرفت ثورتها مسارات وانعطافات خطيرة أزهقت فيها الأرواح، وتقاتل الساسة على من يخلف الرئيس، وحاولوا ما أمكن أن يخرجوا بالبلاد إلى بر الأمان، لكن في الأخير استطاع العهد القديم أن يعود بعد أن أصبح باجي قائد السبسي الوزير الأول في عهد بن علي ينافس رجل مشهود له بالنضال وخبر السجن والمنفى من أجل تونس منصف المرزوقي على كرسي الرئاسة في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، وفاز بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الاخيرة تحت لواء حزب نداء تونس، أليس السبسي من حاشية بن علي؟ إنه بعودته إلى رئاسة تونس سيعود النظام القديم بكل قوته، ويذهب بنضالات تونس إلى ما كانت عليه من قبل أو أكثر.

ليبيا الجريحة، قامت بثورة فبراير واطاحت بالقدافي وقتلته، لكن لم تطيح بالنزعة التي زرعها النظام القديم فيها، حيت بقتل القدافي تقاتل الثوار فيما بينهم وحولوا ليبيا إلى جحيم لا يطاق، وشددوا الخناق على الشعب، وكل هذا مهد الطريق إلى النظام القديم أن يعود عبر الجنيرال خليفة حفتر الذي يحاول أن يقوم بانقلاب عسكري في ليبيا ويعيدها إلى نظام القدافي قهرا لا طوعا.

اليمن بلاد القات، فهم حقا خدروا جيدا من طرق النظام السابق الذي خرج من الباب وترك مسمار جحا في قصره يعود إليه وقت ما شاء، خرج الرئيس اليمني علي عبد الله صالح وترك منصور هادي الذي كان نائبا له ويمشي بأمره يحكم البلاد بعد اتفاق ما يعرف بالمبادرة الخليجية التي رعتها الولايات المتحدة، خرج صالح وترك نائبه يعرفه جيدا، ثم عاد من مشفاه بأمريكا محدثا زلزلا سياسيا أدى إلى التطاحن من جديد بين الطوائف، وكان هو فتيل هاته الفتنة كاملة، ولا زالت اليمن لم تخرج من أزمتها السياسية إلى الآن رغم التدخلات الدولية المحتشمة.

مصر وكما سردنا سابقا عاد النظام القديم بطريقة مخيفة جدا سيذهب بالبلاد لا محالة إلى الهاوية، حيث العسكر من يحكمون مصر بلباس مدني، ورموز العهد القديم أفرج عليهم أو سيفرج في القريب العاجل، وسيسيطرون مجددا على دواليب الحكم، وتعود مصر إلى سابق عهدها، يخشى الناس الوقوف في الشوارع مخافة الموت، لأن الدم المصري رخيص جدا إلى درجة باستطاعة كل واحد أن يقتل ما يشاء دون محاكمة أو تأنيب الضمير حتى.

سوريا النقطة العويصة في المعادلة العربية، قامت فيها القائمة كغيرها من الدول المجاورة، لكن لعب بها لعبا من طرف أياد خارجية بعثرت أوراقها، وأفقدتها أهدافها، وضاعت بين مصطلحات اختيرت أساسا لهذا الصراع، نظام وجيش حر يمثل المعارضة، ثم انقسام جبهة النصرة وفصائل أخرى من الجيش الحر، ثم كارثة حين تم الانشطار وخرجت لنا دولة الإسلام للعراق والشام (داعش)، وقد لعبت القوى الدولية لعبها هنا في هذه البقعة الهشة، حيث أرادت وأد الزحف العربي كي لا يشمل دول أخرى ويضر بمصالحها من جهة، وكذا الحفاظ على سلامة إسرائيل من جهة أخرى، فكان لابد من خلق داعش لتفتيت هذا القطر العربي إلى دويلات صغيرة، وتحقيق حلم الولايات المتحدة بشرق أوسط جديد كما خططت له سابقا، وبهذا لازالت سوريا والعراق تؤدي الثمن غاليا من جراء التطرف، والنظام باق في مكانه لن يحركه أحد، بعدما ضعفت قوى المعارضة وتفتتت في أرياف سوريا.

بهذا تكون أخر الأوراق تسقط من شجرة الربيع العربي الذي وصل خريفه فلا خير ينتظر من ثورة بلا قائد، أو ثورة تخطط لها القوى العظمى للحفاظ على مصالحها داخل هذه البقع.